الأنبار... معركة الأرض

معركة الأنبار في جوهرها هي معركة للسيطرة على الأرض بين القوات العراقيّة وتنظيم "القاعدة"... لكنها لا تعني بالضرورة حسم الحرب مع "القاعدة". فهي حرب طويلة الأمد تحتاج إلى قوّة عسكريّة معتبرة لحسمها.

al-monitor .

المواضيع

jabhat al-nusra, iraq war, iraq, anbar province, al-qaeda

ديس 30, 2013

مع انطلاق العمليّة العسكريّة التي أعلنها رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي ضدّ عناصر تنظيم "القاعدة" بالقرب من الحدود السوريّة باسم "الثأر للقائد محمد" في 23 من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، تزايدت الآمال في العراق حول إمكانيّة القضاء على هذا التنظيم عبر عمليّة عسكريّة.

لكن واقع الحال هو أن معركة الأنبار تهدف من الناحية العسكريّة إلى السيطرة على الأرض مع نزوع تنظيم "القاعدة" للإمساك بالأرض والتشبّث بها والتأسيس لأرضيّة تغذّي نشاطاته على جانبَي الشريط الحدودي العراقي – السوري الممتدّ نحو 600 كيلومتر.

والعمليّة تبدو بحسب السياق العام للأحداث أنها ردّ فعل على مقتل عدد من كبار ضباط الجيش العراقي من بينهم اللواء محمد الروي قائد الفرقة السابعة، في كمين نصب لهم في صحراء وادي حوران بالقرب من بلدة الرطبة في أقصى غرب العراق في 21 كانون الأول/ديسمر الجاري.

والعمليّة العسكريّة التي شهدت ترحيباً شعبياً واسع النطاق خصوصاً في بغداد ومدن جنوب العراق في مقابل مخاوف من نتائجها وانعكاساتها في مدن الأنبار والموصل وصلاح الدين، لم يكن الإعلان عنها ردّ فعل كما يبدو في الظاهر. فثمّة اعتبارات عديدة فرضت إطلاقها في هذا التوقيت:

الأول: إن تسليح الجيش العراقي لم يكن قبل هذا الوقت ينسجم مع شنّ عمليات كبرى في مناطق صحراويّة شاسعة المساحة. لكن تسلّم الجيش في خلال الشهور الأخيرة مروحيات مقاتلة أميركيّة وروسيّة وأجهزة مراقبة ورصد ومعدات عبر صفقات تمّ إبرامها في أوقات سابقة، مكّنه من امتلاك قدرة جديدة على إسناد القوات البريّة. وكانت نشاطات القوة الجويّة العراقيّة في صحراء الأنبار قد سبقت العمليّة العسكريّة بأسابيع.

الثاني: إن طبيعة التطورات في الساحة الميدانيّة السوريّة تشير إلى تبلور واقع معيّن على الأرض، بعد تمكّن المجموعات المتشدّدة المرتبطة بتنظيم "القاعدة" مثل تنظيم "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش) و"جبهة النصرة" من الإمساك بالأرض على امتداد مناطق شمال شرق سوريا المحاذية للعراق. فقد منح هذا الوضع "داعش" فرصة لتغيير إستراتيجياتها في العراق لتنتقل من حرب عصابات وزرع خلايا نائمة في الأحياء واستخدام أسلوب التنظيم الشبحي لأفرادها، إلى التمركز على الأرض وبناء المعسكرات ذات البعد اللوجستي والتأسيس لملاذات متنقلة عبر الحدود خصوصاً في ظل الخدمات التي توفّرها الطبيعة والبيئة المنعزلتان في تلك المناطق.

الثالث: إن الترابط بين مجموعات "القاعدة" في العراق وسوريا مفصليّ، ليس على المستوى الجغرافي فقط بل أيضاً على مستوى الخطط العسكريّة. وكان من الصعب على التنظيم إدارة عملياته بإستراتيجيّتين مختلفتَين تماماً في البلدَين، فأصبحت الحدود العراقيّة - السوريّة منذ بداية الصراع في سوريا هدفاً إستراتيجياً مركزياً لتنظيم "القاعدة" أكثر أهميّة من دمشق وبغداد. فإلغاء الحدود عبر إلغاء السلطة الرسميّة في البلدَين عليها، يعني على المستوى الإستراتيجي التأسيس لفرضيّة "الدولة الجديدة" التي تمتدّ في بداياتها لتشمل المناطق السنيّة من العراق وصولاً إلى أكثر من نصف الأراضي السوريّة. وهي دولة تدعمها العوامل الديموغرافيّة والمذهبيّة، ويزيد من احتمالاتها تبلور نزعة لتشكيل إقليم السنّة لدى جماعات سياسيّة ودينيّة في تلك المناطق.

الرابع: إن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الساعي إلى ولاية حكوميّة جديدة، لن يتمكن من دخول الانتخابات البرلمانيّة المقرّرة في نهاية نيسان/أبريل المقبل من دون تحقيق إنجاز حقيقي على الأرض. والحال أن الإنجاز الأكبر الذي احتسب للمالكي طوال سنوات حكمه الثماني، كان إعادة فرض سلطة القانون عبر القوة العسكريّة بعد الحرب الأهليّة (2006 – 2008). والإنجاز الأمني سيكون جوهراً مثالياً لأي معركة انتخابيّة جديدة، وفض الاعتصامات السنيّة قد يكون من النتائج الجانبيّة التي تخدم هذا الاتجاه.

الخامس: إن الظروف الدوليّة خصوصاً بعد القراءات التي خلص إليها المالكي في خلال زيارته للولايات المتحدة وبعد التقارب الإيراني – الأميركي واقتراب عقد مؤتمر جنيف-2 حول سوريا، ستخلق بيئة دوليّة أكثر تعاطفاً مع الحكومة العراقيّة في حربها ضدّ "القاعدة".

وبصرف النظر عن النتائج الأمنيّة التي سوف تتمخّض عنها عمليات "الثأر للقائد محمد" التي أعلنت مبدئياً عن قتل مجموعات من تنظيم "داعش" وتدمير معسكرات ومخازن أسلحة، فثمّة محاذير ترتبط بالعمليّة وبأسلوب التعاطي معها:

1- إن العمليّة لا تعني نهاية الحرب مع "القاعدة" أو دحر التنظيم أو حتى توقّع تقليص نشاطه بشكل كبير في العراق. والترويج إعلامياً لهذا الاحتمال قد يكون في أحد أوجهه فرصة لاستعادة العلاقة المتوتّرة بين السكان والجيش العراقي والحكومة العراقيّة. لكن تلك الثقة يمكن أن تهتزّ لاحقاً في حال تم الاعتماد على أسلوب الحسم العسكري وحده للتعامل مع "القاعدة"، وتمكّن التنظيم من تغيير تكتيكاته والتكيّف مع العمليات الحربيّة.

2- إن مدّ أهداف العمليّة العسكريّة وربطها بفض الاعتصامات بتهمة إيواء إرهابيّين هو أمر بالغ الخطورة، خصوصاً في حال نجمت عن فضّ الاعتصامات أعمال عنف واضطرابات. والحلّ السياسي لمشكلة التظاهرات هو الطريق الأكثر أماناً لضمان نجاح العمليّة العسكريّة.

3- إن استثمار الحملة العسكريّة انتخابياً قد يكون أمراً مفروغاً منه. لكن ذلك يتطلب إدامة الجهد الأمني لإغلاق الحدود العراقيّة-السوريّة بشكل كامل، ما يضمن السيطرة على الأرض وحرمان تنظيم "القاعدة" من استعادة أي مساحة أو ثغرة تديم العلاقة بين طرفَي التنظيم في العراق وسوريا. وتحقيق مثل هذا الهدف ليس بالمهمة اليسيرة، بل هو في غاية الصعوبة ويجب الاعتراف بأنه يحتاج المزيد من الوقت والإمكانات.

إن معركة الأرض في الأنبار، قد تكون اليوم متاحة للقوات العراقيّة أكثر من أي وقت سابق. والإمساك بالأرض والتمسّك بها، بداية لحسم نصف المعركة فقط مع "القاعدة". أما النصف الآخر فهو يرتبط بتطوير الجهد الأمني والاستخباري والاجتماعي والسياسي والدبلوماسي أيضاً، لشنّ معركة اجتثاث للتنظيم وقطع مصادر تمويله ومحاصرة إمكانات تحرّكه ومنعه من بناء إستراتيجيات جديدة تديم أعمال العنف. وقبل ذلك، استعادة التوافق الاجتماعي الذي افتقده العراق طوال السنوات الماضية.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020