نبض فلسطين

خزاعة...Ground Zero

p
بقلم
بإختصار
شرق خانيونس، قطاع غزة - انتهت الحرب، ولكن أهالي منطقة خزاعة الذين لا يتجاوز عددهم العشرة آلاف لا يؤمنون بذلك بعد، إذ أنّ صوت طائرة الاستطلاع التي تحلّق عن قرب تجعلهم لا يفكّرون سوى بالموت والموتى. وقال محمد النّجار (23عاماً) الذي يقف على حطام منزله: "ستعود الحرب، نعرف ذلك، اسمعي صوت الزنانة، لا يكفيهم أنّهم تركوا لنا دمار بيوتنا وذاكرة أليمة، بل يصروّن على أن يبقى التّهديد قائماً"....

شرق خانيونس، قطاع غزة - انتهت الحرب، ولكن أهالي منطقة خزاعة الذين لا يتجاوز عددهم العشرة آلاف لا يؤمنون بذلك بعد، إذ أنّ صوت طائرة الاستطلاع التي تحلّق عن قرب تجعلهم لا يفكّرون سوى بالموت والموتى.

وقال محمد النّجار (23عاماً) الذي يقف على حطام منزله: "ستعود الحرب، نعرف ذلك، اسمعي صوت الزنانة، لا يكفيهم أنّهم تركوا لنا دمار بيوتنا وذاكرة أليمة، بل يصروّن على أن يبقى التّهديد قائماً".

ليس محمّد وحده يشعر بعدم الأمان، بل هو شعور مشترك عند أهل هذه القرية الطيّبين الذين فضّلوا الرّجوع إلى بيوتهم المهدّمة، عوض البقاء في مدارس اللاّجئين، ليروون الحكايات ذاتها التي تكرّرت في كلّ مكان بقطاع غزّة، لكن هناك شيئان لم يحدثا سوى في خزاعة: الإعدام والاعتقال.

لقد حاول "المونيتور" مرّتين دخول خزاعة خلال الحرب، ولكن كان الاحتلال الإسرائيليّ أعلنها منطقة عسكريّة وحظّر الاقتراب منها.

لا ينبئ مدخل القرية كثيراً بما ستلقاه بعد مسافة قصيرة داخلها، حيث يقع حيّ عائلة النّجار في وسطها، فالطّقوس المفضّلة لطائرات الاحتلال في الهدم الجماعيّ للمنازل، تجعلك تعرف أنّ الحرب لم تمر من هنا فقط، بل جلست وأكلت وشربت أيضاً.

وقال رياض النّجار (42عاماً)، وهو يقف بجانب أحد خزانات الماء التي يحاولون إصلاحها: "لقد استخدموا المتفجّرات في هدم المنازل، فوجدنا الديناميت وسط التبن".

إنّ الجميع هنا يعرف تفاصيل ما حدث، أسماء الشهداء، قصصهم، وخلفيّاتهم، كأنّها غدت ذاكرة جديدة مقدّسة للقرية. وفي هذا السياق، قال ممدوح النّجار (22عاماً): "للمرّة الأولى، استطعنا دخول خزاعة بعد خروجنا بسبب الاجتياح البريّ، فوجدنا هناك عند المدخل، طفلة تبلغ حوالى التّاسعة من العمر على كرسيّ متحرّك مقتولة بالرّصاص، وجسدها متحلّل، وهي من عائلة أبو رجيلة. وليس بعيداً عنها، وجدنا رجلاً مسنّاً جسده متحلّلاً أيضاً، وكان يبدو أنّهما يحاولان الفرار. أمّا في المنازل المهدّمة فوجدنا بعض جثث المقاومين. وكنا حين نحاول سحبها تخرج معنا قدم الشهيد أو يده".

لقد كانت خزاعة، التي تقع شرق محافظة خانيونس - جنوب القطاع، إحدى خطوط المواجهة الرئيسيّة في الحرب، بسبب وقوعها عند الحدود مع إسرائيل.

وقال بكر النّجار (26عاماً): "لقد نادى علينا الجيش من أجل أن نخرج، وحين مشينا وسط القنابل والصواريخ التي تتساقط كالمطر أطلقوا علينا النار، فاستشهد أمامي خالي وابن خالي، وقد تركناهما خلفنا، وكان من يموت، ونحن نمشي لا نستطيع الرجوع إليه أو سحبه، بل نستمرّ في المشي".

ولقد أشارت مؤسّسة "هيومن رايتس ووتش" إلى أنّها "حقّقت في وقائع عدّة بين 23 و25 تمّوز (يوليو) حين قامت قوّات إسرائيليّة، بحسب سكّان محليّين، بفتح النّار على مدنيّين يحاولون الفرار من خزاعة"، معتبرة أنّها جريمة حرب ارتكبتها قوّات الاحتلال.

وفي هذا المجال، قالت فضّة النّجار (63 عاماً)، وهي تطبخ البامية على غاز صغير في خيمة صنعها أبناؤها من الأغطية والعصي، بجانب منزلها المهدّم، وتبدو صابرة على فقدان ابنها ومنزلها: "كان مقاوماً، وأحتسبه عند الله. لقد استشهد في 24-7-2014، وأنا أشتاق إليه، ولكن أعرف أنّه اختار هذه الطريق، وأنا راضية عنه".

وليس بعيداً عن منزل فضّة المهدّم هناك، منزل محمد محمود النّجار الذي أخذنا إليه علاء النّجار (20عاماً)، وهو يقع في الطابق الأرضي ويشبه القبو، وتفترش أرضه عشرات الأحذية لنساء وأطفال ورجال، الأمر الذي يساعد بسهولة في استرجاع المشهد الذي كان سائداً فجر 25-7-2014، حين كان يحتمي في القبو أكثر من ثمانين مواطناً من القرية، وقصفته قوّات الاحتلال. وفي هذا الإطار، قال علاء الذي كان من بين اللاّجئين في المنزل: "أوّلاً قصفوه بالمدفعيّة، ثمّ بصاروخ طائرة الاستطلاع. وبعدها بقنبلة طائرة أف 16، وسط صراخ الأطفال والنساء، فأصيب العديد منهم، وسقط من بينهم شهيدان كبيران في السنّ، هما: كامل النّجار وسالم قديح".

وهنا، تتّخذ الحكاية مساراً آخر حين تتابعها سوزان النّجار (37عاماً) قائلة: " أصيب زوجي في القصف، وكان ابننا المعتصم وعمره ستّة أعوام خائفاً جدّاً، فحملناه وخرجنا به، ولكن رصاصة من جنود الاحتلال هشّمت رأسه أمامنا، فعرفت أنّنا إذا لم نتحرّك سيموت بقية أطفالي الأربعة".

ومشت سوزان، وهي تشير إلى المكان الذي وضعت فيه مع زوجها جثة ابنها الشهيد المعتصم، فوق مجموعة من البلاط التي يعلوها الرمل، وتظلّلها إحدى الشجرات الوارفة، فهناك أراحته وتركته، لتركض مع زوجها وبقية أطفالها آية ونظمي ورغد وزيد.

وأضافت: "لقد عرفت أنّه إذا لم أترك ابني وأركض سنموت جميعنا، فقد كان الرصاص مصوّباً نحو الذين خرجوا من القبو".

وقالت ودموعها في عينيها: "تركت ابني تسعة أيّام، وأنا أسأل خايف من العتمة يا ماما؟، أكلوك الكلاب يا ماما؟ بردان يا ماما؟ ولم أرتح إلاّ حين عدنا ودفناه، ولم يتركوني أراه، إذ كانت جثّته متحلّلة".

وعن اعتقال الأهالي، قال أحمد النّجار (39عاماً) الذي جال بنا داخل منزله البسيط: "دخلت قوّات خاصّة إسرائيليّة منزلي بعد تفجير الجدار الخلفيّ، واعتقلتني إضافة إلى 30 رجلاً من القرية، ووضعونا جميعنا في الدبّابات بعد أن غطّوا عيوننا، وأمرونا بأن نخلع ملابسنا وأخذونا إلى مساحة بقينا فيها ستّ ساعات. ثمّ نقلونا مرّة أخرى إلى داخل إسرائيل، وهناك بقيت أربعة أيّام يحقّقون معي، ورجعنا جميعاً عبر معبر ايرز، لكن بقي من عائلتنا أربعة معتقلين".

وإنّ شحدة النّجار (44عاماً) يشارك قريبه أحمد القصّة ذاتها، ولكن الفرق أنّه حين أمروه بأن يصعد إلى الدبابة قام جنديّ من مكان آخر بإطلاق النار عليه، فدخلت رصاصة متفجّرة في رقبته وأخرى في ذراعه، وقال لـ"المونيتور": "حين أطلق الجنديّ الآخر عليّ النّار، قام الضابط الذي يحتجزنا بالصراخ عليه، فبقيت أنزف ستّ ساعات أثناء اعتقالي، حتى اتّصلوا بالصليب الأحمر ليتم نقلي إلى المستشفى الأوروبيّ. واستغرب الأطبّاء هناك، بأنّي لا أزال على قيد الحياة".

ألسنتهم لا تتوقّف عن وصف الحرب وأيّام الرعب التي عاشوها في خزاعة، إذ لم يكن هناك سوى القتل متحكّماً بالمشهد. ووحدها الصدف تركت شهود العيان على قيد الحياة، ويبدو أنّ جروحهم ستظلّ طريّة إلى أن تختفي طائرات الاستطلاعات، ويبنون منازلهم من جديد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : war, israeli-palestinian conflict, israel, gaza

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept