نبض لبنان

الحوزات الشيعيّة في لبنان تتأرجح بين المنهجَين التقليدي والأكاديمي

p
بقلم
بإختصار
عرف لبنان تاريخياً مدارس دينيّة شيعيّة كثيرة وخصوصاً في منطقة جبل عامل -هي اليوم منطقة الجنوب وبعض البقاع الغربي-، لعبت دوراً في الحفاظ على الهويّة الإسلاميّة الشيعيّة من جهة وفي إثراء الفكر الشيعي الإثني عشري من جهة أخرى. ومن أبرز المدارس الدينيّة الشيعيّة آنذاك، تذكر مدرسة جزين ومدرسة ميس الجبل ومدرسة جويا ومدرسة جباع ومدرسة الكوثريّة ومدرسة شقراء ومدرسة مشغرة. في نهاية القرن...

عرف لبنان تاريخياً مدارس دينيّة شيعيّة كثيرة وخصوصاً في منطقة جبل عامل -هي اليوم منطقة الجنوب وبعض البقاع الغربي-، لعبت دوراً في الحفاظ على الهويّة الإسلاميّة الشيعيّة من جهة وفي إثراء الفكر الشيعي الإثني عشري من جهة أخرى.

ومن أبرز المدارس الدينيّة الشيعيّة آنذاك، تذكر مدرسة جزين ومدرسة ميس الجبل ومدرسة جويا ومدرسة جباع ومدرسة الكوثريّة ومدرسة شقراء ومدرسة مشغرة.

في نهاية القرن التاسع عشر، شهد جبل عامل نهضة علميّة انعكست على المدرسة الدينيّة من خلال تطوير أساليب التدريس وطرائق التفكير التي كانت سائدة طوال عصور الانحطاط. وقد أنشِئت مدارس دينيّة على أسس حديثة ومتطوّرة، تأثّرت بحركة النهضة العلميّة في العالم العربي. وقد وصل عدد المدارس الشيعيّة الجديدة والمجدّدة إلى أكثر من 15 مدرسة في جنوب لبنان فقط.

وبعد الانتهاء من المراحل الدراسيّة الأولى، كان الطالب المستطيع يذهب إلى العراق لمتابعة دراساته العليا في حوزات النجف الأشرف. وقد تخرّج من النجف الأشرف كبار العلماء اللبنانيّين الذين عرفوا شهرة عربيّة وإسلاميّة.

وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران في العام 1979، تصاعدت الصحوة الإسلاميّة لدى شيعة لبنان والتي كان قد أسس لها الإمام موسى الصدر منذ ستينيات القرن العشرين وحتى اختطافه في ليبيا في العام 1978. ومنذ منتصف الثمانينيات جرى تأسيس عدد جديد من الحوزات الدينيّة، أبرزها: حوزة الرسول الأكرم في حارة حريك برعاية إيرانيّة والمعهد الشرعي الإسلامي برعاية العلامة محمد حسين فضل الله وغيرهما من الحوزات.

ثمّة تباين بشأن عدد الحوزات الشيعيّة الدينيّة في لبنان. لكن أمين عام هيئة أمناء الحوزات العلميّة في لبنان العلامة السيّد عبد الكريم فضل الله يقول في اتصال هاتفي مع "المونيتور"، إن عدد الحوزات هو 30 حوزة من بينها 18 مدرسة منتظمة و12 مدرسة غير منتظمة.

وحول مناهج التدريس في هذه الحوزات، يشرح فضل الله أنها بمعظمها تتّبع المنهج التقليدي بينما عدد قليل منها يتّبع المنهج الأكاديمي. يضيف أنه يفضّل المنهج التقليدي للتدريس على غرار حوزات النجف ولكن بشروطه الأصليّة، لأن هذه الطريقة التقليديّة في رأيه تنتج مبدعين في العلوم الدينيّة.

من جهته يقول الشيخ مرتضى الفقيه نجل آية الله مفيد الفقيه وهو مدرّس في حوزة جامعة النجف الأشرف في بلدة حاريص في جنوب لبنان، إن الحوزة التي أسسها والده في العام 1990 في مدينة صور وصار لها فرع في حاريص، ما زالت تعتمد المنهج التقليدي في التدريس. ويشير في حديث إلى "المونيتور" إلى أن الشيخ مفيد الفقيه ما زال يرى أن النهج التقليدي هو الأرجح والأنجح، وأنه لو أردنا التغيير من المنهج التقليدي إلى المنهج الأكاديمي، لا يمكن أن يكون التغيير مفاجئاً. فلا بدّ من التدرّج ووضع آليّة انتقاليّة.

ويؤيد الشيخ مرتضى الفقيه تطوير المناهج، مشيراً إلى أنه بدأ قبل سنوات بتدريس بعض الكتب التي لم تكن تتضمّنها المناهج التقليديّة أصلاً. ويقول إنه تمّ التطوير جزئياً  في مسألة المراحل الدراسيّة. فبدلاً من أن تكون الدراسة على ثلاث مراحل بحسب الطريقة التقليديّة، تحوّلت إلى ست مراحل قبل مرحلة البحث الخارج الذي يؤهل الطالب للاجتهاد الفقهي. يضيف الشيخ الفقيه أن الامتحانات تجري في كل المراحل ويخضع الطالب لها فصلياً.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ مفيد الفقيه كان قد أمضى عمراً طويلاً في حوزة النجف، وتخرّج مجتهداً على كبار مراجعها.

أما آية الله العلامة الشيخ حسن رميتي، فقد أسّس بعد انتقاله إلى لبنان حوزة الإمام الرضا في منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبيّة في بيروت في العام 2003. وهو على الرغم من ميله إلى المناهج القديمة، إلا أنه يفضّل التغيير في أسلوب التدريس لجهة عدم الإطالة في بعض الأبواب التي لا فائدة في إطالتها اليوم. ويشير لـ"المونيتور" إلى وجود امتحانات شفهيّة وخطيّة، على أن يحصل الطالب على إفادة بالترفّع إلى المرحلة الثانية بعد الانتهاء من الامتحان. وعندما ينهي الطالب مرحلتَي المقدمات والسطوح والتي تتراوح عادة بين سبع وتسع سنوات، يصبح مؤهلاً لدراسة البحث الخارج. والشيخ رميتي هو الوحيد الذي يدرّس البحث الخارج في حوزة الإمام الرضا، إذ يفترض أن يكون مدرّسه مجتهداً. ويقول إن الحوزة لا تملك نظاماً يمكّن الطالب من الحصول على شهادة في البحث الخارج كشهادة الدكتوراه في الجامعات، بل هي تعتمد التقليد القديم. فإذا صار الطالب أهلاً وقادراً على استنباط الأدلة، يُعرف بالمستقبل ويكون له شأن.

إلى ذلك، نجد المعهد الشرعي الإسلامي وهو حوزة أسسها الراحل آية الله السيد محمد حسين فضل الله إثر عودته من النجف في العام 1967.

ويقول مدير المناهج في المعهد الشيخ خنجر حميّة في حديث خاص إلى "المونيتور" إن المعهد يعتمد المنهج الأكاديمي من حيث مراحل الدراسة والامتحانات والشهادات. ويشير إلى أن الدراسة في المعهد تشترط حصول الطالب على شهادة البكالوريا القسم الثاني على غرار الجامعات، بينما لا تشترط الحوزات التقليديّة ذلك إذ قد يقبل الطالب الحاصل على الشهادة المتوسطة وبعضها قد يكتفي فقط بقدرة الطالب على القراءة والكتابة.  

ويلفت حميّة إلى أن مناهج المعهد حديثة جداً تشتمل على الدراسات الفقهيّة والدينيّة التقليديّة ولكن من خلال كتب وأساليب تدريس حديثة. كذلك تشمل المعارف الأكاديميّة الدينيّة والفكريّة والفلسفيّة، من فلسفة غربيّة ومنطق رياضي وأديان أخرى بخاصة المسيحيّة.

ويوضح أن العام الدراسي مقسّم إلى فصلَين، وفي نهاية كل فصل يخضع الطالب إلى امتحان بالإضافة إلى الامتحانات الشهريّة على غرار الأنظمة الأكاديميّة في الجامعات. يضيف أن فترة الدراسة تمتدّ على ثماني سنوات. المرحلة الأولى مدّتها ثلاث سنوات يحصل في نهايتها الطالب على إجازة تعادل الإجازة الجامعيّة أو شهادة البكالوريوس، ويمكنه إكمال الدراسة في المرحلة الثانية وهي مرحلة الدراسات العليا.

ونذكر أيضاً حوزة الرسول الأكرم القريبة من حزب الله والمرتبطة بمرجعيّة المرشد آية الله خامنئي. وهي تتألف من مدرستَين، مدرسة للرجال وأخرى للنساء. وقد أصبحت مرتبطة بجامعة المصطفى الإيرانيّة. وبناء عليه، تحوّلت من المنهج التقليدي في التدريس إلى المنهج الأكاديمي الذي يخصّص سنوات محددة للتدريس ويشتمل على امتحانات وشهادات ومراحل دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.

كذلك نجد كلية الدراسات الإسلاميّة في الجامعة الإسلاميّة في لبنان، التي أسسها الراحل الإمام محمد مهدي شمس الدين في العام 1996. وتعنى الكلية بتدريس العلوم الشرعيّة والفلسفيّة والإلهيّة، وتمنح شهادات الإجازة والماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة.

واللافت أن كثيرين من طلاب العلوم الدينيّة في لبنان أكملوا دراساتهم الجامعيّة وحصل بعضهم على شهادة الدكتوراه وصاروا يدرّسون في الجامعة والحوزة معاً.

يبقى أن نشير إلى أن الحوزات الدينيّة بنوعَيها التقليدي والحديث ما زالت تقدّم مساعدات ماليّة للطلاب. كذلك ينال هؤلاء الطلبة هدايا نقديّة شهريّة من قبل عدد من المراجع الكبار في النجف وقم.

ولا شك في أن انتشار المدارس الدينيّة في لبنان وتطوّرها أدّى إلى تضاعف عدد رجال الدين الشيعة في غضون العقود الثلاثة الأخيرة إذ تجد في البلدة الصغيرة الواحدة عدداً من علماء الدين، بينما كان الوضع في العقود السابقة مختلفاً إذ كان عدد رجال الدين قلّة وكانت تتمّ الاستعانة بعلماء من بلدات أخرى أو من العراق أحياناً لسدّ النقص. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : shiites, najaf, iraqi clerics, hezbollah, education, curriculum

هيثم مزاحم هو باحث ومحلّل سياسي لبناني متخصص في شؤون الشرق الأوسط والإسلاميات. وهو مساهم منتظم في صحيفة الحياة، وصحيفة البلد، وموقع اتلانتيك بوست الأميركي، فضلاً عن المجلات السياسية والأكاديمية العربية. وقد نشر مزاحم كتابين هما: حزب العمل الإسرائيلي( 1968-1999" (العربية) عام 2001، والصراع على الشرق الأوسط (2013)، وله كتابان تحت الطبع بعنوان "تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه"، و"كيف تحدث الثورات؟". وقد ساهم في ستة كتب أخرى، اثنين عن التيارات السياسية والفكرية في إيران (2011)، وكتاب بعنوان: "ثورات قلقة" (2012)، وكتاب عن "إيران والإخوان المسلمين" (2013)، وكتاب السلفية المتحوّرة(2013)، وكتاب "الجهاديون في مصر"(2014).

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept