نبض مصر

حكاية قائدَين عسكريَّين في مصر

p
بقلم
بإختصار
لا يمكن للتباين ما بين رئيس الأركان السابق سامي عنان وزير الدفاع الحالي عبد الفتاح السيسي، أن يكون أكثر وضوحاً مما هو عليه.

في أمّة تُتّهَم بحبّها الأعمى لجيشها، يشكّل رئيس الأركان السابق للقوات المسلّحة المصريّة سامي عنان مثالاً حيّا على أنّ الشعب المصريّ لا ينجذب إلى قادة الجيش جميعهم.

فمذ نشرت صفحة "الحملة الشعبيّة لترشيح "الفريق سامي عنان لرئاسة الجمهوريّة" على موقع "فيسبوك" صور لعنان بلباس مدنيّ، اجتاحت موجة غير مسبوقة من السخريّة وسائل التواصل الاجتماعيّ وراح المصريّون يتبادلون عدداً كبيراً من صور عنان المعدّلة بطريقة فكاهيّة. وقد سخر مصريّون كثيرون بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسيّة، من الرجل الذي كان في ما مضى عضواً نافذاً في المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة المصريّة. ويأتي هذا الاستهزاء بعنان مناقضاً تماماً لـ"حمّى السيسي" المستمرّة. فقد بلغ الافتتان الشعبيّ بوزير الدفاع عبد الفتّاح السيسي مستويات لا سابق لها. بالإضافة إلى القمصان والملصقات التي تحمل صورة السيسي، انتشرت في مصر ألواح شوكولاتة ومجوهرات وسندويشات وحتّى زيت للطهو تحمل اسمه.

لماذا تختلف مشاعر المصريّين تجاه قائدَي الجيش هذَين؟ يكمن الجواب في شخصيّة كلّ واحد من القائدين وفي السياق الذي يتعاملان فيه مع الشعب.

الضبابيّة مقابل الوضوح

سامي عنان ليس معروفاً جداً من قبل المصريّين، وهذا جزء كبير من المشكلة. في الواقع، هذه هي حال غالبيّة قادة الجيش في عهد [الرئيس المخلوع حسني] مبارك، لأنّه لم يكن مطلوباً من أعضاء القوّات المسلّحة مخاطبة الشعب مباشرة. لكن بعد خلع مبارك وتولّي المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة الحكم بصورة انتقاليّة لمدّة 17 شهراً، امتنع كبار القادة في المجلس كالمشير محمد حسين طنطاوي والفريق سامي عنان عن مواجهة المصريّين الغاضبين الذين ثاروا ضدّ مبارك في كانون الثاني/يناير 2011. فكان متحدّث باسم الجيش يتلو كلّ البيانات الصادرة عن المجلس، ما دفع الشعب إلى التساؤل عن نوايا المجلس الحقيقيّة. في الواقع، كانت رغبة القادة في تفادي التواصل المباشر مع الشعب مبرّرة في ذلك الوقت، لكنّها أساءت إلى صورتهم في نظر المصريّين. لا بأس في أن يفضّل رجل عسكريّ تفادي الشعب في خلال مرحلة سياسيّة حاسمة إذا كان هدفه أن يستقيل بهدوء، لكن ليس إذا كان يعتزم الترشّح للانتخابات. وبالتالي، يُعتبر ترشّح عنان للرئاسة قراراً عاجلاً، لا خطوة جدّية تمّ التخطيط لها بتأنّ.

بالإضافة إلى ذلك، سيأتي حكم المصريّين الآن على عنان قاسياً مقارنة بقائد الجيش الجديد، عبد الفتّاح السيسي. فخلافاً للقادة الآخرين في المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، قرّر السيسي أن يقف تحت الأضواء وأن يواجه الشعب بقرارات صارمة ولكن واضحة جداً. كان قراره مجازفة كبيرة، لكنّه أعطى ثماره. فقد حقّق السيسي النجاح بفضل حبّ الشعب المصريّ له. في خلال الاحتفالات بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر (1973)، ألقى الفريق أوّل السيسي خطاباً غير معلن وقصيراً ولكنّ موجز.. كان معسول اللسان ومتفهّماً وواضحاً في كلامه. أثار سلوكه انتقادات كثيرة في صفوف معارضيه، لكنّه لقي ترحيب الكثير من المصريّين. فقد قرّر مثلاً أن يدعو امرأة مسنّة صفعها أحد مؤيّدي [الرئيس المعزول محمد] مرسي على وجهها يوم محاكمة الأخير، كي يكرّمها ويطلب منها أن تعتبره كابنها. كذلك تبرّع بعلاج الصحافيّ سعد هجرس والكاتب صبري موسى اللذَين يعانيان من مرض السرطان. قد تبدو تصرّفاته مخادعة للمراقبين، لكنّها حظيت باحترام الشعب.

الخضوع مقابل القيادة

إلى مبارك: لا يخفى على أحد أنّ عنان كان يُعتبر "محسوباً على مرسي". وعنان وهو قائد للجيش متمسّك بالتقاليد ولا يتكلّم الإنكليزيّة بطلاقة، كان قد تابع دراسته في روسيا وفرنسا. وعلى الرغم من ثقافته الروسيّة، إلا أنه سار على نهج مبارك المؤيّد للولايات المتّحدة الأميركيّة. ويُزعم أنّ الأميركيّين كانوا يأخذون حذرهم منه، لكنّه أصبح لاحقاً من المفضّلين لدى الجيش الأميركيّ. قد تكون علاقته الوطيدة مع الولايات المتّحدة الوجه الوحيد من شخصيّته الذي يعرفه المصريّون، لكنّها ليست صفة إيجابيّة في نظر شعب لا يثق بالأميركيّين. أمّا السيسي، فينظر إليه الكثيرون في مصر (أكانوا على صواب أم على خطأ) على أنّه تحدّى الأميركيّين عندما عزل مرسي في 3 تموز/يوليو الماضي. ويعزّز تقرّبه من روسيا مؤخّراً هذه النظرة.

إلى مرسي: إنّ علاقة عنان بمرسي غامضة. أعلن المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة بفخر وثقة أنّه سلّم السلطة إلى الرئيس الأوّل المنتخب ديمقراطياً. فردّ مرسي على المجلس بإصدار أمر بإحالة طنطاوي وعنان على التقاعد، وهما الشخصيّتان الأرفع مستوى في المجلس. لكنّ المفاجئ أنّ عنان وافق على عرض مرسي له بالانضمام إلى "مجلسه الاستشاريّ"، وهو تسمية منمّقة لوظيفة لا معنى ولا دور لها في الحياة الواقعيّة. وازداد الغموض عندما استقال عنان من وظيفته على الفور بعد انقلاب الثالث من تموز/يوليو الماضي. في الواقع، إنّ موقف مرسي من عنان وطنطاوي له تفسير واحد، وهو أنّ مرسي أبرم صفقة مع الفريقَين تقضي بتقاعدهما مقابل الحصول على حصانة من المحاكمة بعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011. وقد اقترح المتحدّث باسم الإخوان المسلمين محمود غزلان هذه الحصانة، لكنّه واجه انتقادات لاذعة. ولسخرية القدر، لم يقبل القائد الذي اختاره مرسي أي الفريق السيسي، الخضوع مثل غيره.

يُقال أيضاً إنّ العلاقة بين السيسي وعنان ليست جيّدة بشكل خاص. فالقيادة العسكريّة الجديدة لم تتقبّل التقارير الإعلاميّة حول نسخة مزعومة من مذكّرات لعنان تمّ نشرها مؤخّراً. وقد أصدر متحدّث باسم الجيش بياناً على الفور جاء فيه أنّ التقارير الإعلاميّة حول المذكّرات الشخصيّة المزعومة لمسؤولين عسكريّين سابقين قد تثير الالتباس وتهدّد الأمن القوميّ "في ظلّ الظروف الحاليّة الحسّاسة".

ليس واضحاً بعد إن كان عنان سيترشّح للانتخابات الرئاسيّة وإن كانت الصفحة الداعمة له على موقع "فيسبوك" أو الحملة النقيضة الساخرة منه مؤشّراً على نسبة شعبيّته. لكن من الخطأ القول إنّ المصريّين يحبّون قياداتهم العسكريّة. فالولايات المتّحدة وصفت عنان في ما مضى بأنّه بعيد النظر وحادّ الذهن، لكنّ إدارته الحذرة والضعيفة ربّما في خلال فترة ما بعد مبارك الانتقاليّة (إلى جانب وزير الدفاع السابق طنطاوي) لم تكسبه محبّة عدد كبير من المصريّين، وإن أبعدت عنه الأعداء.

مع ذلك، قد تكون مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسيّة في الصيف المقبل مليئة بالمفاجآت. فلا يمكن التكهّن باستمرار شعبيّة مرسي في الارتفاع أو بتراجعها تدريجياً، أو باحتمال نهوض عنان من كبوته وإقناع السيسي بالبقاء في الظلّ. لا شيء يحتمل التكهّن في مصر، ما عدا السياسة المتقلّبة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : morsi, egyptian army, egyptian revolution, egyptian politics, egypt, abdel fattah al-sisi
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept