نبض سوريا

في مدينة الزبداني... الأطفال يريدون الحياة

p
بقلم
بإختصار
تعتبر منطقة الزبداني في ريف دمشق (45 كم غرب دمشق) من المناطق التي كانت ولا تزال مسرحاً للقصف والمعارك من قبل قوّات النظام، حيث تفصل عشرة حواجز أمنيّة وعسكريّة الآن القادمين من دمشق إلى هذه المدينة التي كانت يوماً ما مقصداً للكثير من السيّاح. يسود مشهد حزين أجواء المنطقة، انتقلت تبعاته إلى معظم الأطفال هناك، ممّا دفع مجموعة من النساء إلى إنشاء فريق عمل مدنيّ، وأطلقن على أنفسهنّ إسم...

تعتبر منطقة الزبداني في ريف دمشق (45 كم غرب دمشق) من المناطق التي كانت ولا تزال مسرحاً للقصف والمعارك من قبل قوّات النظام، حيث تفصل عشرة حواجز أمنيّة وعسكريّة الآن القادمين من دمشق إلى هذه المدينة التي كانت يوماً ما مقصداً للكثير من السيّاح. يسود مشهد حزين أجواء المنطقة، انتقلت تبعاته إلى معظم الأطفال هناك، ممّا دفع مجموعة من النساء إلى إنشاء فريق عمل مدنيّ، وأطلقن على أنفسهنّ إسم "ضمّة"، وافتتحن في شهر آذار/مارس الماضي مركزاً للدعم النفسيّ لأكثر من 50 طفلاً وطفلة في المنطقة.

يقع المعهد في منطقة هادئة نسبيّاً في محيط مدينة الزبداني من جهّة مضايا، وبالقرب من أحد الحواجز العسكريّة التابعة للنظام، حيث توجد مباني سكنيّة وسوق، الأمر الذي يمنع استهدافه بالبراميل المتفجّرة الذي يلقيها النظام. لكنّ هذا الهدوء قد ينقطع في بعض الأحيان بأصوات البراميل الملقاة في مناطق قريبة.

داخل المبنى، ثلاث غرف يتوسّطها ممرّ صغير، وبعض الأزهار الاصطناعيّة لتجميل المكان، إضافة إلى الكثير من الأعمال اليدويّة للأطفال على الجدران. تحوّل المبنى المتواضع الذي تمّ استئجاره ليصبح مركزاً لاحقاً، بجهود الفريق وبالتعاون مع سكّان المنطقة، إلى المكان المفضّل لأطفالهم. وتروي إحدى الأمّهات: "المكان المفضّل لابنتي الآن هو المركز. تجد هنا مساحة للّعب وللالتقاء بالأطفال. لم أرها سعيدة بهذا الشكل منذ مدّة ليست بقصيرة عندما توفّي والدها. الآن، أصبحت أكثر اجتماعيّة، وهي في تحسّن مع مرور الوقت".

عن إسم المركز "ضمّة"، تقول مديرة المركز إنّ هدفهنّ تقديم ضمّة ورسم بسمة على وجوه الأطفال، حيث يهدف المركز إلى مساعدة الأطفال على تجاوز التبعات النفسيّة للحرب في الزبداني، وتمكينهم من التعامل في شكل إيجابيّ مع الظروف الحياتيّة التي يمرّون بها. وتتابع المديرة: "يمارس الأطفال هنا نشاطات عدّة مثل الرسم وصناعة بعض الأشكال من الصلصال والمعجون، كما يمارسون بعض النشاطات والرياضات الذهنيّة والحركيّة، كالغناء والمسابقات. وهذا يساعدهم في عمليّة التفريغ النفسيّ، وإعادة اندماجهم مع بعضهم لينسوا أصوات الحرب لبضع ساعات في النهار".

في فصل الصيف، يبدأ دوام المركز من الساعة التاسعة صباحاً حتّى الثانية عشرة ظهراً. قبل الدخول إلى الصفّ، يمارس الأطفال في ساحة المركز الأماميّة بعض التمارين الحركيّة، حتّى يكونوا أكثر تركيزاً أثناء حصص الدوام. و تقول إحدى مرشدات الدعم النفسيّ في المركز: "تختلف اهتمامات الأطفال هنا، فمنهم من يفضّل الرسم ومنهم من يفضّل الألعاب الجماعيّة التي تشمل نشاطات حركيّة".

وتروي المرشدة قصّة أحد الأطفال الذي يدعى عمر(5 سنوات) فتقول: "عمر مولع بالرسم، ولكنّه انطوائيّ. ومن خلال جلسات التفريغ، تبيّن أنّه يخاف كثيراً من الحواجز. في إحدى المرّات التي طلبت منه أن يرسم ما يخطر بباله، رسم بندقيّة، وعندما طلبت منه التحدّث عن فصل الخريف، فضّل التحدّث عن الحاجز العسكريّ القريب من منزله، حيث يسمع أصوات الأعيرة الناريّة باستمرار، ممّا سبّب له أزمة نفسيّة وخوفاً". وتضيف المرشدة أنّها تركّز على إزالة هذا الهاجس لدى عمر وأنّ تحدّثه معها عن هذا الموضوع هو الخطوة الأولى.

ليس الخوف من أصوات الرصاص والانفجارات السبب الوحيد لتأزّم نفسيّة الأطفال، هكذا تقول إحدى الآنسات في المعهد، عندما روت لي قصّة الطفلة مريم (6 سنوات). وتضيف: "تعرّض منزل مريم للسرقة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت فكرة السرقة مرعبة بالنسبة إليها. فهي تخاف على أدواتها المدرسيّة من الضياع، وتبدأ في البكاء إذا طلب أحد أصدقائها استعارة أغراضها". وتتابع المرشدة النفسيّة: "اليوم، وبعد ثلاثة أشهر من ارتيادها المركز، لم تعد تخشى على أغراضها الشخصيّة، بعدما تعلّمت أنّ مشاركة بعض الأشياء مع الأصدقاء عادة جيّدة وليست سرقة".

أحد نشاطات التفريغ النفسيّ التي قام بها الأطفال أثناء تواجدي هو رسم وجه حزين على ورقة ووجه آخر سعيد على ورقة أخرى. وبعد الانتهاء من الرسم، تجمع المرشدة أوراق الوجه الحزين وتقوم بتمزيقها مع الأطفال، وأمّا الوجوه السعيدة فيكتب عليها بعض الأمنيات، وتوضع في صندوق الأمنيات.

قامت الآنسات المسؤولات عن المركز بإجراء دورات مكثّفة للدعم النفسيّ للأطفال ليكنّ أكثر دقّة وحذراً في التعامل معهم. وعن ذلك، تقول لنا مديرة المركز: "أجرينا دورة بالتعاون مع منظّمة تعنى بالمجتمع المدنيّ إسمها "جذور"، حيث تمّ تدريبنا من قبل اختصاصيّين بالتربية والدعم النفسيّ للأطفال". وتضيف: "من خلال تعاملنا مع الأطفال سابقاً حيث كنّا نعمل جميعاً كمدرّسات مرحلة أساسيّة، اكتسبنا أيضاً بعض الخبرات الشخصيّة".

يركّز الأساتذة في المركز خلال الفصل الصيفيّ على إعطاء الأطفال المفاهيم الأوّليّة عن الطبيعة، ومبادئ أساسيّة في اللغة الإنكليزيّة، إضافة إلى النشاطات الترفيهيّة الأخرى مثل الغناء والعزف والرسم والتلوين بالألوان المائية وقراءة القصص التعليميّة والمهارات اليدويّة والألعاب الجماعيّة التي يكون لها أثر كبير في إعادة دمج الطفل بالجماعة.

عن الجهّة المموّلة للمركز، تقول مديرة المركز: "حصلنا عل منحة من منظّمة "جذور" في دمشق، حيث غطّت هذه المنحة آجار المبنى ورواتب الكادر الإداريّ لمدّة ثلاثة أشهر، إضافة إلى كلّ التجهيزات الخاصّة بالمركز من مقاعد وسبورات وقرطاسيّة وألعاب بمختلف أنواعها. والآن، نحن نأخذ بدلاً نقديّاً رمزيّاً من أهالي الطلاّب حتى نتمكّن من الاستمرار". لكنّها لا تستطيع أن تخفي الرعب الذي عاشته -على الرغم من امتلاكها رخصة- عندما قامت بإحضار هذه الموادّ من دمشق ومرورها عبر حواجز عدّة وصولاً إلى الزبداني.

يذكر أنّ منظمة "جذور" هي منظّمة مجتمع مدنيّ تعنى بدعم فرق العمل المدنيّ المنتشرة في مناطق متعدّدة من سوريا، وخصوصاً تلك الخاضعة لسيطرة المعارضة، ومقرّها دمشق.

بوسائل بسيطة وإمكانات ماديّة محدودة، يستطيع مركز الدعم النفسيّ الذي أنشأه فريق "ضمّة" في مدينة الزبداني أن يرزع البسمة على وجوه الأطفال. وعلى الرغم من الحاجة إلى الكثير من الوسائل الترفيهيّة الأخرى، يبقى المركز مستمرّاً في مساعدة الأطفال على الخروج من حالاتهم النفسيّة، وهو بمثابة ضمّة علّها تكون تعويضاً عمّا فقدوه.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian conflict, syria, school, psychological, education, children, art
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept