نبض فلسطين

غزة في السبعينات..تلقائية ومتحررة بعدسة محمد حسونة

p
بقلم
بإختصار
إن لم تعش في غزة زمن السبعينات فمن الصعب عليك أن تتخيلها وقتها، وعلى الرغم من أن الخيال الشيء الوحيد الذي لم تدجنه السياسة أو الدين، إلا أن الفارق فعلًا لا يمكن تصوره.. كانت النساء ترتدي ملابس جميلة زاهية الألوان تعبر عن موضة السبعينات، وعلى رؤوسهن أجمل التسريحات والقصات، يغنين ويضحكن، الهموم تبدو أقل، الفرحة أكبر، الرجال والنساء معاً في جميع الأماكن، الأغاني والموسيقى تصدح مع الضحكات....

إن لم تعش في غزة زمن السبعينات فمن الصعب عليك أن تتخيلها وقتها، وعلى الرغم من أن الخيال الشيء الوحيد الذي لم تدجنه السياسة أو الدين، إلا أن الفارق فعلًا لا يمكن تصوره..

كانت النساء ترتدي ملابس جميلة زاهية الألوان تعبر عن موضة السبعينات، وعلى رؤوسهن أجمل التسريحات والقصات، يغنين ويضحكن، الهموم تبدو أقل، الفرحة أكبر، الرجال والنساء معاً في جميع الأماكن، الأغاني والموسيقى تصدح مع الضحكات.

هكذا تبدو غزة في السبعينات، على بَكرات السينما القديمة للمصور محمد حسونة، الذي زارته مراسلة المونيتور في منزله بالقرب من بحر غزة، في غرفته القديمة ذاتها التي كان يعرض فيها عبر آلة العرض السينمائي القديمة لأهالي قطاع غزة حفلاتهم، وفي ذات الغرفة أعاد بصعوبة تشغيل الآلة التي لم تعمل منذ 35 عاما، لأفراح وحفلات غزة وقتها.

يقول محمد حسونة" التصوير يمثل لي كل شيء، كانت حياتنا تدور حول الكاميرات، اشتريت كل انواع الكاميرات في حياتي، وكنت معروفاً باسم المصور حسونة".

ابناه يحيى ويوسف ساعداه على تشغيل بَكرات العرض، وبعد عدة محاولات نجحوا في عرض حفل زفاف في السبعينات لإحدى العائلات.

حين ترى العرض تشعر أنك ترى فيلما إيطالياً لبازوليني قادما من الوجوه والألوان الكالحة في القرى البعيدة الهادئة.

تبدو الشوارع ترابية، بينها تشق سيارة مرسيدس بيضاء اللون طريقها، وكانت فرحة الأهل وحفل الزفاف المختلط، والكراسي المصفوفة في مكان مفتوح تشي بغزة مختلفة، هناك تلقائية بلا تحفظات تشعر أنها غائبة الآن.

يقول حسونة "في السبعينات كانت كثير من العائلات تطلب مني أن أصور لها أفراحها، سواء كانت غنية أو فقيرة، وكانت طريقة العرض الوحيدة على هذه الآلة حيث يأتي أهل العروس والعريس ليشاهدوا فيلمهم هنا".

ويقول عن رحلته المهنية أنه أول ما تعلم كان تصوير الزنكوغراف Zincography في الطباعة قبل عام 1967 في جريدة الجمهورية بمصر، ومن ثم رجع إلى غزة وعمل في الزنكوغراف في جريدة أخبار فلسطين، موضحاً أنه بعدها ذهب إلى تل أبيب وتعلم التصوير السينمائي حيث كان يعمل نهارا كمصور زنكوغراف وليلا يصور الحفلات ويعمل في الاستديوهات، مضيفاً " في ذلك الوقت اشتريت كاميرا سينما مقاس 8 ملم، وادخلتها غزة وبدأت أصور حفلات الزفاف".

يقول ابنه الكبير يحيى (39عاما) "تعلمت التصوير منذ كنت في السابعة، أذكر أن أبي كان يأتي لنا بأفلام ميكي ماوس على هذه البكرات وكنت أجلس مع اخي وشقيقاتي الاربعة نشاهد أحدث أفلام الكرتون على هذا الجدار، ولم يكن يشاركنا أحد، إنها ذكريات مليئة بالصور والبهجة".

نجح يحيى في اعادة لف بَكرة العرض حيث كان شريط النيجاتف مقلوباً، وعرض بَكرة أخرى لحفل عيد ميلاد يعود إلى عام 1978، وكانت الحفلة تزخر بأنواع كثيرة من الحلويات، والرجال يرتدون البدل الرسمية، والنساء يغنين الأغاني القديمة وبعضها مصري مثل أغنية "يا أولاد الحلال شارد مني غزال".

يحيى يشير إلى نفسه في الفيديو حين كان وقتها ابن الرابعة، تضحك والدته قائلة "الآن يقولون أعياد الميلاد حرام، ولا يحتفل بها سوى عدد قليل من الناس."

يقول حسونة "معظم الأشخاص في هذا التصوير منهم من مات و منهم من اصبح عجوزا"، مؤكدا انه من الصعب عليه كثيرا أن ينسى وجها صوره من قبل، ذاكراً اسماء العائلات التي صور حفلات زفافها، والآن صار لديهم أحفادًا.

طلب حسونة من ابنه الآخر يوسف ان يجلب الكاميرات القديمة من مخبئها، وسرعان ما تجمعت حولنا: كاميرا فيديو ضخمة من ماركة HITACHI، كان يحملها على كتفه في حفلات الزفاف الاسرائيلية والفلسطينية، وكاميرات أخرى تبدو قطع أثرية حقيقية مثل كاميرا ROLLEIFLEX، متابعاً "كنت أصور حفلات زفاف إسرائيليين ونادرا ما كان يعرف أهل الحفل انني فلسطيني، بسبب اتقاني للغة العبرية واعجابهم بموهبتي في التصوير" .

وكان حسونة في 1982 أول من أدخل الفيديو إلى قطاع غزة، حيث بدأ الناس يتهافتون عليه، فكان في البداية يخيّرهم ما بين تصوير حفلاتهم بالفيديو ام بالسينما وكان يسألونه عن المميزات ولكن سرعان ما أصبحت الحظوة لتصوير الفيديو قائلا للمونتيور" في بعض أحيان كان يكتمل الحجز لمدة أربعة شهور متتالية ولا يوجد متسع فقد صورت في حياتي آلاف الأفراح".

ويصف طقوس حفلات الزفاف الحالية بقوله أن الوقوف الآن عند باب صالة الحفل معناه تلصص على النساء، وفي غالب الوقت يطلبون فتاة مُصورة كي تصور الحفل، بعد أن يفصلوا الرجال في مكان والنساء في مكان آخر، مضيفاً "انتشرت عادات غريبة لم نعهدها، فقد كان هناك انفتاح في الماضي وكان الصدق أكبر"

ويلفت إلى أن المصور في الوقت الحالي يعتمد على تقنيات واجهزة رقمية وبرامج كمبيوتر، فما عاد يضبط معيار الصور ومعيار اللون ومعيار الحركة واللقطة بيديه، فبالتالي فاته الكثير من روح الفنان.

إلى جانب الكاميرات توزعت حولنا مئات الصور الفوتوغرافية تحبس لحظات الفرح والضحك من حفلات زفاف اسرائيلية وفلسطينية ، فبقت فيها حيوات الرجال والنساء تطل من وراء الابيض والاسود

في عام 1997 فتح حسونة شركة أريحا للإنتاج الفني وأنتج مسلسلات وأفلام فلسطينية كفيلم "الاسعاف"، ولكن شهرته لم تستمر كثيرا فسرعان ما اعتقله جهاز المخابرات التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية في عام2000، وصادر منه ثلاثة كاميرات ثمينة، لم يستردها. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يسطو فيها جهاز مخابرات على أفلامه وأغراضه، ففي الثمانينات هاجمت المخابرات الاسرائيلية منزله وصادرت عشرات البَكرات السينمائية التي صور بها  قطاع غزة والمخيمات في الستينات.

يبكي حسونة وكأنه فقد ولدا ويقول " هناك أشياء لا يمكن ان يسترجعها الانسان مهما طال عمره، وقتها كانت منظمات عالمية طلبت مني تصوير القطاع من الشمال حتى الجنوب وكنت أحتفظ بها في أرشيفي للذكرى قبل أن يصادرها الاحتلال، كانت بلادنا أجمل مما توقعين".

وقبل أن تنقطع بكرة العرض الأخيرة، كانت قد أظهرت صورا متحركة لمدينة غزة في السبعينات بشوارعها التي كانت تمتلأ بالأشجار، ونادرا ما ترى فيها مباني اسمنتية كبيرة كالتي تزحف اليوم على الأراضي الخضراء.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestine, gaza strip, film, culture, cinema

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept