نبض لبنان الجديد

p
بقلم
بإختصار
على وقع الحرب الأهلية السورية، قد يكتشف لبنان عقداً اجتماعياً جديداً.

ربما يقف لبنان على شفا انتفاضة اجتماعية واقتصادية قد توحّد عدداً كبيراً من اللبنانيين خلف راية جديدة من أجل التغيير، فينتهي بذلك الانقسام السياسي التقليدي بين حركتَي 8 آذار/مارس و14 آذار/مارس.

قد تتفوّق هذه النزعة قريباً على بوادر ظهور تركيبة سياسية أكثر إثارة للتفاؤل في لبنان. فقد تمّ التوصّل إلى اتفاق لتشكيل حكومة تتوزّع فيها الحقائب الوزارية بالتساوي بين فريقَي 8 آذار/مارس و14 آذار/مارس (ثمانية مقاعد لكل منهما)، مع تخصيص ثمانية مقاعد للمستقلّين.

تؤشّر الموافقة على حكومة رئيس الوزراء تمام سلام في 20 آذار/مارس الماضي، بعد أشهر من التأخير، والاتفاق على البيان الوزاري الذي سيوجّه سياستها، إلى أن آليات الحكم ربما تكتسب زخماً، بدلاً من المذهبية والأيديولوجيا.

والآن تتوجّه الأنظار إلى الانتخابات الرئاسية وما إذا كانت ستجرى في موعدها، مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار/مايو المقبل.

لكن على الرغم من هذه الخطوات التي طال انتظارها، قريباً قد يتفوّق نبض جديد بين اللبنانيين يدعو إلى تبنّي أجندة وطنية، وليس فئوية، للتغيير، على السياسة اللبنانية العليا.

قد يكون الوضع الأمني الذي يستمر هشاً في لبنان، البلد الواقع على الجبهة الأمامية للحرب في سوريا، محفّزاً لهذه النزعة.

لقد تدفّق اللاجئون السوريون بأعداد كبيرة إلى لبنان، فعددهم يفوق الآن المليون، بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة (وهذا العدد يشمل فقط المسجّلين رسمياً)، هذا مع العلم أن مجموع السكّان في لبنان هو 4.4 ملايين نسمة، ما دفع بعدد كبير من اللبنانيين إلى التوحّد في مواجهة هذا الأمر، لأنهم يرون أن الأعباء الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة المترتّبة عن وجود اللاجئين في لبنان تفوق قدرة بلادهم على التحمّل كما أنها تهدّد أمنهم الشخصي والاقتصادي.

علاوةً على ذلك، ربما تؤشّر الخطة الأمنية الكبرى التي ينفّذها الجيش اللبناني مؤخراً في طرابلس إلى أن المجموعات اللبنانية بدأت تدرك، ولو متأخرة، أن تكرار المخططات المذهبية القديمة في لبنان قد يؤدّي إلى انهيار البلاد، وربما لم يعد مقبولاً من المواطنين اللبنانيين الذين دفعوا غالياً ثمن الشلل السياسي والمناورات الفئوية.

لا شك في أنه ربما توصّلت القوى الإقليمية، مثل السعودية وإيران، إلى تفاهم يؤمّن إجماعاً حول تسيير آلية الحكم، كما كتب جان عزيز، ولا شك أيضاً في أن القوى الإقليمية لا تزال تفرض نفوذها على لبنان.

لكن القصة تذهب أبعد من ذلك. ففي مقابلة مهمة مع صحيفة "السفير" (ترجمها موقع المونيتور)، لمّح أمين عام "حزب الله"، حسن نصرالله، إلى أنه حتى بالنسبة إليه، ربما تتحوّل النزعة في السياسة اللبنانية من المسائل المذهبية إلى المسائل الوطنية.

قال نصرالله في المقابلة "نحن جديون في طرح بناء الدولة القوية والقادرة والعادلة ولسنا بديلاً منها في أي شأن من الشؤون، وحتى في مسألة المقاومة، عندما تصبح لدينا دولة قادرة وقوية وتملك إمكانية الدفاع عن لبنان، فنحن في المقاومة أو كمقاومين سوف نعود إلى مدارسنا وحوزاتنا وجامعاتنا وحقولنا".

