نبض فلسطين

ثلاثة آلاف طفل ضحايا الحرب الإسرائيليّة على غزّة بينهم مئات الإصابات الحرجة

p
بقلم
بإختصار
خان يونس، غزة — ينتقل من مكان إلى آخر داخل المستشفى، ابتسامته ترتسم على محياه، لا تفارقه، وشقاوته يترجمها بحركات يديه العفويّة. عندما يتعب، يذهب ليرتاح على سريره إلى جوار شقيقه الأكبر الذي أصيب معه في القصف ذاته، لكنّه يعود على عجلته المتحرّكة، لأنّه بكلّ بساطة، طفل فقد ساقه اليسرى! فلم يكن يدري الشقيقان وسيم وإبراهيم خطّاب، اللذان يقطنان في مدينة دير البلح وسط قطاع غزّة، أنّ خروجهما...

خان يونس، غزة — ينتقل من مكان إلى آخر داخل المستشفى، ابتسامته ترتسم على محياه، لا تفارقه، وشقاوته يترجمها بحركات يديه العفويّة. عندما يتعب، يذهب ليرتاح على سريره إلى جوار شقيقه الأكبر الذي أصيب معه في القصف ذاته، لكنّه يعود على عجلته المتحرّكة، لأنّه بكلّ بساطة، طفل فقد ساقه اليسرى!

فلم يكن يدري الشقيقان وسيم وإبراهيم خطّاب، اللذان يقطنان في مدينة دير البلح وسط قطاع غزّة، أنّ خروجهما من البيت في أحد أيّام الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة، والتي انتهت في الثامن والعشرين من شهر آب/أغسطس الفائت، واستمرّت لمدّة واحد وخمسين يوماً، ستؤدّي إلى إصابتهما إصابات خطيرة أدّت إلى فقدان الأوّل قدمه اليسرى وإصابة الثاني في شكل حرج في قدميه الإثنتين.

لطالما عشق وسيم، الشقيق الأكبر بين إخوته، والبالغ من العمر 15 عاماً لعب كرة القدم، حتّى جاءت صواريخ عدّة أطلقتها طائرات الاستطلاع الإسرائيليّة المعروفة شعبيّا بـ"الزنانة"، عدداً من صواريخها، لتقضي على حلمه إلى الأبد، ويصبح صاحب إعاقة دائمة.

يقول وسيم ذو العينين العسليّتين الممتلئتين بالنشاط والتفاؤل، على الرغم من إصابته الحرجة، لـ"المونيتور": "أتمنّى أن أعود إلى ما كنت عليه، وألعب مع أصدقائي، خصوصاً كرة القدم التي أحبّها كثيراً. كما أنّني أنتظر عودتي إلى المدرسة، حتّى أستأنف دراستي في الصفّ الأوّل ثانويّ".

في مستشفى الهلال الأحمر للتأهيل في مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزّة، التقينا بالشقيقين الطفلين خطّاب قبل سفرهما إلى العلاج في ألمانيا. فيما يتنقّل الطفل إبراهيم، الأصغر بين إخوته والبالغ من العمر تسع سنوات، والذي بترت قدمه اليسرى، على عربته المتحرّكة بمساعدة والده، يبدو وسيم أكثر تماسكاً من شقيقه ووالده. غير أنّه يبدي تخوّفه من شكل حياته، سيّما أنّه يرى أقرانه يسيرون على أقدامهم.

وتساءل إبراهيم ببراءة الأطفال: "كيف سأعيش حياتي في ما بعد، فقدمي التي كنت أسير عليها، وألعب من خلالها بترت الآن، فأنا لا ذنب لي سوى أنّني كنت ذاهباً إلى بيت أخوالي، كيف سأذهب إلى المدرسة، وكيف سألعب مع أصدقائي"؟

أضحى العديد من التساؤلات يخطر على بال إبراهيم الذي أصبح من ذوي الإعاقات، ليل نهار، والتي لا يجد لها جواباً في الوقت الراهن، فيما تشير العلامات الخارجيّة على جسده أنّه يشهد تراجعاً كبيراً في وزنه، إذ لا يتعدّى وزنه الآن التسعة عشر كيلوغراماً.

يحاول الوالد خالد خطّاب مساعدة إبنيه اللذين أصيبا بالبتر بسبب تناثر عدد من الشظايا في أنحاء جسدهما كافّة، للتأقلم مع حياتهما الجديدة وتقبّلها، وأوضح لـ"المونيتور": "أحاول مساعدتهما للخروج بأقلّ الخسائر، باستخدام القدم الاصطناعيّة لإبراهيم، ومحاولة التوصّل إلى أفضل علاج لوسيم".

