السياسات الزبائنيّة في العراق تتانمى

سُجّلت في الانتخابات العراقيّة التي جرت في 30 نيسان/أبريل الماضي مؤشرات تدلّ على تنامي استخدام موارد الدولة لتحقيق مكاسب سياسيّة، وعلى تجذّر الزبائنيّة السياسيّة مجدداً في تشكيل علاقة الدولة

al-monitor .
حارث حسن

حارث حسن

@harith_hasan

المواضيع

vote buying, state of law coalition, propaganda, patronage systems, nouri al-maliki, iraq, elections, dawa party

ماي 15, 2014

تداولت وسائل الاعلام العراقيّة شريط فيديو يظهر النائب في ائتلاف دولة القانون محمود الحسن، وهو يتحدث إلى مجموعة من المزارعين في محافظة الديوانيّة. وكان الحسن يحمل في يده مجموعة سندات ملكيّة عقاريّة ويقول للمزارعين إن رئيس الوزراء نوري المالكي أرسله لكي يمنحهم قطع أراضي في مقابل تصويتهم لصالح الائتلاف في الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة التي جرت في 30 نيسان/أبريل الماضي. فأثار شريط الفيديو هذا الكثير من الجدال في العراق نظراً لأن مضمونه ينطوي على العديد من المخالفات القانونيّة. فالحسن هو نائب في البرلمان ولا يشغل أي منصب تنفيذي يخوّله توزيع سندات ملكيّة. كذلك فإن ما قام به يمكن أن يصنّف كنوع من الابتزاز السياسي، ويهدف إلى الحصول على أصوات الناخبين عبر استغلال موارد الدولة.

وقد قامت المفوضيّة العليا المستقلة للانتخابات بمعاقبة النائب الحسن بتغريمه مبلغاً مالياً بسبب مخالفته ضوابط الحملة الانتخابيّة. لكن البعض رأى أن هذه العقوبة غير صارمة بما يكفي ولا تتناسب مع حجم المخالفة المرتكبة، وأن المفوضيّة تعمد إلى التساهل مع حلفاء رئيس الوزراء. ومن اللافت أن الحسن كان قاضياً في واحدة من أكثر المحاكم العراقيّة حساسية (المحكمة الجنائيّة الخاصة)، وكان يفترض بهذه الخلفيّة أن تجعله أكثر حرصاً على الالتزام بالقانون.

تؤشّر هذه الحادثة إلى الميل المتزايد نحو استخدام موارد الدولة وقدراتها لتحقيق ميزة سياسيّة للقوى الأكثر نفوذاً في السلطة التنفيذيّة، على خصومها. لقد أصبح لائتلاف دولة القانون وبشكل متزايد هيمنة كبيرة على الكثير من مفاصل الإدارة، بالإضافة إلى شبكة واسعة من المصالح والإمكانيات التي سهّلت عليه استخدام الزبائنيّة السياسيّة في كسب الأتباع والأصوات.

ويقول سياسي عراقي فضّل عدم الكشف عن هويّته لـ"المونيتور" إن في خلال الأزمة التي حصلت في العام 2012 حينما حاولت بعض القوى السياسيّة سحب الثقة من رئيس الوزراء، قامت القوى المحايدة بابتزاز المالكي عن طريق تقديم مجموعة كبيرة من المطالب الشخصيّة لقاء عدم الانضمام إلى تحالف سحب الثقة. وهذه المطالب شملت منح بعض أعضاء البرلمان حريّة تعيين أنصارهم أو المقرّبين منهم في مؤسسات الدولة بغية تحسين رصيدهم السياسي. كذلك، اتُّبع نهج مشابه مع الوزراء الذين حولوا ولائهم بعيداً عن أحزابهم المعارضة لرئيس الوزراء. وقد تحدّث المالكي نفسه عن ابتزاز يتعرّض له من قبل شركائه في الحكومة من أجل تمرير مصالحهم الشخصيّة ومنعه من محاسبة بعضهم.   

واعتمدت الحملة الانتخابيّة لائتلاف دولة القانون كثيراً على كسب الدعم الشعبي عبر الوظائف الحكوميّة وتوزيع قطع الأراضي والمساكن على المحتاجين، وسعت إلى توفير بعض الخدمات الاجتماعيّة في خارج الأطر المؤسسيّة التقليديّة. وقد حرص المالكي بنفسه على توزيع سندات الملكيّة العقاريّة على المواطنين في خلال جولاته الانتخابيّة. وتوزيع الأراضي كانت وما زالت إحدى أهم الأدوات التي تستخدمها السلطة السياسيّة في العراق لكسب الأتباع أو مكافأتهم. وتكمن الخطورة في أن هذه الأداة لا يتمّ اعتمادها وفق سياقات قانونيّة وإداريّة متفق عليها وغير تمييزيّة، بل هي غالباً ما ترتبط برغبة الحكومة بتوظيفها لمصلحتها السياسيّة. وهو ما كان يحدث بشكل أكثر فجاجة في ظل نظام الرئيس الراحل صدّام حسين، حينما كانت قطع الأراضي تُمنح بوصفها "مكرمة" من الرئيس لمؤيديه أو لمن يرضى عنهم.

وبالإضافة الى توزيع سندات الملكيّة، قام المالكي في خلال حملته الانتخابيّة بافتتاح سلسلة من المشاريع الحكوميّة، في ما اعتبره البعض نوعاً من الدعاية السياسيّة التي تجيّر نشاط المؤسسات الحكوميّة لمصلحة حزب رئيس الوزراء. 

ومن الظواهر اللافتة التي شهدتها الانتخابات الأخيرة، ترشيح بعض أقارب المالكي من ضمن قائمة دولة القانون أو في قوائم صغيرة مساندة. والمرشّحان اللذان جذبا الأنظار أكثر من غيرهما، هما زوجا ابنتَي المالكي اللذان يعملان في مكتبه حسين أحمد المالكي (أبو رحاب) وياسر عبد صخيل المالكي. وفي الواقع، دخل اسما الرجلين في حيّز التداول السياسي والإعلامي بشكل متزايد في الأعوام الاخيرة كمؤشر على تصاعد نفوذهما والذي ارتبط أيضاً بتنامي قوة مكتب رئيس الوزراء. فبسبب شعوره بأن شركاءه من القوى الأخرى يقيّدون حريته بل ويسعون إلى إفشاله، سعى المالكي إلى تكوين كيانات في خارج المؤسسات الدستوريّة وتخويلها صلاحيات خاصة. كذلك، زاد من اعتماده على أولئك الموالين له لمساعدته في تيسير شؤون مكتبه وحكومته. 

ولا يختلف المالكي عن معظم المسؤولين العراقيّين الذين ملأوا مكاتبهم وبقيّة مؤسسات الدولة بأقارب لهم. لكن مع توطيده لسلطته التي تضخّمت في السنوات الأخيرة، بات نفوذ هؤلاء الأقارب وتأثيرهم يتجاوز ما لدى نظرائهم في مكاتب المسؤولين الآخرين بكثير. ولجوء المالكي إلى أقاربه لا يتعلق فقط برغبته بالتخلص من إزعاجات خصومه السياسيّين، بل وأيضاً لمواجهة منافسيه في حزب الدعوة الذين ما زالوا يعتقدون أن المالكي مدين بمنصبه إلى الدور التاريخي لحزبهم. ويبدو أن المرحلة الراهنة تشهد تراجعاً في تأثير حزب الدعوة لصالح شخصيات وقوى أخرى ترتبط بالمالكي شخصياً، من دون المرور بحلقة الحزب. ويبدو أن المالكي يرى أن "الدعوة" بطابعه الأيديولوجي والتنظيمي المحدود غير كاف للتعبير عن التحالفات والمصالح الأوسع التي نسجها في البيروقراطيّة الحكوميّة والمؤسسة العسكريّة وفي إطار ائتلاف دولة القانون والقوى المقرّبة منه.

وثمّة من يرى أن ترشيح نسيبَي المالكي في كربلاء كان يهدف جزئياً إلى تحجيم أحد أبرز القياديّين الدعويّين للمالكي، وزير التعليم العالي علي الأديب الذي ترشّح على رأس قائمة ائتلاف دولة القانون في تلك المدينة. والتسريبات الخاصة بنتائج الانتخابات تشير إلى أن النسيبَين جمعا أعداداً كبيرة من الأصوات على حساب الأديب. فهما يتحدّران من إحدى نواحي هذه المدينة وقد تمكنا من نسج علاقات واسعة مع القوى الاجتماعيّة فيها، خصوصاً عن طريق منظمات "غير حكوميّة" يدعمانها ويموّلانها وعن طريق الاستفادة من قربهم من رئيس الوزراء لتقديم تسهيلات ومنافع لبعض الشرائح. فقد أنشأ حسين المالكي مؤسسة خيريّة أطلق عليها اسم "الرحاب"، وبحسب صفحتها الرسميّة على موقع "فيسبوك" هي "مؤسسة خيريّة تهدف إلى خدمة العوائل الكربلائيّة وإيصال أصواتها إلى أعلى سلطة في الدولة". أمّا ياسر المالكي، فقد لعب دوراً في التواصل مع العشائر في الوسط والجنوب، وقام كذلك بتأسيس منظمة تحمل اسم "الشباب هنا" لرعاية الشباب وتقديم الخدمات لهم. وكان اسمه قد طرح كمحافظ جديد لكربلاء في حال خلو المنصب مستقبلاً. 

إن تغوّل السلطة التنفيذيّة ومن يسيطرون عليها ليس بجديد، بل هو ظاهرة موجودة في معظم الدول الريعيّة. ويبدو أنها تتكرّر اليوم في العراق. ومع هذا التغوّل، يتم تجاوز المؤسسات الدستوريّة التي تصبح أضعف في مقابل تنامي الزبائنيّة السياسيّة كوسيلة لإدارة شؤون الدولة. والاستمرار في هذا الاتجاه لا يمثّل سوى عودة إلى التراث الذي حكم السياسات العراقيّة تقليدياً. وهو تراث عمّقه الاعتماد شبه الأحادي على الريع النفطي الذي يخدم مصلحة القوى المهيمنة ونفوذها على توزيع هذا الريع، هي التي تدير هذه العمليّة التوزيعيّة بما يخدم إعادة إنتاج سلطتها وهيمنتها. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020