الرافضون للخدمة العسكريّة في سوريا: مساحة الحياة الضيّقة

p
بقلم
بإختصار
لا يزال النظام السوريّ بأجهزته ومؤسّساته، متماسكاً في المناطق التي تحكم عليها القوّات الحكوميّة سيطرتها. في الساحل السوريّ وأجزاء واسعة من محافظات حمص وحماة ودمشق والسويداء، لا يزال السكّان سواء أكانوا معارضين أم مؤيّدين، يعيشون وفقاً للقوانين والأنظمة التي يقرّها النظام السوريّ، ولا يزال جميع الشبّان ملزمين بأداء الخدمة الإلزاميّة، أو تلبية الدعوة إلى الخدمة الاحتياطيّة. إلاّ أنّه،...

لا يزال النظام السوريّ بأجهزته ومؤسّساته، متماسكاً في المناطق التي تحكم عليها القوّات الحكوميّة سيطرتها. في الساحل السوريّ وأجزاء واسعة من محافظات حمص وحماة ودمشق والسويداء، لا يزال السكّان سواء أكانوا معارضين أم مؤيّدين، يعيشون وفقاً للقوانين والأنظمة التي يقرّها النظام السوريّ، ولا يزال جميع الشبّان ملزمين بأداء الخدمة الإلزاميّة، أو تلبية الدعوة إلى الخدمة الاحتياطيّة. إلاّ أنّه، وإضافة إلى المعارضين الذين يرفضون القتال إلى جانب نظام الأسد بسبب تعاطفهم مع خصومه، فإنّ هناك المئات من الأشخاص المحايدين أو المؤيّدين الذين يرفضون الذهاب إلى القتال لأسباب أخرى مختلفة.

كثيرون من الأشخاص المطلوبين للخدمة العسكريّة غادروا مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة الكتائب المسلّحة، حيث انضمّ بعضهم إلى هذه الكتائب، في حين يعيش آخرون خارج المعركة. كما غادرت أعداد كبيرة منهم إلى خارج البلاد نهائيّاً، في حين يواصل آخرون حياتهم في مناطق سيطرة النظام، بعضهم لم يستطع مغادرة البلاد، وبعضهم الآخر لا يريد أن يغادر لأسباب مختلفة. وعلى الرغم من الضيق الذي يعيشون فيه جرّاء إحساسهم بالخطر الدائم من أن يتمّ اعتقالهم وسوقهم بالقوّة إلى الحرب، إلاّ أنّ الحياة لم تصبح مستحيلة بالنسبة إليهم في تلك المناطق حتّى الآن.

في قرية صغيرة في جبال الساحل السوريّ، يعيش محمّد –إسم مستعار– (30 عاماً) في بستان صغير ملاصق لبيته، على الرغم من استدعائه للخدمة الاحتياطيّة قبل عام ونصف. يقضي محمّد معظم وقته منشغلاً في بعض الأعمال الزراعيّة، كما أنّه يعمل أجيراً في ورشة قريبة في بعض الأحيان، وهو "لا يريد الذهاب إلى الموت" على حدّ تعبيره. ولهذا، رفض الالتحاق بالخدمة، ويقول إنّ "عناصر الشرطة العسكريّة لم يحاولوا اقتياده بالقوّة من بيته حتّى الآن، لكنّه لن يسمح لهم". ويضيف: "أنا لست مع النظام، ولا مع الإسلاميّين السنّة، ولهذا لن أشارك في القتال".

ولكن كيف يتنقل ويسافر من مكان إلى آخر، على الرغم من الحواجز العسكريّة والأمنيّة المنتشرة في كلّ مكان؟ يقول محمّد: "لا أعرف في الحقيقة إذا كان قد تمّ تعميم إسمي على الحواجز، لكنّهم قلّ ما يأخذون هويّتي للتدقيق إذا كنت مطلوباً، أو ما يسمّى عمليّة "التفييش" بالكلمة الدارجة، ربّما لأنّني من قرية معروفة بأنّ جميع سكّانها من العلويّين الداعمين للحكومة السوريّة".

بالنسبة إلى المطلوبين للخدمة الاحتياطيّة، تبدو الأمور سهلة لأنّه لا يتمّ تعميم أسمائهم على الحواجز في الغالب، لكنّ الأمر يبدو أصعب بالنسبة إلى المطلوبين للخدمة الإلزاميّة. ويقول أسعد– إسم مستعار– (28 عاماً) لـ"المونيتور إنّه "أنهى دراسته الجامعيّة قبل عامين، وثمّ كان عليه الالتحاق بالخدمة الإلزاميّة"، ويضيف: "لكنّني لم ألتحق لأنّني أرفض القتال في جيش الديكتاتور بشّار الأسد". يعيش أسعد اليوم في بيت متواضع في ضاحية من ضواحي دمشق الخاضعة لسيطرة النظام، ويعمل موظّفاً لدى شركة صغيرة في تلك الضاحية، ويحاول قدر الإمكان أن يكون تنقّله محدوداً.