ويشكو خالد من الوضع الاقتصاديّ الصعب الذي أبقاه عاطلاً عن العمل لمدّة تتجاوز الثماني سنوات، بسبب الحصار الإسرائيليّ على قطاع غزّة، فيما أثقلت إصابة إبنيه حمله بعد ازدياد المصاريف اليوميّة والعلاجيّة.

ووفقاً لإحصاءات وزارة الصحّة في قطاع غزّة، فقد وقع ضحيّة الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة أكثر من 540 شهيداً من الأطفال، بما يشكّل أكثر من 25% من عدد الشهداء، فيما أنّ النسبة ذاتها كانت في إصابات الأطفال، بعدد يزيد عن ثلاثة آلاف طفل، المئات منهم إصابات خطيرة وحالات بتر أطراف. 

يقول مدير دائرة العلاج الطبيعيّ والتأهيل في وزارة الصحّة الدكتور أيمن الحلبي إنّ الإصابة لدى الأطفال تكون تجربة قاسية وصعبة، إذ تكون في المراحل الأولى لنموّه، فيما أنّ جزءاً كبيراً من الأطفال لا يستوعبها أو يتقبّلها في شكل سريع، إضافة إلى إمكان ترافق هذا الأمر مع إصابة عدد من أفراد عائلتهم واستشهادهم، ممّا يزيد الضغوط النفسيّة عليهم.

ويضيف الحلبي لـ"المونيتور": "لذلك، يحتاجون إلى رعاية طبّية وفترات طويلة من التأهيل الطبّي عندما تكون إصاباتهم خطيرة حتّى تستقرّ أوضاعهم الصحّية، إضافة إلى أنّهم في حاجة إلى علاج نفسيّ لتخطّي هذه المحنة، إلى جانب الحاجات الاقتصاديّة".

وتابع: "الأطفال الذين أصيبوا ببتر أطرافهم مثلاً، هم في مراحلهم العمريّة الأولى، وبالتالي لا يزال النموّ عندهم مستمرّاً طولاً ووزناً، وبالتالي هم في حاجة إلى تغيير الأطراف الاصطناعيّة كلّ ستة أشهر أو حسب التقييم، وبالتالي يشكّل هذا كلّه ضغطاً على الأطفال والأهالي على حدّ سواء".

ونظراً إلى افتقار قطاع غزّة لمستشفى متخصّص في صناعة الأطراف الاصطناعيّة، سيزيد الأمر صعوبة، إذ تحتاج عائلات الأطفال مبتوري الأقدام، إلى تكاليف إضافيّة لشراء أقدام اصطناعيّة جديدة لأطفالهم.

وأضاف :"الحروب وتدمير البيوت والحصار الاسرائيلي لقطاع غزة أثّر بشكل كبير على حياة أهالي القطاع من حيث الاقتصاد، لذلك فلا يستطيع أهل الطفل تبديل كل فترة من الزمن قد تصل الى ستة اشهر قدم او يد صناعية لطفلهم بسبب ارتفاع اسعارها، ناهيك عن احتياج من ركّب قدم أو يد صناعية خارج القطاع الذهاب للمراجعة كل فترة في الدولة التي عولج بها، وهذا أيضا مكلف جدا ويثقل كاهل العائلة التي بالأساس فقيرة".

تركنا ابراهيم ووسيم داخل المشفى، يلهوان، والأمل يحذوهما بحياة أفضل بعد أن وسمتها الحرب.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : wounded, palestine, medicine, hospital, children

محمد عثمان هو صحفي من قطاع غزّة. تخرّج في العام 2009 من قسم الإذاعة والتلفزيون في كليّة الإعلام في جامعة الأقصى في غزّة، ونال عددًا من الجوائز في فلسطين والعالم العربي، بما في ذلك جائزة الصحافة العربية في دبي في دورتها العاشرة في العام 2011 محتلاً المركز الأوّل عن فئة الصحافة العربية للشباب، وأيضًا جائزة حرية الصحافة من المركز الإعلامي الحكومي في فلسطين في دورتها الأولى للعام 2011. ونال أيضًا جائزة المركز الثالث في مسابقة التحقيقات الاستقصائيّة في قضايا الفساد التي نظّمها في العام 2013 كلّ من مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت وهيئة مكافحة الفساد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept