نبض لبنان

لبنان: إعلان "حب" يشعل حرباً

p
بقلم
بإختصار
وسط كل الانشغالات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، يعيش لبنان منذ أيام حالة سجال محموم عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، تدخّل فيه سياسيّون ومسؤولون رسميّون عديدون، أما موضوعه فهو موقف أشهر مطربة لبنانيّة من الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله. طبعاً كل ما يتعلق بالسيّد نصرالله أو بحزب الله هو موضع ضجّة في لبنان اليوم. فالصراع بين مؤيّديه وبين معارضيه تحوّل عميقاً...

وسط كل الانشغالات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، يعيش لبنان منذ أيام حالة سجال محموم عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، تدخّل فيه سياسيّون ومسؤولون رسميّون عديدون، أما موضوعه فهو موقف أشهر مطربة لبنانيّة من الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله.

طبعاً كل ما يتعلق بالسيّد نصرالله أو بحزب الله هو موضع ضجّة في لبنان اليوم. فالصراع بين مؤيّديه وبين معارضيه تحوّل عميقاً حتى الجذور، ومعمماً حتى خارج لبنان. صار انقساماً شاملاً عامودياً وأفقياً، في كل شأن حياتي وفي كل مكان في الجغرافيا. لكن عناصر أخرى  تبدو ضروريّة  لفهم الضجّة التي أثارها قبل أيام تصريح حول موقف السيّدة فيروز – كما يسميها اللبنانيّون ومعظم العرب – من السيّد نصرالله.

بدأت القصة بمقابلة صحافيّة للفنان والموسيقي والمسرحي اللبناني زياد الرحباني، مع موقع "العهد" الإلكتروني في 17 كانون الأول/ديسمبر الجاري. فقد سئل المسرحي الشهير والناقد اللاذع والمؤيّد لمواقف حزب الله في الصراع مع إسرائيل: "هل تشاركك الوالدة (السيّدة فيروز) في تأييدك لمواقف السيّد نصر الله؟". أجاب "فيروز تحبّ السيّد حسن كثيراً، مع العلم أنها ستعتب عليّ كما المرّة الماضية عندما ظهرت في مقابلة تلفزيونيّة، وكشفتُ عن بعض الأمور الخاصة بها وقاطعتني حينها (مبتسماً)". هذه الكلمات القليلة كانت كافية لإثارة العاصفة. ففي اليومَين التاليَين امتلأت الحسابات الشخصيّة على مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات على كلام زياد، بين مؤيّد ومنتقد. وبلغت حدّ انشغال كلّ الناس بالموضوع. ما جعل السيّد حسن نصرالله نفسه، يشير إلى المسألة في خطاب له يوم الجمعة في 20 كانون الأول/ديسمبر الجاري ولو من دون تسمية الأشخاص المعنيّين بالأسماء. لكنه أشار مبتسماً إلى أنه يمكن لشخص "يختلف معك بالسياسة، مفكّر مثقّف فنان، ويحظى باحترام واسع، ربما قناعته تختلف عن قناعتك، في الموضوع السياسي يختلف معك، لكن بالعاطفة الشخصيّة ربما يحبّك، بسبب الشخصيّة، السلوك، التضحيات، إلخ... إذا قال أنا أحب فلاناً، تخرب الدنيا". بعد نصرالله، حتى رئيس المجلس النيابي نبيه بري تناول الموضوع الذي بات الشغل الشاغل لكل اللبنانيّين. لكن لماذا هذه الضجّة؟ لفهم خلفيات المسألة لا بدّ من الإضاءة على نقاط عدّة مرتبطة بها.

أوّلها أن المطربة فيروز هي أشهر مطربة لبنانيّة على الإطلاق. وهي رمز وطني كبير. حتى أن كثيرين من العرب يعتبرونها أيقونة قوميّة فريدة. لكن في مقابل تصنيفها هذا أو كأحد أسباب نسج هذه الصورة لها، فإن "السيّدة" لم تظهر في أي مقابلة صحافيّة أو إعلاميّة ولم تدلِ بأي حديث أو تصريح منذ عقود طويلة. حتى أن "الصمت المطلق" بات جزءاً من أسطورتها. ثم إن فيروز كانت الصوت الذي أوصل الأعمال الفنيّة للأخوين رحباني عاصي ومنصور، أي زوجها وشقيقه الراحلَين. وهما أوّل من صنع التراث الفني المرتبط بالهويّة القوميّة اللبنانيّة. في المقابل، ومنذ اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة سنة 1975، ظهر ابن عاصي وفيروز زياد الرحباني، كحالة فذّة في الفن والسياسة اللبنانيَّين. فهو أسّس لنفسه نمطاً مسرحياً سياسياً ملتزماً، عرف أكبر شهرة مسرحيّة شعبيّة. من جهة أخرى، بدا وكأنه منشقّ عن "بيئته المسيحيّة"، نتيجة انتسابه إلى الفكر الشيوعي ونضاله السياسي والفني في هذا الإطار. لكن في الأعوام الأخيرة الماضية، وبعد تفاهم الزعيم المسيحي الأكبر الجنرال ميشال عون مع السيّد نصرالله، صار الصراع شديداً على استقطاب الشارع المسيحي بين فريقَي الصراع، فريق الحريري من جهة وفريق حزب الله من جهة أخرى. والصراع نفسه تحوّل إلى شيء من العدائيّة الحاقدة، بعد اندلاع الحرب في سوريا وتورُّط كل من الفريقَين فيها وتبادلهما الاتهامات حولها. هكذا وسط هذا السباق المحموم على كسب ودّ الرأي العام المسيحي، جاء كلام زياد عن أن والدته فيروز تحب السيّد نصرالله، ليبدو وكأنه ترجيح لرأي على آخر، أو حسم لموقف طرف على حساب موقف طرف آخر، أو على أقلّ تقدير كأنه إضافة وزن كبير على كفّة فريق وضدّ كفّة الآخر. فأن تكون فيروز الآن مؤيّدة لموقف نصرالله، يعني أن الأداء السياسي للأمين العام لحزب الله يأتي في سياق الفكر الوطني لفنّ الأخوَين رحباني، وفي الخط نفسه للهويّة القوميّة التي عبّر عنها تراث هذَين الرجلَين.

يضاف إلى ذلك أن هذا الكلام جاء ليخالف تقليداً عريقاً لدى الفنانين اللبنانيّين بعدم الالتزام بأي موقف سياسي وبعدم تأييد أي شخصيّة سياسيّة أو حزب أو طرف. وذلك لأسباب مختلفة، أقلها مادي تجاري. ذلك أن السوق الفعليّة للفنانين اللبنانيّين هي فعلياً السوق العربيّة، خصوصاً الخليجيّة. وهو ما فرض عليهم تاريخياً ممالأة أمراء النفط والتزلف لسلطاتهم بغية تحقيق مصالحهم الفنيّة لديهم. حتى أنه ثمة ظاهرة معروفة تاريخياً في الوسط الفني اللبناني، مفادها أن كل فنان لبناني يحمل اسماً يدلّ على انتمائه المسيحي، يبادر إلى تغييره وتبني اسم فني لا دلالة دينيّة له أو حتى يحمل دلالة إسلاميّة، تسهيلاً لعمله الفني في السوق العربيّة وخصوصاً الخليجيّة. أما على صعيد لبنان، فيكتفي هؤلاء عادة بالتعبير عن بعض "المواقف الوطنيّة" العامة والسطحيّة في مناسبات محدّدة. وعلى سبيل المثال التغنّي بالجيش اللبناني أو إطراء بعض كبار المسؤولين في الدولة مثل رؤساء الجمهوريات. أما مشهد وقوف بعض الفنانين في صف حزب سياسي قبل انتخابات عامة أو ضمن حملة سياسيّة لطرف ما، كما نراه في الغرب، فهذا أمر محظور تلقائياً في لبنان وغير مألوف إطلاقاً.

كل تلك "التابوهات" كسرها زياد الرحباني في كلامه عن "السيّدة" و"السيّد". فقامت القيامة ولم تقعد بعد. علماً أن نتائج عدّة أظهرها أو أعاد تأكيدها كلام زياد. أولها أن الحقد السياسي في لبنان بات اليوم في ذروته. بحيث لم يعد يحتمل البلد أن يقال أن أحداً يحب آخر من خارج الاصطفافات العميقة القائمة. وثانيها أن الفن الملتزم أو محاولة جذب الفنانين اللبنانيّين إلى الشأن العام والالتزام بقضايا ناسهم ومجتمعهم وبلدهم، مسألة ما زالت مستحيلة في لبنان. ذلك أن "الزبون" الأغنى لهؤلاء، ما زال المال الخليجي لا أي "رسالة" وطنيّة أو فنيّة أخرى. وثالثهما أن "المعركة" لم تنته بعد. ذلك أن إطلالة تلفزيونيّة منتظرة لزياد الرحباني بعد أيام، ينتظر أن تشعل السجال مجدداً. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : sectarian politics, sectarian divide, lebanon, hezbollah, hassan nasrallah, fairouz, christians

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept