نبض فلسطين

الإيديولوجيّات لا تعرف الإنسانيّة

p
بقلم
بإختصار
لا أحد يشعر بعذابات أهالي قطاع غزّة. فالحقيقة، أن لا جريح سوى الجريح نفسه، ولا ميّت سوى الميّت نفسه، ولا من فقد بيته سوى من فقد بيته. تتحوّل صور الأطفال الذين يموتون في لحظات، بأطنان من الحديد والبارود، هدفاً سياسيّاً .فمهما كانت أحزاننا، تبقى صغيرة ومتطفّلة على الأحزان الكبيرة الحقيقيّة كوجع الإصابات، وفقدان الأعزّاء، ودمار المنازل. لا يسعك سوى الشعور بالذهول، حين ترى ما تفعله...

لا أحد يشعر بعذابات أهالي قطاع غزّة. فالحقيقة، أن لا جريح سوى الجريح نفسه، ولا ميّت سوى الميّت نفسه، ولا من فقد بيته سوى من فقد بيته.

تتحوّل صور الأطفال الذين يموتون في لحظات، بأطنان من الحديد والبارود، هدفاً سياسيّاً .فمهما كانت أحزاننا، تبقى صغيرة ومتطفّلة على الأحزان الكبيرة الحقيقيّة كوجع الإصابات، وفقدان الأعزّاء، ودمار المنازل.

لا يسعك سوى الشعور بالذهول، حين ترى ما تفعله إسرائيل بالمدنيّين... قصف عشوائيّ، قتل، تهديد أبراج سكنيّة بأكملها، وقصفها على ساكنيها. فلا تعرف من أين يأتيك الموت؟ على الرغم منأنّ الموت قصفاً لا يؤلم، كما يقال.

لا يوجد مكان آمن يحمي عائلتك ويحميك...تحتار ماذا تريد منك الطائرة الصمّاء، والقذيفة العمياء، حين تنفجر، وأنت جالس بين أفراد أسرتك، فتترك أطفالك قتلى أمامك، أو أنت قتيلاً أمامهم، أو تقتلكم جميعاً من دون شاهد يتذكّر اللحظات الأخيرة.

جاء تهديد بتدمير برج داوود المقابل لمنزلنا، والذي قصف من قبل مرّات عدّة، وذلك عبر مكالمة هاتفيّة مع أحد ساكني البرج، ثم أطلق الصاروخ التمهيديّ عصر يوم الإثنين 21 تموّز/يوليو 2014. أخذ الجميع يصرخ في الحيّ، بمن فيهم صاحبا المطعم والدكّان المجاوران، وساكنو المنازل الصغيرة الملاصقة، ومنزلنا المطلّ عليه...خرجنا نحن والجيران، وحتّى المفاتيح تركناها في الأبواب. إنّ لحظة الرعب ليست حين تفتّت القذيفة جسدك، بلعندما تعرف أنّ القنبلة قادمة لا محالة، سواء سمعت صفيرها قبل الإنفجار، أوعلمت بها من خلال تهديد جاءك مسبقاً.

وصلنا إلى مكان آمن، وبدأنا بامتصاص المفاجأة. وتذكّرت كلّ ما تركته في المنزل من ذكريات وصور:خطوات طفلي الأولى في تلك الصالة، ورسمته المعلّقة على ذاك الجدار، وحفلة زفاف أختي التي أقمناها في ذلك الصالون...تفكّر أنّك مستعدّ أن تبدأ من جديد، طالما أنّ الأرواح محفوظة، لكنّ أيّ حزن في القلب يجعلك تكمل حياتك، بعدما فقدت طفلك أو أمّك بقذيفة مزّقتهما؟ كيف يصبح الجسد فجأة مشوّهاً فلا ينتمي إليك على الإطلاق؟ نضع أيدينا على رؤوس اليتامى ونمسحها، ولكن هل نشعر بغصّة من فقد والده أو والدته؟

خرجت عائلتي تحتمي في منزل أبناء عمّي الذين جاؤوا إلينا مع بداية الحرب ليحتموا في منزلنا .فجأة، أصبح منزلهم أكثر آماناً من بيتنا! ففي هذه الحرب، لن تعرف أيّ الأماكن هي الأكثر أماناً، كما لن تخمّن مزاج قائد الطائرة، وأيّ عائلة سوف يستهدف. فعلى سبيل المثال، حذّروا البرج المقابل لنا، لكنّهم قصفوا برجاً آخرمن دون مقدّمات، ليقتلوا عائلة الكيلاني بأكملها... إنّه العبث بالمدنيّين. كما أنّها حرب إيديولوجيّات، حين تستمرّ لأسباب دينيّة، فيصبح شلاّل الدم في سبيل الله والجنّة والأرض الموعودة، ولا يتجاوز التأثّر لحظة واحدة، طالما أنّ الثمن السياسيّ يتحقّق، والمكافأة الدينيّة قادمة لا محالة. إنّها اللحظة التي تصبح الإيديولوجيّة منافية تماماً للإنسانيّة.

في الأسبوع الأوّل من الحرب، ركضت الصحافة إلى الطفلة شيماء المصري (4أعوام).فهي لم يتبقّ لها سوى والدها إبراهيم المصري (37عاماً) الذي يقول لـ"المونيتور"، وهو إلى جانب سرير ابنته في مستشفى الشفاء: "كنت أعتقد أنّني إذا أرسلت زوجتي إلى منزل أختها ستكون في مكان آمن. فبعد دقائق من مغادرتها المنزل، سمعت انفجاراً، ركضت في الشارع، فجاءتني مكالمة أنّ ابني استشهد. عند باب المستشفى، وصلني أيضاً أنّ زوجتي استشهدت، ووجدت ابنتي الكبيرة أسيل في حالة خطرة. أفاقت لثوانٍ، سألتني خلالها عن والدتها، لكن سرعان ما لحقت بهاوهي في غرفة العمليّات". ويضيف: "ذهبت لاحقاً إلى مكان استشهادهم، وجدت أنّ الطائرة استهدفتهم قبل الوصول إلى منزل شقيقة زوجتي بعشرة أمتار". وقد استشهدت والدة شيماء سحر (38عاماً) وشقيقها محمّد (14عاماً) وشقيقتها أسيل (17عاماً)، يوم الأربعاء في 9 تمّوز/يوليو 2014 بعد غارة إسرائيلية في شمال القطاع.

أين يمكن أن يذهب الأطفال ليكونوا آمنين؟ سؤال بقي في ذهني، وأنا أتحرّك بأطفالي من منزل إلى آخر. انفصلت عن عائلتي للمرّة الأولى حين بقي أفرادها في منزل عمّي، بينما فضّلت أخذ إبني وإبنتي إلى مكان آخر حتّى أجد شقّة تجمع شملنا من جديد.علمت أنّ هناك من يغادر غزّة إلى مصر. فكّرت أنّني لا أستطيع الهرب بهم إلى هذا الحدّ، وجدت شقّة، ولكنّ صاحب العمارة الفلسطينيّ لا يقبل بفلسطينيّين، بل فقط بالأجانب! إنّها العنصريّة والاحتكار والطمع التي تظهرها الحرب في بعض النفوس.

تستمع إلى الإذاعات الحزبيّة فتشعر أنّ قوّتنا تساوي قوّة إسرائيل .إنّها لحظة النشوة واللارجوع عند أصحاب الإيديولوجيّات، التي لا يعادل الإصرار عليها، سوى حمّام الدم المهدور.

لغتي هذه بنظرهم انهزاميّة، إلاّ أنّها الخوف الطبيعيّ على عائلتك وحزنك على بقيّة الأطفال، حيث لم تعد كلمات الأسف التي تكتبها تشفي ألمك.

وجدت أخيراً شقّة إلى جانب الميناء، حيث أريد النجاة بعائلتي، ولا أعرف -ولا أحد يعرف-إذا كانت هذه النجاة مجرّد هرب جديد نحو الموت قصفاً.

توجّهت إلى مستشفى الشفاء مرّة أخرى، فقد كنت أبحث عن جرحى من برج السلام السكنيّ. ولكنّ الأطباء كانوا يقولون: "لا جرحى، كلّهم وصلوا موتى".لم يمرّ يوم حتّى بدأت كارثة خزاعة والقصف العشوائيّ على أهالي الحيّ في خان يونس...إنّها شجاعيّة جديدة.

دخلت غرفة جراحة الأطفال، ووجدت طفلاًإسمه لؤي صيام (9 أعوام) ملفوفاًبالكامل بضمّادات.وجهه، ورأسه محروقان، ولكن تستطيع أن ترى دموعه تجري.ويرقد شقيقه عدي صيام (12عاماً) في الغرفة المجاورة، حيث تظهر عظام جسده من شدّة الحروق. ويقول إبن عمّهما محمّد صيام (20عاماً): "كانت والدته وجدّته وعمّته يعددن الفطائر على سطح المنزل، والأطفال يلعبون أمامهنّ حين قصفتهم الطائرة فمات تسعة منهم".

كانت عائلة صيام قد هربت من حيّ الزيتون شرق غزّة إلى أقاربهافي حيّ الرمال وسط غزّة، وهي إحدى المناطق (الآمنة!) التي يذكرها جيش الاحتلال الإسرائيليّ في رسائله التحذيريّة التي يرسلها إلى العائلات كي تغادر منازلها إليها، ولكنّ الطائرة لحقت هذه العائلات إلى هناك.

يقول جار العائلة أبو زيد أبو ناصر: "والد لؤي وعدي تاجر فواكه وخضار تأتي من إسرائيل. ليس له علاقة بأيّ أحزاب. لا ندري كيف قصفتهم الطائرة ولماذا؟ أصبحوا مجانين". ويشير أبو ناصر إلى الخرطوم البلاستيكيّ في أنف لؤي الذي يسحب الرماد من رئتيه، موضحاً: "حالته تمنعه من شرب الماء. إنّه عطشان ولذلك يبكي".

في شقّتنا الجديدة، تسمع هدير البحر، مختلطاً بصوت طائرات الاستطلاع التي تبدو مثل قابض أرواح في السماء، والبوارج البحريّة التي تطلق القذائف. كلّ ما حولك عتمة، بعدما أصبحت الكهرباء تغيب طوال اليوم، إثر قصف القذائف الإسرائيليّة للمحطّة الرئيسيّة، يوم الأربعاء في 23 تمّوز/يوليو 2014. أمّا صوت رئيس المكتب السياسيّ لحماس خالد مشعل فيسمع عبر الراديو الذي يعمل بالبطاريّة، حيث يقول:"لن نقبل بتهدئة من دون تحقيق شروطنا". ينقبض قلبي من جديد، وأستعدّ ليوم آخر نعدّ فيه الشهداء.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : war, palestinians, palestinian-israeli conflict, palestine, israel, gaza, children

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept