نبض لبنان

هل وحّدت التفجيرات الانتحارية الشيعة اللبنانيين خلف حزب الله؟

p
بقلم
بإختصار
أظهرت التفجيرات الانتحارية في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي مدينة الهرمل في البقاع اللبناني، والتي إستهدفت السكان المدنيين في الشوارع المكتظة، وخاصة التفجير داخل محطة للوقود في الهرمل، أن المُستهدَف ليس مواقع عسكرية أو مراكز لحزب الله وإنما هم المدنيون، إذ أن المطلوب إيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا، في محاولة لإيلام البيئة الحاضنة لحزب الله، كانتقام بسبب مشاركته في الحرب إلى جانب النظام...

أظهرت التفجيرات الانتحارية في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي مدينة الهرمل في البقاع اللبناني، والتي إستهدفت السكان المدنيين في الشوارع المكتظة، وخاصة التفجير داخل محطة للوقود في الهرمل، أن المُستهدَف ليس مواقع عسكرية أو مراكز لحزب الله وإنما هم المدنيون، إذ أن المطلوب إيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا، في محاولة لإيلام البيئة الحاضنة لحزب الله، كانتقام بسبب مشاركته في الحرب إلى جانب النظام السوري، وإيجاد شرخ بين الحزب وبيئته الشعبية.

لكن السؤال الذي يُطرح بقوة في هذه الأيام هو: هل تؤدي هذه الاعتداءات إلى تململ الشيعة في المناطق المستهدفة والتي تشكّل البيئة الحاضنة لحزب الله وانفراط عقدهم من حوله أم أنها – على عكس ما يبتغيه مدبّروها – قد وحّدت بين الشيعة برغم وجود تباينات دينية وسياسية في ما بينهم؟

نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان وصف التفجير الأخير في الهرمل بأنه "عمل إرهابي نفذته جهة مجرمة حاقدة لا تعرف إلا لغة القتل والتخريب والحقد وتمتهن الإرهاب سلوكاً ومنهجاً في قتل الناس، إذ تستهدف في جريمتها اليوم إيقاع أكبر عدد من الآمنين الأبرياء".

من جهته رأى العلامة الشيعي السيد علي فضل الله أن التفجير الذي استهدف محطة الأيتام في الهرمل، هو مظهر من "مظاهر الوحشية التي برزت في التفجيرات السابقة، كونه يؤكد مرة أخرى، أن المؤسسات الإنسانية والتربوية والاجتماعية، والمواطنين الأبرياء، باتوا أهدافاً مباشرة لهذه العدوانية التي لا تفرّق بين مؤسسة إنسانية وغير إنسانية".

الجدير بالذكر أن محطة الأيتام المستهدفة تتبع لجمعية المبرات الخيرية التي يديرها فضل الله ويعود ريعها لمساعدة الأيتام، وأن فضل الله مستقل عن حزب الله وثمة تباينات وخلافات سابقة بين الجانبين.

أما العلامة الشيعي اللبناني السيّد علي الأمين، وهو خصم عنيد لحزب الله وناقد شديد له، أدان "عمليات التفجير الإرهابية التي طاولت الأبرياء وروّعت الآمنين" في الضاحية والهرمل، ورأى أن المطلوب أن تتولّى الدولة وحدها مسؤولية الأمن في كامل الأراضي اللبنانية، لإحباط مخططات الإرهاب الهادفة إلى ضرب الإستقرار وزرع الفتنة بين اللبنانيين. كما دعا إلى انسحاب حزب الله من ساحات الصراع في سوريا لتقليل الخسائر.

الصحافي والمحلل السياسي غسان مكحّل يقول للمونيتور عن تأثير الاعتداءات الإرهابية على وحدة الشيعة وانقسامهم حول حزب الله: "هناك حالة استقطاب شديدة في لبنان، وهي تمت بين الشيعة بشكل قوي للغاية، تحديداً منذ العدوان الإسرائيلي سنة 2006". ويضيف "أن الاستقطاب بات الميزة المسيطرة في لبنان والاعتداءات على هذا الطرف أو ذاك لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاستقطاب والتجييش، وإلى مزيد من الاصطفاف وراء الممثل الطائفي والاعتماد عليه على أساس تعمق الخوف من الآخر وتنامي الكراهية له".

ويعتقد مكحّل أنه برغم وجود بعض الأصوات التي بدأت تشعر بالقلق والخوف وتتهم حزب الله بالعجز عن حماية جمهوره وتطالبه بالرد، لكنها أصوات ضعيفة وخجولة داخل البيئة الشعبية الحاضنة للحزب.

وحول إذا كان الإرهاب قادراً على إضعاف البيئة المؤيدة لحزب الله، يرى مكحّل أنه "في ظرف كالظرف اللبناني، فإن هجمات من هذا النوع لا تؤدي إلا الى مزيد من الاحتشاد الطائفي والتطرف. لكنها يمكن أن تضعف نوعاً ما البيئة المؤيدة للحزب إذا استمر الفشل في التصدي للتفجيرات وتسببت بخسائر كبيرة".

يستدرك مكحّل قائلاً: "لكن بالنسبة الى حزب الله، فالأمر معقد إذ أن حزب الله إضافة إلى كونه بات مفخرة لطائفته، وإضافة إلى أنه القوة العسكرية الأكبر المعتبرة الحامية لهم، فإنه رب العمل الأول والأساسي في الطائفة الشيعية، ما يعزّز موقعه، ناهيك عن ترسخ الاعتقاد لدى جانب أساسي من الشيعة وبيئة الحزب أن معركة سوريا مصيرية ومشاركة الحزب فيها أمر مصيري ووجودي، أي مسألة حياة أو موت".

خضر علامة، مدير في إحدى الوزارات اللبنانية، وأحد كوادر حركة أمل، قال للمونيتور إنه برغم الجو المرعب للتفجيرات، فإنها قد خلقت حالة تضامن والتفاف حول الثنائي الشيعي المكوّن من حزب الله وحركة أمل، وجعلت كثيرين من الذين رفضوا قتال حزب الله في سوريا مؤيدين اليوم لمشاركة الحزب فيها.

وعن وجود أشخاص من السكان الشيعة في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع يحمّلون حزب الله مسؤولية التفجيرات، يرى علامة أنه ربما كان ذلك موجوداً في البداية لكن الأمور بدأت تتضح لاحقاً حول أهمية الدفاع المسبق، وفق مقولة الإمام علي بن أبي طالب: "ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا". ويضيف: "لذلك أصبح الناس يفكرون أن التكفيريين، وهم في خضم قتال حزب الله لهم في سوريا، قادرون على القيام بكل هذه الأعمال الإرهابية في لبنان، فكيف سيكون الأمر لو انتصروا وأتوا الى لبنان؟".

من جهته، يقول مصطفى فحص، وهو إعلامي وناشط سياسي، للمونيتور إن تدخل حزب الله العلني والمباشر في سوريا وضع كل  لبنان على خط النار السورية. ويضيف "إن حزب الله لا يزال يعتقد أنه يمكن معالجة الأزمة السورية بأسلوب أمني، ولكن الحقيقة أن جزءاً كبيراً من معالجة الأمن هو بالسياسة. وهذا ما يرفض الحزب الاعتراف به".

يقول فحص إنه بغض النظر عن مستقبل الأزمة السورية وإمكانية بقاء النظام ولو افتراضياً، إلا أننا أصبحنا أمام "المسألة الشيعية" في لبنان. ويرى أنه حتى لو انتهت الحرب في سوريا واستمر النظام السوري، فنحن أمام صراع طويل الأمد بين السلفية السنية والأصولية الشيعية. ويعتبر فحص أن دفاع حزب الله وإيران عن نظام الرئيس بشار الأسد قد أوقعهما في فخ الصراع المذهبي المكلف والمنهك.

ويرفض فحص تبرير حزب الله لمشاركته في الحرب السورية، بكونها حرباً وقائية لمنع التكفيريين من الوصول إلى لبنان، ويقول: "هل أصبحنا محافظين جدداً ونتبنى الحروب الاستباقية؟"، مشيراً إلى أن "هذا التدخل من حزب الله كان لإنقاذ النظام السوري وهذا باعتراف قيادة الحزب مؤخراً وليس لمحاربة التكفيريين. فهم نجحوا في تأخير سقوط النظام بينما انتقلت الأزمة الى الداخل اللبناني".

عماد رزق، مدير مركز "الاستشارية للدراسات الاستراتيجية" في بيروت، وهو خبير في الحرب النفسية، يقول للمونيتور إن من الخطأ مقاربة الموضوع بخلفية تأثّر الشيعة بالاعتداءات لأن فلسفة الهجمات تستهدف الفرز الطائفي، والتفجيرات أو الحرب تستهدف أهدافاً غير عسكرية وأهمها الاقتصاد والبنية الاجتماعية. ويضيف "أن ما تم ليس استهداف للشيعة والبيئة الحاضنة لأن المقاومة يحضنها المسيحي والسنّي والدرزي ومن الخطأ حصرها بحزب الله والشيعة. لذلك أعتقد أن مقاربة الموضوع يجب أن تكون في فهم نظرية الخوف والعجز ومن أجل صناعة بيئة جديدة".

ويوضح رزق: "لا توجد بيئة حاضنة. هناك المنتسب الى حزب الله والمؤيد لخط الحزب والحليف والمناصر، وهناك التيار الشعبي الذي إما يستفيد من المقاومة أو يتفاعل معها عاطفياً أو حتى مذهبياً. وطبعاً هنالك مجموعة من الجمهور تخاف من الحزب فتتقرب منه للحماية. لذلك يختلف تأثير الخوف من الاستهداف أو التفجيرات باختلاف المصالح أو التأثر العاطفي أو الارتباط العضوي، ولا نستطيع التعميم، فدرجة الصمود تختلف بين شخص وآخر وبين مجموعة وأخرى".

ويرى رزق أن المخطط الذي يستهدف "المقاومة"(حزب الله) يتحرك وفقاً لدراسات علمية وليس بعشوائية ومن هنا خطورة الوضع، لأن طرق المواجهة المستخدمة من قبل تحالف "قوى المقاومة والممانعة" لا يزال بسيطاً ومتواضعاً ولم يصل الى مرحلة المواجهة الاستراتيجية. ومن هنا كل المعالجات تأتي على مستوى شارع أو حي أو منطقة وليس على مستوى حجم الصراع وضخامته". ويخلص قائلاً: "علينا العمل بكل قوانا كي نكون على مستوى التهديد، لأن الانتحاريين ليسوا أفراداً، إنما مشروع يتم تحريكهم لأهداف أكبر ولخدمة مصالح استراتيجية، والخلفية الدينية مجرد محرك ودافع لا أكثر ولا أقل".

تلخّص سحر أحمد، وهي مخرجة شيعية تقيم في الضاحية لكنها من خارج الوسط الديني لحزب الله، الواقع الشيعي اليوم بقولها للمونيتور: في بداية تدخل حزب الله في سوريا، كنت أنتقد هذا التدخل خشية تأثيره علينا في لبنان. أما اليوم وبعد هذه الهجمات الوحشية الإرهابية، فهمت بعد نظر حزب الله وقيامه بحرف دفاعية لمنع التكفيريين من الوصول إلى لبنان.

يؤيد الإعلامي هشام الجبيلي، وهو مسيحي ماروني من سكان كسروان، ما تقوله سحر قائلاً للمونيتور إنه كان مع تدخل حزب الله في سوريا منذ البداية لشعوره بخطر هؤلاء التكفيريين على المسيحيين والشيعة وأيضاً السنّة، فهم قد أطلقوا تهديداتهم مبكراً بأنهم قادمون إلى لبنان، وأن حزب الله ليس أمامه سوى استكمال المعركة في سوريا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syria, shiites, shiite-sunni conflict, sectarianism, lebanon, hezbollah, civil war

هيثم مزاحم هو باحث ومحلّل سياسي لبناني متخصص في شؤون الشرق الأوسط والإسلاميات. وهو مساهم منتظم في صحيفة الحياة، وصحيفة البلد، وموقع اتلانتيك بوست الأميركي، فضلاً عن المجلات السياسية والأكاديمية العربية. وقد نشر مزاحم كتابين هما: حزب العمل الإسرائيلي( 1968-1999" (العربية) عام 2001، والصراع على الشرق الأوسط (2013)، وله كتابان تحت الطبع بعنوان "تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه"، و"كيف تحدث الثورات؟". وقد ساهم في ستة كتب أخرى، اثنين عن التيارات السياسية والفكرية في إيران (2011)، وكتاب بعنوان: "ثورات قلقة" (2012)، وكتاب عن "إيران والإخوان المسلمين" (2013)، وكتاب السلفية المتحوّرة(2013)، وكتاب "الجهاديون في مصر"(2014).

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept