نبض العراق

المصالحة مع المستقبل.. في العراق

p
بقلم
بإختصار
لا يمكن للعراقيّين التصالح مع مستقبلهم قبل الخروج من أزمتهم مع الماضي عبر جردة حساب عادلة ونهائيّة.

كيف يمكن فهم المستقبل العراقي؟ فالغد يرتبط في ذاكرة العراقيّين بما هو أسوأ من الحاضر. حتى أن الأمثلة العراقيّة كثيراً ما تصوّر المستقبل باعتباره مظلماً وشديد الوعورة، ولا يتوانى المثقّفون في تكريس هذه النظرة عندما يقدّسون الماضي ويحيلونه على صور مثاليّة لكن انتقائيّة.

للمسألة أبعاد نفسيّة وتاريخيّة وفلسفيّة، وهي بالتأكيد ترتبط بوقائع عراقيّة كانت تشير على الدوام إلى انخفاض مؤشّر توقّعات العراقي من المستقبل.

النظرة إلى الماضي وإلى المستقبل ترتبط بالتأكيد بالحاضر. فما يعيشه العراقيّون من أزمات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تبرّر تلك النزعة العاطفيّة التي ترتبط بالماضي حيث متطلبات الحياة أقلّ تعقيداً، وهي تبرّر بالضرورة تلك النظرة السوداويّة إلى المستقبل ولا ينبئ الحاضر بعكس ذلك.

تلك المقدّمة ضروريّة للحديث عن معطيَين أساسيَّين يتعلقان بالوضع السياسي العراقي الحالي:

الأوّل: أن الوسط السياسي العراقي تسوده النظرة السوداويّة نفسها التي تسود الشارع. فلا يتردّد كبار السياسيّين في القول إن "العراق يتّجه من سيء إلى أسوأ".

الثاني: أن ازدواجيّة عاطفيّة وسياسيّة ما زالت تربك النظرة إلى الماضي، وهي تحول بقوّة دون تجاوز عنق الزجاجة العراقي وتمنع تدفّق الآمال في ما خصّ نهوض البلاد مرّة أخرى.في ما يتعلّق بالشق الأول، فإن حالة الإحباط الشعبيّة والسياسيّة العامة مبرّرة بالفشل السياسي والاقتصادي والإداري الذي أنتج أنظمة وآليات حكم غير رصينة والذي قاد إلى ارتباك عام على مستوى إدارة الدولة واستثمار ثرواتها، كما أنه أنتج صراعاً اجتماعياً حاداً وانهياراً أمنياً خطيراً.

وهذا الإحباط العام يرتبط أيضاً بمستوى التوقّعات الذي كان مرتفعاً وطموحاً في يوم التاسع من نيسان/أبريل 2003، لحظة إسقاط النظام العراقي السابق رسمياً وبداية حقبة جديدة.

أخطأ العديد من السياسيّين بالتأكيد على رفع سقف آمالهم بنهوض عراقي سريع بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق، وأخطأ مثقّفون في رصد التحرّكات الاجتماعيّة بمعزل عن الماضي وعلى طريقة، "كلّ شيء سيعود كما كان".

في الحقيقة، لا شيء سيعود كما كان. ولذلك تحديداً، يجب النظر إلى المعطى الثاني باعتباره جوهرياً في فهم حالة الإحباط العراقيّة.

"كيف نتصرّف مع الماضي؟" هذا سؤال لم يجب عنه أحد. والماضي هنا مقصود فيه تركة نظام (الرئيس العراقي الراحل) صدّام حسين وحزب البعث. ولأن الجميع لحظة 2003 كانوا حائرين في توصيف أسلوب التصرّف مع الماضي، أقدم الحاكم المدني الأميركي السابق بول بريمر على سلسلة قراراته الشهيرة التي كان مبرّرها تصفية تركة صدّام حسين عبر حلّ الجيش وأجهزة الأمن ومؤسّسات الإعلام وإطلاق حملة "اجتثاث البعثيّين السابقين".

لا يمكن تقييم تلك الخطوة بشكّ عقلاني ومستقلّ قبل سنوات عدّة، خصوصاً أن مجموعة الأحزاب السياسيّة التي شكّلت باكورة "العمليّة السياسيّة العراقيّة" لم تبادر إلى اقتراح خريطة طريق بديلة أقلّ تكلفة.

ما يهمّ اليوم هو استعادة قدرة العراقيّين على التصالح مع المستقبل، عبر تسوية أقلّ عنفاً وأكثر موضوعيّة وإنسانيّة لمخلفات الماضي.

إن وجود عشرات آلاف البعثيّين السابقين كمتّهمين إلى ما لا نهاية، ليس حلاً منطقياً لمشكلة الدولة. والحال نفسه يشمل رجال الجيش والأجهزة الأمنيّة السابقة. فبعد عشرة أعوام من القرارات التي تتعلق باجتثاث البعثيّين وإبعاد ضباط الجيش، لا يُعقَل أن الدولة العراقيّة لم تتوصّل بعد إلى فرز من كانت أيديهم ملطّخة بدماء العراقيّين لمعاقبتهم وإبعادهم، وإلى فرز هؤلاء الذين لم تتلطّخ أيديهم بالدماء وكانوا كملايين العراقيّين مجبرين على الانضمام إلى حزب البعث، فتعيد دمجهم في المجتمع كمواطنين طبيعيّين كاملي الأهليّة لا يتعرّضون للتهديد أو الابتزاز.

الأزمة الأساسيّة حول الماضي تكمن في أن القوانين التي كان يفترض أن تكون أداة عادلة لتجاوز المرحلة الانتقاليّة، أصبحت صخرة كبيرة تعرقل تجاوز هذه المرحلة. ولم تكن لتصبح كذلك لولا أن تلك القوانين أسيء استخدامها، فتسبّبت في كثير من الحالات بالظلم بدلاً من أن تحقّق العدالة.

لا تنتقل الشعوب إلى مستقبلها وهي محمّلة بعقد الماضي. لا يمكنها فعل ذلك من دون خطوات شجاعة تستند إلى منطق الحقيقة والعدالة، لا المساومة والاستثمار السياسي.

العراق بأمسّ الحاجة الى التصالح مع مستقبله وبأمسّ الحاجة الى رؤية المزيد من الأضواء في نهاية نفقه المظلم. لكنه قبل ذلك بحاجة إلى تسوية عادلة وجريئة لكشف حسابات الماضي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : de-baathification, saddam hussein, iraqi security situation, iraqi domestic politics, iraqi corruption, iraqi central government
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept