الوعـد الضائع للعلاقات التركيّة-المصريّة

منذ أيام، طلبت وزارة الخارجيّة المصريّة من السفير التركي في القاهرة مغادرة البلاد وقرّرت خفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدَين، وأعادت سفير مصر في تركيا إلى بلاده. وأعلنت الوزارة في بيان صادر عنها أن الخطوة جاءت نتيجة لما أسمته "التدخّل‘ التركي المستمرّ في الشؤون الداخليّة المصريّة". ومنذ عزل [الرئيس المصري محمد] مرسي، يوجّه الإعلام المصري انتقادات حادّة لتركيا ويشجب محاولات حكومتها...

al-monitor .

المواضيع

turkish foreign policy, turkish-egyptian relations, recep tayyip erdogan, muslim brotherhood, mohammed morsi, ahmet davutoglu

نوف 24, 2013

منذ أيام، طلبت وزارة الخارجيّة المصريّة من السفير التركي في القاهرة مغادرة البلاد وقرّرت خفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدَين، وأعادت سفير مصر في تركيا إلى بلاده. وأعلنت الوزارة في بيان صادر عنها أن الخطوة جاءت نتيجة لما أسمته "التدخّل‘ التركي المستمرّ في الشؤون الداخليّة المصريّة". ومنذ عزل [الرئيس المصري محمد] مرسي، يوجّه الإعلام المصري انتقادات حادّة لتركيا ويشجب محاولات حكومتها لتعبئة الساحة الدولية ضدّ مصر، كما رأت وسائل الإعلام المصريّة أن تركيا تحتضن اجتماعات "الإخوان المسلمين"، التي يأتي على رأس جدول أعمالها خطط مناوئة تهدف إلى تقويض الحكومة المؤقتة وتخريب خريطة الطريق.

هل يُعيد التاريخ نفسه؟ بعد ثورة 1952 (الانقلاب الذي قاده الضباط الأحرار)، قامت حكومة الثورة في مصر بالأمر نفسه. ورداً على قرار طرد السفير التركي، قال الرئيس التركي عبدالله غول في تصريح إعلامي "أتمنى أن تعود علاقتنا مرّة أخرى إلى مسارها"، في ما يؤشّر ربما إلى وجود خلاف بينه وبين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

نظرية العمق الاستراتيجي

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ؟ قبل نحو عام فقط، بدت العلاقات المصريّة-التركيّة محمَّلة بالكثير من الطموحات والوعود. كان عدد كبير من المصريّين والعرب معجبين بأردوغان ويأملون في أن يساهم التعاون بين مصر (وبلدان عربيّة أخرى) من جهة وتركيا من جهة أخرى، في تحقيق التنمية الإقليميّة وتحسين الأمن والاستقرار. حتى الليبراليّين راقبوا بإعجاب النمو الاقتصادي المطّرد الذي شهدته تركيا، وشعروا بالارتياح للقيم الإسلاميّة "المعتدلة" التي ظنوا أن أردوغان يجسّدها. وعندما شعرت تركيا بالمرارة من جراء تأخير وتعويق طلبها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بدا منطقياً أن تُحوِّل أنظارها نحو أصدقائها القدامى في الشرق الأوسط.

في البداية، رسمت حكومة "حزب العدالة والتنمية" في تركيا مساراً في السياسة الخارجيّة مختلفاً جداً عن المسارات التي طبّقتها الحكومات السابقة، وذلك في مجالَين اثنَين. الأول هو إعلان وزير الخارجيّة التركيّة أحمد داود أوغلو أن الركيزة الأساسيّة في عقيدته في السياسة الخارجيّة هي "صفر مشاكل" مع جيران تركيا. بموجب هذه السياسة، تمتنع تركيا عن التسبّب بنزاعات مع جيرانها، وتعمد بدلاً من ذلك إلى الانخراط بفاعليّة معهم لتسوية المشاكل القائمة. أما الاختلاف الثاني فهو الرأي الذي لطالما عبّر عنه داود أوغلو قائلاً بأن روابط تاريخيّة وثقافيّة وجغرافيّة واسعة تجمع بين بلدان المنطقة التي تمتدّ من البلقان إلى الشرق الأوسط، وهو ما يستوجب تعاوناً إقليمياً لن يساهم فقط في تسهيل النمو الاقتصادي الذي يشكّل حاجة ماسّة ويعود بالفائدة على جميع بلدان المنطقة، بل من شأنه أن يؤمّن أيضاً حلولاً للمشاكل التي تعاني منها المنطقة منذ فترة طويلة، مثل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني والتسليح النووي الإيراني والسلطويّة المزمنة. وقد عبّر داود أوغلو عن هذه الرؤية في عمله الأكاديمي واضعاً إياها في إطار ما أسماه "العمق الاستراتيجي"، وذلك قبل وقت طويل من تسلّمه مسئولية وزارة الخارجيّة التركيّة. وقد أعلن مراراً وتكراراً أنه يرغب في رؤية تعاونٍ إقليمي يتيح لمواطني دول المنطقة السفر من البوسنة وإلى السودان من دون جواز سفر. وفي حين حافظت الدبلوماسيّة التركيّة التقليديّة دائماً على مسافة بينها وبين الشرق الأوسط، وصوّبت أنظارها بدلاً من ذلك وبصورة حصريّة نحو أوروبا والغرب، فإن التوجّه الإسلامي لحكومة "حزب العدالة والتنمية" أتاح لها أن تكون أكثر ارتياحاً في تطوير علاقاتها في داخل الشرق الأوسط وبناء روابط قوية مع بلدان محوريّة مثل مصر وسوريا وتونس. وبينما تُعد مصر مركز إشعاع حضاري وثقافي في العالمَين العربي والإسلامي، فإن تركيا تتمتع بنفوذ سياسي ونمو اقتصادي فضلاً عن روابطها مع أوروبا والغرب، فبناء أواصر الشراكة بين البلدين المحوريين  كانت ستولّد بلا شكّ نموذجاً قيادياً وتصنع كتلة حرجة يمكن أن تجذب العديد من الدول الأخرى في المنطقة لتحذو حذو الدولتين فتنضم لشبكة التعاون الإقليمي، بما يُتيح تحويل حلم داود أوغلو إلى واقع ملموس.

في العام 2011 بعد بضعة أشهر على اندلاع الثورة فيها، زار أردوجان مصر، حيث أستقبل "كنجم" له شعبية كبيرة. إلا أن زيارته حملت بعض الإشارات المتفاوتة. فمن جهة، اغتبط الليبراليّون بالنصيحة التي وجهّها علناً إلى "الإخوان المسلمين" داعياً إياهم إلى تبنّي شكل علماني من أشكال الحكم والدستور، والتي سارع الإخوان إلى رفضها واصفن إياها بأنها تدخّل غير مقبول في شؤونهم. ومن جهة أخرى، جاءت معظم لقاءات إردوغان الرئيسية مع الإسلاميّين وبشكل أساسي مع "الإخوان المسلمين" تحديداً، الأمر الذي أثار قلق الفصائل السياسيّة الأخرى. لكن رغم كل شيء، اعتبر عدد كبير من الليبراليّين أن أردوغان قد يكون الشخص المناسب الذي من شأنه أن يقود "الإخوان المسلمين" نحو مستقبل يتسم بالاعتدال.

صفر أعداء أم صفر أصدقاء؟

مع انتقال الربيع العربي من تونس إلى بلدان عربيّة أخرى وفيما بدأت الأنظمة السلطويّة تتهاوى، رأى كثرٌ في التجربة التركيّة في ظل حكومة "حزب العدالة والتنمية" نموذجاً يمكن أن تقتدي به الأحزاب الإسلاميّة التي تحظى بالدعم الشعبي والتي قد تحلّ مكان الأنظمة القديمة. فقد أبدت حكومة "حزب العدالة والتنمية" التركية - الآتية من خلفيّة إسلاميةّ - قبولاً للإطار العلماني على الأقل ظاهرياً، وأثبتت أنه بإمكان الأحزاب الإسلاميّة أن تشارك في نظام برلماني، وليس هذا فحسب، بل يمكنها أيضاً أن تحكم بفاعليّة وكفاءة. لكن مع التغيرات التي جاءت بها رياح الربيع العربي، صعدت قوى اجتماعية وسياسية جديدة، وبدأت الأحزاب الإسلامية تفقد هيمنتها على الشارع السياسي، وجاء رد الفعل التركي منحازاً للانتماءات الأيديولوجية "لحزب العدالة والتنمية"، وفقد السياسة الخارجية لتركيا توجّهها البراغماتي، فتراجع إلى حد كبير التأثير التركي في المنطقة.

لقد سارعت حكومة "حزب العدالة والتنمية"، إلى إدانة القمع الهمجي الذي مارسه النظام السوري بحقّ المتظاهرين، وهي محقة في ذلك، وطالبت بتغيير النظام. ومع تحوّل الاحتجاجات سريعاً إلى حرب أهليّة استنزافيّة، انتهجت حكومة "حزب العدالة والتنمية" أسلوباً متشدّداً ضدّ نظام [الرئيس السوري بشار] الأسد، وأوصدت كل الأبواب أمام الخيارات السياسيّة باستثناء خيار أوحد هو تغيير النظام تغييراً كاملاً. وولّد التحالف التركي مع السعوديّة وقطر والكويت حول الملف السوري انطباعاً بأن غرضه الحقيقي هو صنع حزام سني يطوق إيران، ويعطل تنامي النفوذ الشيعيّ في العراق وسوريا ولبنان.

في أيار/مايو 2013، اندلعت احتجاجات شعبيّة ضدّ حكومة "حزب العدالة والتنمية" في اسطنبول وسواها من المدن. صحيح أن التظاهرات بدأت على خلفيّة الاعتراض على مشروع تطوير للمدينة كانت قد اقترحته حكومة "حزب العدالة والتنمية"، إلا أن الشرارة الحقيقيّة كانت التململ المتعاظم من حكم رجب طيب أردوغان والذي بدأ يغالي في فرض طابعه المحافظ بصورة متسلطة. وقد لجأت حكومة "حزب العدالة والتنمية" إلى القوّة المفرطة لقمع الاحتجاجات. وعلى الرغم من أنها مسألة داخليّة، إلا أن التشدّد في التعامل مع الاحتجاجات ألحق أضراراً كبيرة بسمعة الحزب الديمقراطيّة. أخيراً، اختار "حزب العدالة والتنمية" الوقوف إلى جانب "الإخوان المسلمين" عندما تدخّل الجيش المصري لعزل مرسي من الرئاسة. وقد برّر الحزب ردّ فعله القوي على التدخّل العسكري بالتشديد على أن مثل هذا التدخّل ضدّ حكومة أتت عبر انتخابات نزيهة يشكّل انتهاكاً غير مقبول للحكم الديمقراطي. لسوء الحظ، اختار "حزب العدالة والتنمية" ورجب طيب أردوغان تجاهل التظاهرات الحاشدة التي استمرّت لفترة طويلة احتجاجاً على حكم مرسي وإمعان الإخوان في التلاعب بالعمليّة الديمقراطيّة واختزالها في صناديق الانتخاب. لقد أدّى هذا الموقف المتحيّز إلى تراجع شرعيّة حكومة "حزب العدالة والتنمية" في نظر ملايين المصريّين الذين أرادوا وضع حدّ لحكم الإخوان، كما أنها جرّدت الحزب من أي تأثير كان يمكن أن يمارسه خلال المرحلة الانتقاليّة في مصر. وبدلاً من أن يقود أردوغان "الإخوان المسلمين" نحو رؤية تقدميّة للمستقبل، بدا أن التنظيم القديم يجرّه مع حزبه نحو ماض ظلامي محافظ. نتيجةً لذلك، تعثّرت العلاقات الدبلوماسيّة ما بين تركيا ومصر منذ أشهر، حتى قبل قيام مصر بطرد السفير التركي وسحب سفيرها من أنقرة. وهكذا تم إجهاض العلاقة التي كانت واعدة بين هاتين القوتَين الإقليميّتَين البارزتَين، بطريقة فجائيّة وسابقة لأوانها.

ماذا يخبّئ المستقبل؟

الرؤية الأوليّة التي وضعها "حزب العدالة والتنمية" بهدف تحقيق التعاون الإقليمي بالاستناد إلى الروابط التاريخيّة والثقافيّة والجغرافيّة التي تجمع بين شعوب المنطقة، تلقّت ضربة قويّة بسبب الانعطافة الأيديولوجيّة التي قام بها "حزب العدالة والتنمية" بعد انطلاقة الربيع العربي. ما زالت فكرة التعاون الإقليمي تحمل آفاقاً كبيرة بالنسبة إلى الازدهار والاستقرار في المنطقة. لطالما اشتكت بلدان الشرق الأوسط من تدخّل القوى العالميّة في شؤونها الداخليّة، ولها مبرّراتها الوجيهة في هذا الإطار. فقد أتاح الصراع على الموارد مثل النفط علاوة على النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني للأطراف الخارجيّة أن تحشر أنفها في الشؤون الداخليّة لبلدان المنطقة. من غير الواقعي أن نتوقّع من الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أن تهتم باكتساب نفوذ وتأثير يمكنهما من تأدية دور ما في الشرق الأوسط. إلا أنه يتعيّن على بلدان المنطقة أن تدير شؤونها بنفسها وتبني قوتها ونفوذها. والتعاون الإقليمي هو من الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك، أسوةً ببلدان أميركا اللاتينيّة في الأعوام الأخيرة. لكن يجب أن يتطوّر هذا التعاون الإقليمي بعيداً من الانتماءات الإثنيّة والدينيّة والمذهبيّة، من أجل استيعاب أوجه التنوّع الهائلة التي تتّسم بها المنطقة. إذا لم يتحقّق ذلك قريباً، فسوف تستمرّ السلطويّة والنزاعات الداخلية والتدمير الذاتي في عرقلة جهود التنمية والتسبّب بمزيد من الآلام والمعاناة لشعوب الشرق الأوسط.

الدكتور فيزي بابان أستاذ مساعد في الدراسات السياسيّة والتنمية الدوليّة في جامعة ترنت. حائز على دكتوراه من كلية العلوم السياسيّة في جامعة كارلتون. متخصّص في السياسة العالميّة والمقارَنة مع تركيز على نظريّة العولمة والنظريات النقديّة للعلاقات الدوليّة. وهو أيضاً متخصّص في شؤون الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي. يعمل حالياً على مشروع بحثي يتقصّى من خلاله تأثير عضويّة تركيا في تعريف الهويّة الأوروبيّة وتداعيات ذلك على مشروع الاتحاد الأوروبي.

وائل نوارة كاتب عمود خاص في نبض مصر على موقع "المونيتور" وهو كاتب وناشط مصري. شارك في تأسيس "حزب الدستور" و"الجمعيّة الوطنيّة للتغيير" و"حزب الغد". كان سابقاً رئيس "التحالف العربي للحريّة والديمقراطيّة"، وزميلاً زائراً في معهد السياسة في كلية كينيدي للحكم في جامعة هارفرد. عنوانه على تويتر: @WaelNawara

بودكاست

فيديو