قصور وزارة الثقافة لا تحمي الثقافة العراقية مما يعصف بها

المشهد الثقافي في العراق ملتبس هو الآخر. فالواقع العراقي يعاني مظاهر التخلف والفساد الإداري والطائفية والتراجع العلمي، وهذا دليل غياب الدور الثقافي الفاعل. والثقافة العراقية ذاتها تعاني الكثير من الأزمات التي افقدتها قدرتها على التأثير والتغيير. فيما يغيب صوت المثقف وسط دوامة العنف ويتحول في اغلب الاحيان الى ضحية.

al-monitor .

المواضيع

security, sectarianism, iraq, intellectuals, culture, corruption, construction

سبت 19, 2014

المشهد الثقافي في العراق ملتبس هو الآخر. فالواقع العراقي يعاني مظاهر التخلف والفساد الإداري والطائفية والتراجع العلمي، وهذا دليل غياب الدور الثقافي الفاعل. والثقافة العراقية ذاتها تعاني الأزمات التي افقدتها قدرتها على التأثير والتغيير. ويغيب صوت المثقف وسط دوامة العنف ويتحول أحياناً الى ضحية. وأمام هذا الواقع ترى وزارة الثقافة أنها تقوم بما عليها من واجبات وتواصل تنفيذ مشاريعها وفق الخطط المرسومة. وفي معرض تعليقه على هذا الواقع يحيل الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة طاهر الحمود الجزء الاكبر من المسؤولية عن تدهور الوضع الثقافي العراقي على المثقفين العراقيين أنفسهم وعلى المشكلات الإدارية التي ورثتها الوزارة من عهد نظام صدام حسين. فيما يرى مثقفون عراقيون أن وزارتهم لا تقدم حلولاً بل هي ذاتها جزء من المشكلة.

ولعل ادارة وزير واحد لوزارتي الثقافة والدفاع في الوقت ذاته، هو احد مظاهر الالتباس هذا. وكان هذا مثار استغراب العراقيين الذين يرون ان الحكومة تستكثر على الثقافة ان يكون لها وزير بصلاحيات كاملة، فيما تستهين بشؤون الدفاع حين توليها شخصاً غير متفرغ. وإلى هذا السبب يعزون تراجع الأداء في الوزارتين معا. 

أحد المشاريع التي تواصل وزارة الثقافة العمل عليها بشكل دؤوب هو مشروع بيوت وقصور الثقافة. وهي مراكز ثقافية يتواصل بناؤها في محافظات العراق. ويشتمل القصر الثقافي، الذي يبنى على مساحة لا تقل عن 3000 متر مربع، على مسرح وصالة سينما واخرى للفنون التشكيلية والأزياء والأعمال الحرفية، فيما يشتمل البيت الثقافي على مرافق مشابهة أقل سعة. وفي حوار هاتفي مع المونيتور في الثالث عشر من ايلول/سبتمبر الجاري، تحدث من بغداد عقيل المندلاوي مدير دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة عن المشروع قائلا أن " الحد الأدنى لكلفة القصر الواحد هي إثنا عشر مليون دولار وتزداد هذه الكلفة بازدياد مساحة القصر. ومنذ عام 2005 والى الآن، تم إنجاز 49 قصراً وبيتاً في المحافظات، فيما يتواصل العمل على انشاء ثلاثة عشر قصراً جديداً". ورغم الكلفة العالية للمشروع، فإن المندلاوي يؤكد على ضرورة استمراره قائلا: "أين يقيم المثقفون ندواتهم؟ وأين يعرضون مسرحياتهم؟ وأين يعرض الفنان لوحاته؟ بدون هذه الاماكن لا يوجد نشاط ثقافي فاعل، ولهذا فإن الوزارة تواصل مشروعها حتى تغطي كامل التراب العراقي".

وبالمقابل يرى مثقفون عراقيون، إن حاجتهم تختلف عما تذهب اليه وزارتهم. ويرى هؤلاء ان الثقافة العراقية تخوض الآن حرباً ضد قوى التطرف والظلام، وان الاولوية هي لحماية الثقافة والمثقف من تهديد القوى المعادية للثقافة. وهذا التباين في وجهات النظر يدلل على عمق الهوة بين رؤية الوزارة لواقع الثقافة وأولوياتها ورؤية المثقفين لذلك الواقع.

ويحيل فاضل ثامر رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في العراق في حديث هاتفي للمونيتور من بغداد في 13 ايلول/سبتمبر، المشكلة الى غياب الإستراتيجية الثقافية، ويرى ان لا وزارة الثقافة ولا الدولة العراقية تمتلكان مثل هذه الإستراتيجية، ويرى ثامر أن الامر اخطر مما يتصور البعض ويقول: "كنا نعتقد ان السبب في غياب الاستراتيجية الثقافية يكمن في انشغال الدولة بالملفات الأمنية والسياسية الساخنة. ولكننا بعد متابعة مضنية أدركنا ان الأمر مقصود، فالدولة ليست على وفاق مع الثقافة. بل أن بعض اطراف السلطة في العراق لها مواقف معادية للثقافة وتدفع باتجاه تكميمها وتكفيرها".

والمتابع لمشاريع وزارة الثقافة العراقية يجد أن الغالب عليها هو طابع اعادة التأهيل والصيانة لمرافق دينية او سياحية او علمية، او بناء مراكز جديدة. هذا في الوقت الذي يشكو فيه المثقفون من محاولات طمس الثقافة التي تمارسها قوى واطراف ظلامية. وهذا ما يؤكده فاضل ثامر في حديثه للمونيتور قائلا: "أنا مع بناء الدور الثقافية ولكننا نتعرض الآن الى تهديدات حقيقية من قبل ميليشيات وقوى دينية متطرفة تحرم الثقافة وبعض اشكال الفنون مثل المسرح والموسيقى والنحت والفن التشكيلي. وهناك أكثر من رقيب يهدد اقلامنا ووعينا، ونريد من وزارة الثقافة التعاون لإنقاذ الثقافة والمثقفين من هذا الواقع".

ويتحدث عقيل المندلاوي عن مشاريع أخرى للوزارة مثل مشروع دعم البرامج الثقافية والمخصص لدعم المثقف ماليا لقاء نتاجه الثقافي. ويعترف المندلاوي بأن المشروع يعاني من التلكؤ وضعف الأداء وأنه لم يزل في خطواته الأولى. أما مشروع المنح الثقافية للمثقفين فيعاني هو الآخر من التلك. أما فاضل ثامر فينقل واقعاً مغايراً إذ يعتقد بأن الوزارة غير معنية بدعم الثقافة الحقيقية ويستدل على ذلك بالقول أن "اتحاد الادباء يفتقر الى اي شكل من اشكال الدعم بل على العكس يتعرض الى تهديدات من جهات متطرفة بالإغلاق بحجة أن له نادياً تقدم فيه المشروبات الكحولية، والوزارة لا تحرك ساكنا".

ويعضد فاضل ثامر هذا الرأي قائلا "الوزارة تعترف أنها غير معنية بدعم النشاط الثقافي في العراق او النقابات الفنية والادبية وتصرح بأنها معنية بإدارة نشاط الدوائر والمديريات التابعة لها فقط".

ووسط هذا التنافر الكبير تزداد الأزمات تفاقماً. فواقع الحال ان الثقافة العراقية تعاني من التشرذم ويغلب على مشاريعها الطابع الفردي، وقد فقدت قدرتها على التغيير، فيما تواصل الانعزال عن بيئتها العربية، وليس لها حضور ملموس على الصعيد العالمي. وإزاء هذا الواقع المتردي، فإن الخطوة الأهم التي ينبغي القيام بها الآن، هي سنّ تشريعات قانونية تضمن حرية التعبير وتمنح ضمانات لحماية المثقف وحقه في التنوع والاختلاف. وهذا لا يمكن تحقيقه في ظل تضارب الرؤى بين المثقفين ووزارتهم، بل يتطلب توافق ودعم الطرفين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020