يبدو أسعد حزيناً جدّاً لأنّه لم يزر قريته في الساحل السوريّ منذ عامين. هناك سيتمّ اعتقاله واقتياده على الفور إلى الخدمة العسكريّة، كما أنّ الذعر يرتسم على وجهه كلّما شاهد سيّارة عسكريّة تقترب من مكان تواجده، لكنّه ما زال يرفض مغادرة البلاد، ويقول: "عرض عليّ أن يتمّ تهريبي عبر الحدود إلى لبنان، إلاّ أنّني رفضت ذلك. لن أغادر هذه البلاد، وأفضّل أن أعيش المعاناة والخوف مع جميع أبناء بلدي، لكنّني لن أحمل السلاح مع طرف ضدّ آخر مهما كلّف الأمر".

لا تُصدر السلطات السورية أية أرقام أو إحصائيات حول أعداد المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، كما أنها تمنع أية مؤسسة أو جهة مستقلة من تنفيذ إحصائيات كهذه، وليس ثمة تسريبات صحفية تذكر في هذا المجال باستثناء تأكيد موقع "هنا أمستردام" الهولندي أواسط العام الماضي اطلاعه على وثائق تشير إلى تخلف خمسة آلاف شاب من محافظة طرطوس وحدها عن الخدمة، ولا شك أن هؤلاء ليسوا جميعاً معارضين للأسد، ويبدو صعباً التواصل معهم ومعرفة أسباب رفضهم للالتحاق أو أساليب تخلصهم من الملاحقة، إلا أن واحداً منهم قبل بالتحدث رافضاً أيّ إشارة إلى إسمه أو مكان إقامته: "أنا لست مع المعارضة، وأتمنّى انتصار النظام السوريّ، لكنّني لا أريد الذهاب إلى الحرب والموت، وهذا كلّ ما في الأمر. ولدي أساليبي الخاصّة التي لا أستطيع الإفصاح عنها، لتجنّب الاعتقال والاقتياد للحرب".

ربما يكون الفساد هو الوسيلة التي يتجنّب من خلالها هذا الشابّ الالتحاق بالجيش، لأنّ مظهره ولباسه يدلاّن على أنّه إبن لعائلة فاحشة الثراء، لكنّه مع ذلك يقول: "لا يمكنني أن أكون مطمئنّاً دائماً، وربما أغادر البلاد في أيّ لحظة". ولكن، ماذا عن الشبّان الذين لا يستطيعون مغادرة البلاد بسبب أوضاعهم الاقتصاديّة المتردّية، وصعوبة السفر والحصول على عمل في الخارج؟

يقول شابّ من طرطوس رفض الكشف عن اسمه: "استدعيت قبل عام ونصف للخدمة الاحتياطيّة، لكنّني لم ألتحق، وكنت أعتقد أنّ الحرب لن تطول وأنّ النظام السوري سينتصر سريعاً. وكنت مرتاحاً في البداية، إذ لم تداهم الشرطة العسكريّة بيتي، ولم أكن أشعر بخطر التنقّل والسفر، إلاّ أنّ السلطات أصبحت تشدّد إجراءاتها أخيراً، وعدد من أصدقائي اعتقل على الحواجز واقتيد إلى الخدمة. لقد كانت الحياة ممكنة، لكنّ مساحة الحركة والحياة تضيق الآن، ولا أعرف إلى أين يمكنني أن أذهب في النهاية".

وجهه الشاحب يوحي بالضيق والخوف، ولباسه المتواضع يوحي بالفقر. لماذا لا تريد القتال طالماً أنّك لا تعارض نظام الأسد، ولماذا لا تسافر خارج البلاد للنجاة بنفسك"؟ يجيب على سؤالنا قائلاً: "لا أعارض نظام الأسد لكنّني لا أثق به أيضاً، وأعتقد أنّني سأموت حتماً في الحرب. كما أنّ السفر يبدو مستحيلاً لأنّ قلّة من الدول تمنح تأشيرات دخول للسوريّين، ولا توجد فرص عمل في لبنان أو تركيا. يبقى أن أغادر البلاد لأصبح لاجئاً، لكنّ حياة اللجوء قاسية ومخيفة جدّاً أيضاً".

تضيق مساحة الحياة رويداً رويداً بالنسبة إلى من يرفضون الالتحاق بالجيش السوريّ. وما كان ممكناً قبل عام لم يعد ممكناً اليوم، وما هو ممكن اليوم قد لا يكون ممكناً غداً، وإذا كانت مناطق سيطرة النظام لا تشهد معارك ومواجهات، إلاّ أنّ أصداء الحرب ترتدّ إليها على نحو دمويّ مخيف، حيث يساق عشرات الشبّان إلى القتال، فيما يعيش الآخرون في ضيق وخوف شديدين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian army, syria, military, draft law, arrested

At times, Al-Monitor withholds the bylines of our correspondents for the protection of our authors. Different authors may have written the individual stories identified on this page.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept