نبض لبنان

سباق الغوطة وجنيف... وباريس تبحث عن نظام جديد

p
بقلم
بإختصار
بات واضحاً أن السباق صار محموماً وقاسياً في سوريا، ما بين المعركة والسياسة، ما بين الميدان والطاولة، أو تحديداً بين "هدف الغوطة الثانية" وهدف جنيف-2. ولأنه كذلك، فإن للسباق المذكور موعداً زمنياً أولياً محدداً، هو 22 كانون الثاني/يناير المقبل. ويقول أحد زوار العاصمة السوريّة في الأيام الماضية لـ"المونيتور" نقلاً عن مسؤولين سوريّين رفيعي المستوى، إن هذا السباق بين مساعي التسوية وبين...

بات واضحاً أن السباق صار محموماً وقاسياً في سوريا، ما بين المعركة والسياسة، ما بين الميدان والطاولة، أو تحديداً بين "هدف الغوطة الثانية" وهدف جنيف-2. ولأنه كذلك، فإن للسباق المذكور موعداً زمنياً أولياً محدداً، هو 22 كانون الثاني/يناير المقبل.

ويقول أحد زوار العاصمة السوريّة في الأيام الماضية لـ"المونيتور" نقلاً عن مسؤولين سوريّين رفيعي المستوى، إن هذا السباق بين مساعي التسوية وبين محاولات تبديل موازين القوى العسكريّة على الأرض، بات قاتلاً ومأساوياً. وكان مسؤول سوري أمني كبير قد أفاد الزائر نفسه، أن أكثر من ألف مسلح معارض قُتل في منطقة الغوطة الشرقيّة في الأيام الماضية. هناك، حيث تتركّز برأي المسؤول السوري نفسه، آخر محاولات المسلحين المعارضين للحكم في دمشق لتحقيق تقدّم فعلي ونوعي على الأرض يسمح لهم بفرض حدّ أدنى من الشروط على طاولة المفاوضات المقبلة. أما لماذا اختيار هذا المكان بالذات للمعركة؟ فلأنه آخر المنافذ التي يمكن للمسلحين المعارضين أن يقتربوا منه صوب أبواب العاصمة. وذلك مع ما لأي وصول إلى أبوب دمشق من رمزيّة في العسكر والسياسة، خصوصاً بعد سلسلة الانكسارات المتتالية على الجبهات الأخرى من حلب إلى حمص إلى منطقة القلمون المحاذية للحدود مع لبنان. من الغوطة الشرقيّة يمكن لأي تقدّم عسكري مسلح أن يسيطر على مطار دمشق الدولي وأن يصير على مرمى حجر من الحدود الإداريّة للعاصمة.

ولأن المعركة باتت تحمل هذا الطابع المركزي وشبه المصيري، ينقل الزائر نفسه لموقعنا عن أكثر من مسؤول سوري التقاه، تأكيداً لوجود معلومات لدى جهات سوريّة رسميّة عن أن عناصر سعوديّة باتت متورّطة في الحرب إلى جانب المسلحين المعارضين على أرض الغوطة الشرقيّة نفسها. وقد ذكر المسؤولون السوريّون أنفسهم أن لديهم معلومات وأدلة تؤكد صحّة ما نقلته وسائل الإعلام عن هذا التورّط السعودي. لكن في المقابل ينقل الزائر نفسه لـ"المونيتور" كلاماً من دمشق يوحي بأن الجيش السوري مرتاح في معركته تلك، نتيجة تنسيق أمني يقيمه مع جهات رسميّة أردنيّة، تزوّده بمعطيات مهمة جداً عن انتقال المسلحين إلى الداخل السوري وتحديداً إلى منطقة الغوطة.

أما على الجبهة الدبلوماسيّة، فينقل الزائر نفسه أن السلطات السوريّة باتت جاهزة لموعد جنيف–2 في 22 من الشهر المقبل. وقد استكملت الاستعدادات لذلك شكلاً ومضموناً. ففي الشكل بات شبه مرجّح أن يكون الوفد السوري الرسمي برئاسة وزير الخارجيّة وليد المعلم. هذا في حال جاءت المشاركة الدوليّة على مستوى وزاري. وإلا كانت رئاسة الوفد لأحد مساعدي المعلم، الذي تربطه بعدد كبير من المسؤولين الأميركيّين علاقة معرفة وثيقة منذ أيام عمله الدبلوماسي في نيويورك وواشنطن في تسعينيات القرن الماضي. وذلك مع ما لتلك الفترة من خصوصيّة إذ كانت "شهر العسل الأميركي-السوري"، أيام مشاركة دمشق في التحالف الغربي بزعامة واشنطن لإخراج [الرئيس العراقي الراحل] صدّام حسين من الكويت سنة 1991. أما في المضمون، فتصوّر دمشق لعمليّة جنيف-2 واضح: لا شروط مسبقة. ولا انقلابات سياسيّة تحقّق على طاولة المفاوضات، ما عجز المسلحون عن تحقيقه على أرض المعارك. أما مصير سوريا نظاماً وسلطة وأشخاصاً، فيقرّره السوريّون أنفسهم وفق آليات ديمقراطيّة يمكن للعالم أن يتأكد من نزاهتها وشفافيتها.

لكن الأمور تبدو ضبابيّة جداً على الجهة المعارضة. وذلك انطلاقاً من المعادلة التي باتت تقول إن الذين يملكون السيطرة على الأرض لا يجلسون على طاولة التفاوض خصوصاً من المسلحين الجهاديّين والتكفيريّين، بينما الذين يفاوضون ويتنافسون للذهاب إلى جنيف لا يملكون أي نفوذ فعلي على أرض المعارك وفي ميادين القتال.

ولأن الصورة هي على هذا القدر من السوء في الجهة المعارضة، تحاول جهات خارجيّة ملء الفراغ الحاصل على مستوى استعدادات المعارضين. ويبرز في هذا السياق خصوصاً دور وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، التي تقوم بسلسلة اتصالات مع كل المعنيّين لمحاولة بلورة تصوّر للتسوية المستقبليّة في سوريا. وتحاول الـ"كي دورسيه" الإيحاء بأنها تملك تفويضاً أميركياً وغربياً للبحث عن صيغة جديدة للدولة والنظام السوريّين. مصدر نيابي لبناني موثوق، يؤكّد لـ"المونيتور" أن باريس شهدت في الفترة الأخيرة سلسلة اجتماعات دوليّة في هذا الشأن، وأن المسؤولين المعنيّين في الخارجيّة الفرنسيّة قاموا باتصالات واسعة مع العديد من الدول الشرق أوسطيّة لبحث الموضوع. حتى أنهم تباحثوا في المسألة مع مسؤولين إيرانيّين. ويكشف المصدر النيابي نفسه لموقعنا أن الفرنسيّين يحاولون الانطلاق في بحثهم من النموذجَين المحاذيَين لسوريا: العراق ولبنان. فهم يطرحون على كلّ من يتحاورون معه حول المسألة سؤالاً محدداً: أيهما أفضل لسوريا، أن تذهب إلى فدراليّة جغرافيّة كاملة على طريقة نظام بغداد، أو أن تبلور نظاماً توافقياً يؤمّن شراكة طوائفيّة في السلطة من ضمن حكومة مركزيّة على طريقة تركيبة بيروت المعقّدة؟ ويشير المصدر النيابي اللبناني نفسه، إلى أن معظم ردود الفعل التي تلقاها الفرنسيون تلفت إلى أن النموذجَين المطروحَين لا يشكلان مثالاً يحتذى به، بدليل الدوامة العنفية القائمة في العراق والنظام المعطل في لبنان. غير أن المساعي الفرنسيّة ما زالت جارية وهي تحاول تقديم مسح أولي للخيارات الممكنة، ليكون جاهزاً لمرافقة عمليّة جنيف–2 في حال انطلاقها.

وهذا إذا لم ينته السباق بين السلاح والدبلوماسيّة إلى نتيجة أخرى يمكن أن تعدّل موعد 22 كانون الثاني/يناير 2014 أو أجندته. فالغوطة وجنيف مدينتان في بلدَين من قارتَين مختلفتَين، لكن العلاقة بينهما في السياسة باتت عضويّة سببيّة مباشرة.   

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syria, salafist gunmen, opposition, jihadists in syria, geneva ii, diplomacy, bashar al-assad

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept