هل سيعاد بناء التحالف الشيعي في العراق بعد الانتخابات؟

بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة في العراق، أصبح مصير التحالف الشيعي محلّ تساؤل وبحث، ومرتبطاً بقضيّة استمرار رئيس الوزراء نوري المالكي في منصبه.

al-monitor .
حارث حسن

حارث حسن

@harith_hasan

المواضيع

sunnis, state of law coalition, politics, political blocs, parliament, nouri al-maliki, kurds, iraq

ماي 22, 2014

حتى قبل أن يتمّ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة في العراق التي أجريت في 30 نيسان/أبريل الماضي، شرعت القوى الشيعيّة المتنافسة بالحديث عن ضرورة إعادة تشكيل التحالف الشيعي وعدم التفريط به. وجرى التركيز بشكل خاص على ضرورة تحويله إلى "مؤسسة" فاعلة تقوم على القيادة الجماعيّة، كما جاء في بيان لحزب الفضيلة الإسلامي عقب لقاء جمع ما بين قيادته وقيادة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي. وقد ركّز المجلس الأعلى الإسلامي في خطابه الإعلامي على ضرورة الحفاظ على وحدة التحالف الوطني الذي يجمع القوى الشيعيّة ومنع تفكّكه في المرحلة المقبلة. وينطبق الأمر نفسه على تصريحات بعض أعضاء كتلة دولة القانون التي يترأسها رئيس الوزراء نوري المالكي. وتجدر الإشارة إلى أن كتلة الأخير تفوّقت على جميع الكتل المنافسة وحصدت ما مجموعه 95 مقعداً في الانتخابات الأخيرة ، في مقابل نحو 29 مقعداً لائتلاف المواطن بزعامة المجلس الأعلى الإسلامي  و35 مقعداً للكتل الممثلة للتيار الصدري.

غير أن هذه التصريحات "التصالحيّة" تظل تدور حول رغبات عامة ولا تجيب عن الكثير من الأسئلة المهمة المطروحة، من قبيل ما هي الأسس التي سيبنى عليها التحالف الشيعي هذه المرّة؟ وما هي التسويات التي ستسمح بإعادة تشكيله بعد تنافس انتخابي مرير بين الكتل الشيعيّة؟

ويمكن القول إن القضيّة الرئيسيّة التي تقرّر مصير التحالف الشيعي، بقاؤه أو زواله، هي قضيّة بقاء المالكي في منصبه. فائتلاف دولة القانون يشعر أن نتائج الانتخابات قد أفرزت تفويضاً شعبياً صريحاً له بقيادة الحكومة المقبلة، وأن بقاء التحالف الوطني مرهون برضوخ بقيّة القوى الشيعيّة لمخرجات الانتخابات والتسليم بأن ائتلاف دولة القانون يمثّل الغالبيّة العظمى من الجسم الشيعي. فبعد يوم واحد من الانتخابات، نشر موقع "المسلة" المقرّب من رئيس الوزراء مقالة دعا فيها القوى الشيعيّة المنافسة إلى قبول النتائج والاعتراف بأن ثمّة نصراً شيعياً قد تحقق باعتبار أن قوى التحالف الشيعي قد حققت أغلبيّة عدديّة في البرلمان المقبل (نحو 174 مقعداً من مجموع 328). وطالبت المقالة القوى الشيعيّة المنافسة بالإقرار بفوز ائتلاف المالكي ودعمه لرئاسة الحكومة المقبلة.

في المقابل، أعلن نواب من كتلة الأحرار الصدريّة أنهم يرغبون أيضاً في عودة التحالف الشيعي، لكنه يشترطون أن يختار التحالف شخصيّة لمنصب رئيس الوزراء تحظى بقبول جميع الأطراف في داخل التحالف وخارجه. 

وباستثناء ائتلاف دولة القانون، تركّز جميع القوى الشيعيّة الأخرى على "مأسسة" التحالف الوطني وعلى توليه "قيادة" الحكومة المقبلة بدلاً من إبقائه ككيان هامشي مهمته دعم قرارات رئيس الحكومة فقط. وتستهدف فكرة "المأسسة" هنا تقييد رئيس الوزراء بروابط والتزامات تمنعه من التفرّد بالسلطة، وهي التهمة التي يردّدها عادة خصوم رئيس الوزراء في نقدهم لسياساته.

وفي مقالة له نشرها قبل يوم واحد من الإعلان الرسمي لنتائج الانتخابات، كتب القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي والنائب السابق لرئيس الجمهوريّة عادل عبد المهدي – وهو أحد المرشّحين الدائمين لمنصب رئيس الوزراء -، أن السيناريو الأفضل يتمثل في أن تجتمع قوى التحالف الشيعي سريعاً وتتفق على رئيس للوزراء، ثم تنتقل للتفاوض مع بقيّة القوى الكرديّة والسنيّة. لكن عبد المهدي اشترط لتحقيق ذلك أن يقوم التحالف الشيعي على أساس المناصفة بين ائتلاف دولة القانون من جهة وبين ائتلافَي المواطن والتيار الصدري من جهة أخرى، وأن يكون لكل طرف حق الفيتو في عمليّة اختيار رئيس الوزراء المقبل. أضاف أنه في حال لم يتحقق ذلك، فإن السيناريو المحتمل هو أن يسعى ائتلاف دولة القانون إلى محاولة تأمين الأغلبيّة بتحالفات خارج المظلة الشيعيّة. وفي هذه الحالة، فإن الأطراف الشيعيّة الأخرى ستعتبر نفسها في حِلّ من التزاماتها تجاه التحالف الشيعي وستسعى أيضاً إلى نسج تحالفات بديلة مع القوى غير الشيعيّة. وأشار عبد المهدي إلى مذكرة بعثها المالكي قبيل إعلان نتائج الانتخابات إلى القوى الكرديّة والشيعيّة، داعياً إياها الى الشروع بالمفاوضات لتشكيل حكومة يرأسها المالكي. وهو ما اعتبره دليلاً على عدم تمسّك المالكي بالتحالف الشيعي. ورأى أنه على الرغم من التفوّق الانتخابي لائتلاف المالكي، إلا أن القوى الشيعيّة المنافسة بالإضافة إلى القوى الكرديّة والسنيّة قادرة معاً على تشكيل أغلبيّة مريحة تمنع المالكي من البقاء في منصبه.

ويبدو أن القوى الشيعيّة المختلفة تحاول في هذه المرحلة استيعاب "صدمة" النتائج وجسّ نبض الأطراف الأخرى. وكل طرف يعتقد أن من مصلحته عدم تفكيك التحالف الشيعي، على الأقل في خلال المرحلة المبكرة من التفاوض. فالمالكي يعتقد أنه بإمكانه الحصول على التفويض للاستمرار في منصبه من خلال التحالف الشيعي الذي يمتلك فيه أغلبيّة، وربما يساعده في تحقيق ذلك الضغط الذي يمكن أن تمارسه إيران على بقيّة القوى الشيعيّة للقبول باستمراره في منصبه. في المقابل، تعتقد بقيّة القوى الشيعيّة أن البقاء في التحالف الوطني يعزّز من موقعها التفاوضي مع القوى غير الشيعيّة ويسمح بتحصين الموقف الشيعي بأغلبيّة عدديّة تقلل حجم التنازلات التي سيقدمونها إلى بقيّة الأطراف. ويخشى المالكي أن استعجاله الاتصال بأطراف في خارج التحالف الشيعي قد يؤدّي بمنافسيه الشيعة إلى القيام بالأمر نفسه، وقد تكون فرصتهم أفضل في كسب القوى الكرديّة والسنيّة نظراً لوجود توافق عام على عدم التجديد للمالكي. وفي الوقت نفسه، تخشى بقيّة القوى الشيعيّة ألا يكون هذا التوافق قوياً بما يكفي للصمود طويلاً عندما يأتي أوان البحث بالتفاصيل، وأن يضعها الذهاب بمفردها نحو القوى الكرديّة والسنيّة في موضع تفاوضي ضعيف ويظهرها كمن يفرّط بوحدة الشيعة. وأحد العوامل المؤثرة هنا هي الخيارات التي ستتخذها القوى الكرديّة والسنيّة. فاستعجالها بتشكيل تحالفات إثنيّة وطائفيّة، قد يدفع التحالف الشيعي إلى القيام بالأمر نفسه.

ويطرح البعض سيناريوهات من قبيل استبدال المالكي بقيادي آخر من ائتلاف دولة القانون، باعتباره يمثّل حلاً وسطاً لضمان استمرار التحالف الشيعي. إلا أن مثل هذا الحلّ قد يأتي في مرحلة لاحقة وبعد أن تستنفد الخيارات المفضلة لدى معظم الأطراف. والأكيد الآن، هو أن موسماً من التفاوض العصيب سيبدأ في العراق، بحيث ينتقل الصراع من طابعه الانتخابي إلى غرف التفاوض المغلقة وتسويات النخبة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020