ربما يكتفي نصرالله بإطلاق الوعود انطلاقاً من كونه قومياً لبنانياً، لكن لعل السأم العام من السياسة المعهودة، بما في ذلك بين ناخبي "حزب الله"، هو الذي يدفع نصرالله وسواه من القادة اللبنانيين نحو تبنّي موقف أكثر وسطية في بعض خطابهم القومي.

إلى جانب الأمن، يحتاج الاقتصاد اللبناني أيضاً إلى إصلاح عاجل، كما كتب سامي نادر هذا الأسبوع. فالانقسام المذهبي أو الأيديولوجي لا يساعد على تحقيق النمو الاقتصادي الذي يتطلّب، على العكس، براغماتية وإجماعاً.

مع مرور الوقت، قد يؤدّي التحوّل في المشهد السياسي المنقسم بين فريقَي 8 آذار/مارس و14 آذار/مارس، إلى إفراغ هذَين التيارين من قواعدهما الشعبية الحقيقية، أي مواطني الطبقتَين العاملة والوسطى في لبنان، الذين خاب ظنّهم من التحالفات التي تتقاطع عبر مختلف التيارات، والتي تتشكّل وينفرط عقدها ومن ثم تتشكّل من جديد، من دون اعتبار لمصالح الناس مع تدهور الظروف الأمنية والاقتصادية.

ربما بدأت تضمحل، وأخيراً، خطوط الانقسام الفئوي والتجزئة السياسية والدينية. فقد كان كافياً أن تشعر القواعد الشعبية بأن تحالفات مفاجئة تتشكّل عبر خطوط الانقسام تلك كي يتخلّى أتباع كلا الفريقَين عن شعاراتهم السياسية القديمة التي ولّى عليها الزمن، ويحاولوا إيجاد أرضية مشتركة.

قد يجد اللبنانيون قضية يجتمعون حولها، فيتوحّدون حول جدول أعمال جديد، وحتى حركة جديدة انطلاقاً من شعور مستمر بالضيق الاجتماعي والاقتصادي قد يتحوّل وأخيراً انتفاضة شعبية طال انتظارها تدعو إلى عقد اجتماعي جديد قائم على أولويات وطنية، وليس أولويات مذهبية أو فئوية.

إذا تبلور هذا المسار على الأرض، فسوف تكون هذه الانتفاضة اللبنانية الفريدة مميّزة عن باقي انتفاضات الربيع العربي، بمعنى أن النزعة اللبنانية ستكون على الأرجح غير دينية وغير سياسية.

في الواقع، ربما يتمتّع لبنان بحصانةٍ من الفيروس المذهبي، لأن تجربته مع هذا الاستقطاب أحدثت خيبة أمل شديدة من الخطاب السياسي ومن الآمال الكاذبة، ومن النهج السياسي الذي خان الشعب اللبناني وولّد لديه انطباعاً بأنه متروك بلا حيل ولا قوة تحت رحمة أجندات خارجة عن إرادته.

لن يكون مفاجئاً إذا نجح لبنان في قيادة هذا العقد الاجتماعي الجديد. فقد تكبّد معاناة شديدة خلال حربه المذهبية الإقليمية الدموية التي استمرت 15 عاماً، ومع ذلك تمكّن من المعافاة واستعادة تألّقه الكوزموبوليتاني. ثمة عوامل كثيرة يمكن البناء عليها. فالإخفاقات التي مُنيت بها الانتفاضات في مصر وسوريا وتحطُّم تطلّعاتها، بعدما سقطت بسرعة ضحية الأجندات الإقليمية والأيديولوجية وأعمال العنف، وماضي لبنان المأسوي، قد تجعل من هذا البلد حاضناً لمقاربة جديدة في الحكم من شأنها أن تتيح للبنان تحقيق طاقاته، بدلاً من أن يقع ضحية الخطاب والوعود الفارغة لما عُرِف ذات يوم بالربيع العربي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tammam salam, syria, saudi arabia, michel suleiman, lebanon, iran, hassan nasrallah, arab spring
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept