نبض اسرائيل

زفاف ضخم للأرثوذكس المتطرّفين في إسرائيل

p
بقلم
بإختصار
بينما كان الكنيست ينتخب رئيساً جديداً، تجمّع عشرات آلاف اليهود الأرثوذكس المتطرّفين في مكان مجاور للاحتفال بزواج حفيدة معلّم تيّار الحسيديم من بيلز. ومع أنّ هذين الحدثين حصلا على مقربة واحدهما من الآخر، إلا أنّهما متباعدان اجتماعيّاً وإيديولوجيّاً.

شهدت القدس حدثين مهمّين هذا الأسبوع، أوّلهما انتخاب رئيس جديد في الكنيست في 10 حزيران/يونيو تابعه الإسرائيليّون باهتمام كبير، وثانيهما حدث ضخم متزامن أسر قلوب الأرثوذكس المتطرّفين وعقولهم في إسرائيل وفي الخارج. فقد زوّج الحاخام يساكر دوف روكيش، معلّم تيّار الحسيديم من بيلز، حفيدته لتلميذ مدرسة حاخاميّة يبلغ من العمر سبعة عشر عامّاً.

جرى الحدثان اللذان قدّما صورة عن إسرائيل الحديثة على بُعد كيلومتر واحد في المدينة نفسها، لكنّ الضيوف لم يعروا ما كان يحصل في الكنيست أيّ اهتمام، ولم يكن الأشخاص المتواجدون في الكنيست على علم بالزفاف الضخم الذي يحتفل به الأرثوذكس المتطرّفون. فهذا المجتمعان المتعايشان جنباً إلى جنب مختلفان جداً إلى درجة أنّ واحدهما يتجاهل الآخر. أحدهما يتكلّم العبريّة، والآخر اليديشيّة. أحدهما يعتبر نفسه إسرائيليّاً، والآخر يهوديّاً. أحدهما يتبع مبادئ ديمقراطيّة، والآخر لديه ولاء أعمى لقيادة المحكمة الحسيديّة.

ولم يكن بإمكان الحاضرين في الزفاف متابعة الخلاف حول انتخاب الرئيس العاشر لإسرائيل. فقد طُلب مسبقاً من المدعوّين إلى "الزفاف الملكيّ" الذين بلغ عددهم عشرات الآلاف أن يتركوا هواتفهم الخليويّة في الخارج. وسُمح للأشخاص الذين يحملون هواتف مطابقة للشريعة اليهوديّة، من دون نفاذ إلى الانترنت، بالدخول. وتمّ نشر ملصقات في كلّ أنحاء المدينة لتحذير الضيوف الآتين من إسرائيل ومن الخارج من "دخول القاعة وهم يحملون هواتف ذكيّة غير مرخّصة لليهود المتديّنين".

وبيلز هي ثاني أكبر محكمة حسيديّة في العالم اليهوديّ ولديها عشرات آلاف الأتباع في الولايات المتّحدة وأوروبا. ولم يتغيّر أسلوب حياة الحسيديم من بيلز كثيراً منذ تأسيس التيّار في غاليسيا في بولندا قبل حوالى 200 سنة. وتتمتّع محكمة بيلز الحسيديّة بتأثير كبير على العالم الأرثوذكسيّ المتطرّف في إسرائيل. فهي التي تحدّد، بالإضافة إلى محكمة غور الحسيديّة، أسلوب حياة المجتمع الأرثوذكسيّ المتطرّف الأصليّ.

ويتوقّع الخبراء في هذا المجال أنّ تلميذاً واحداً من أصل اثنين يدخلان الصفّ الأوّل في القدس سيكون أرثوذكسيّاً بحلول العام 2020. وأشارت دراسة أجراها معهد القدس للدراسات الإسرائيليّة إلى أنّ نسبة اليهود الأرثوذكس المتطرّفين في القدس ستبلغ 44% بحلول العام 2020 وسترتفع إلى 50% بحلول العام 2030. وتسلّط إحصاءات أخرى الضوء على الزيادة الملحوظة في عدد الأرثوذكس المتطرّفين. فعندما تأسّست إسرائيل، كان فيها 40 ألف يهوديّ أرثوذكسيّ متطرّف فقط. أمّا اليوم فيبلغ عدد هؤلاء 800 ألف، وهم يمثّلون 10% من مجموع عدد السكّان.

في هذا السياق، قال لي الحاخام إيلي كوفمان، محاولاً مواساتي: "لا أفهم سبب خوفك". وكوفمان يهوديّ أرثوذكسيّ متطرّف متديّن مطّلع على ما يحصل في كواليس محكمة بيلز الحسيديّة. وأضاف: "إنّ العجلة تعود إلى حيث كانت. قريباً، سوف تصبح القدس بكاملها أرثوذكسيّة متطرّفة. قبل تأسيس الدولة، كنّا يهوداً. لم نكن نعرف ما معنى أن يكون المرء علمانيّاً أو إسرائيليّاً. بإذن الله، سوف نصبح جميعاً في النهاية يهوداً من جديد".

أقيم حفل زفاف الفتاة البالغة من العمر 17 عاماً والشابّ الذي اختاره قلبها في معبد المحكمة الحسيديّة الكبير الذي يُعتبر الأضخم في العالم. وعند مغادرة الكنيست، التفتُّ نحو موقع الاحتفال، آملاً أن أتمكّن من إلقاء نظرة على "أسلوب الحياة الآخر". كانت طرقات الحيّ مقفلة، وكان حرّاس يرتدون ملابس احتفاليّة – معاطف سوداء طويلة وقبّعات تقليديّة من الفرو -  يتحقّقون من جميع المتفرّجين. وقد طُلب من المدعوّين الآتين من إسرائيل ومن الخارج إبراز بطاقات الدعوة إلى الزفاف. أوقفني الحرّاس عند الحاجز الأخير قبل مكان الاحتفال، ومنعوني من دخول القاعة، لا لأنّني بدوتُ علمانيّاً، بل لأنّني لم أكن أحمل بطاقة دعوة.

وجدتُ نفسي محاطاً بمئات اليهود الأرثوذكس المتطرّفين الواقفين في الخارج. بدوا مسحورين وهم يشاهدون تفاصيل الزفاف على شاشة كبيرة وُضعت خصّيصاً لهذه المناسبة. كانت هتافاتهم مسموعة على بُعد مئات الأمتار. وردّد آلاف المدعوّين المزدحمين في القاعة ترانيم حسيديّة وهم يصفّقون ويضربون الأرض بأقدامهم. وقد شرح لي تلميذ مدرسة حاخاميّة يدعى يسرائيل فريدمان ، قائلاً: "هذا ليس مجرّد زفاف. إنّه عرض لقوى سياسيّة ضخمة يهدف إلى إظهار مدى قوّة محكمة بيلز الحسيديّة للعالم اليهوديّ بأسره".

بعد انتهاء الحفل، توارى العريس والعروس عن الأنظار. وبحسب تقاليد الأرثوذكس المتطرّفين، ذهبا إلى غرفة خاصّة تمّ تحضيرها لهما مسبقاً. وفي الكثير من الحالات، تكون هذه المرّة الأولى التي يتقابل فيها العريس والعروس منذ خطوبتهما الرسميّة. عند دخول الغرفة، تكشف العروس التي تغطّي نفسها من رأسها إلى أخمص قدميها وجهها لزوجها. وينتظر عشرات آلاف المدعوّين بفارغ الصبر خروج العروسين من الغرفة. ويقول المطّلعون إنّ العلاقة الحميمة الأولى بين الزوجين تحصل في هذه الغرفة. ويتعلّم غالبيّة الشبّان عن هذه التجربة بقراءة النصوص التلموديّة التي تقدّم إليهم تقريباً كلّ التفاصيل الخاصّة بهذه المناسبة. أمّا العروس فتتعلّم من النساء في عائلتها.

وبلغ الحماس ذروته عندما خرج العروسان من الغرفة وانضمّا إلى الاحتفالات. وقد حيّاهما آلاف المدعوّين بالغناء والرقص. وانتهى حفل الزفاف في ساعات الصباح الأولى، وتلا المدعّوون مع العريس الصلوات الصباحيّة.

في 11 حزيران/يونيو، استيقظت القدس على رئيس جديد، وعلى أمير جديد لمحكمة بيلز الحسيديّة. ولم تكتب الصحافة العلمانيّة شيئاً عن الزفاف الذي سحر عشرات الآلاف في المجتمع الأرثوذكسيّ المتطرّف، بعكس الصحافة الأرثوذكسيّة المتطّرفة التي ملأت صفحاتها بأخبار عنه. أمّا انتخاب الرئيس الجديد فقد ذكرته صحيفة أرثوذكسيّة متطرّفة واحدة وكأنّه ليس بالحدث المهمّ.

قال لي فريدمان، محاولاً إقناعي: "لا فكرة لديك عمّا تفوّتُه. أنتم اليهود العلمانيّيون تعيشون في عالم بلا قيم. إنّ العالم الأرثوذكسيّ المتطرّف يقدّم إليكم الحياة، وصفة لحياة نقيّة، وسبباً للعيش. عندما أذهب إلى [المدينة الأرثوذكسيّة المتطرّفة] بني براك، أرى أطفالاً في الرابعة من العمر على متن الحافلات يحملون هواتف "آي فون" يشاهدون عليها كلّ شيء. إنّ الجيل الذي تربّونه بائس، وعندما يكبر، لن يكون لديه شيء يتمسّك به".

ويعتقد فريدمان، تماماً مثل كوفمان، أنّ المجتمع العلمانيّ في إسرائيل سيكتشف حتماً مع الوقت "الطريق المنير" إلى أسلوب الحياة اليهوديّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : ultra-orthodox, politics, marriage, knesset, jewish culture, israel

Daniel Ben Simon is a former Knesset member from the Labor Party. Prior to his political career, he was a journalist with the Israeli dailies Haaretz and Davar. Ben Simon has written four books on Israeli society and is the recipient of the Sokolov Prize, an Israeli journalism award.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept