نبض سوريا

الخلاف بين الظواهري والبغدادي قد يؤدّي إلى انشقاق "القاعدة"

p
بقلم
بإختصار
أحدث التسجيل الصوتي لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري الذي بثته قناة "الجزيرة" الفضائيّة يوم الجمعة 8 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ضجّة كبيرة كونه يدعو فيه إلى إلغاء "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش) ويؤكّد أن "جبهة النصرة في بلاد الشام" هي فرع التنظيم في سوريا، ما يعطي الجبهة غطاءً "شرعياً". لكن "داعش" رفضت على لسان زعيمها أبو بكر البغدادي ما قاله الظواهري، مؤكّدة على...

أحدث التسجيل الصوتي لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري الذي بثته قناة "الجزيرة" الفضائيّة يوم الجمعة 8 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ضجّة كبيرة كونه يدعو فيه إلى إلغاء "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش) ويؤكّد أن "جبهة النصرة في بلاد الشام" هي فرع التنظيم في سوريا، ما يعطي الجبهة غطاءً "شرعياً". لكن "داعش" رفضت على لسان زعيمها أبو بكر البغدادي ما قاله الظواهري، مؤكّدة على أن "داعش" باقية في العراق وسوريا.

في التسجيل الصوتي يقول الظواهري "تُلغى دولة العراق والشام الإسلاميّة ويستمرّ العمل باسم دولة العراق الإسلاميّة"، مشيراً إلى أن "جبهة النصرة لأهل الشام فرع مستقلّ لجماعة قاعدة الجهاد يتبع القيادة العامة". ويوضح الظواهري أن "الولاية المكانيّة لدولة العراق الإسلاميّة هي العراق، والولاية لجبهة النصرة لأهل الشام هي سوريا"، في انحياز لمطالبة زعيم "جبهة النصرة" أبو محمد الجولاني باستقلاله عن البغدادي بالولاية على التنظيم في سوريا وانفصاله عن فرع "القاعدة" في العراق. أضاف الظواهري في التسجيل "أخطأ الشيخ أبو بكر البغدادي الحسيني بإعلان دولة العراق والشام الإسلاميّة دون أن يستأمرنا أو يستشيرنا بل ودون إخطارنا (...) وأخطأ الشيخ أبو محمد الجولاني بإعلانه رفض دولة العراق والشام الإسلاميّة وإظهار علاقته بالقاعدة دون أن يستأمرنا أو أن يستشيرنا بل ودون إخطارنا".

وقال البغدادي رداً على الظواهري في تسجيل بثّ في اليوم نفسه 8 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام باقية.. ولن نساوم عليها أو نتنازل عنها (...)".

وكان البغدادي قد أكّد في رسالة صوتيّة في نيسان/أبريل الماضي أن "جبهة النصرة" هي "امتداد لدولة العراق الإسلاميّة وجزء منها"، معلناً "إلغاء اسم دولة العراق الإسلاميّة وإلغاء اسم "جبهة النصرة" وجمعهما تحت اسم واحد هو الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش). وقد زعم البغدادي أنه استشار "أهل الحلّ والعقد" أي القادة والعلماء في دمج التنظيمَين وأنهم باركوا هذه الخطوة، لكن الجولاني ردّ في بيان على البغدادي قال فيه إنه لم يُستشر بل وإن كبار "علماء النصرة" لم يتبلغوا خبر الدمج إلا عبر وسائل الإعلام.

وقد رفض الجولاني الرضوخ لإمرة البغدادي ما أثار بلبلة بين "الجهاديّين" في سوريا وأحدث انقسامات بين مقاتلي "جبهة النصرة" التي تُعتبر من أشدّ المجموعات المسلحة قوّة وتأثيراً في قتال النظام السوري. وأعلن الجولاني تجديده بيعته للظواهري، معتبراً أن بيعته السابقة للبغدادي كانت بصفته ممثلاً للظواهري في العراق. ويأتي ذلك في وقت يعتبر البغدادي أن الجولاني قد بايعه عندما كان يعمل تحت إمرته في العراق وأنه هو الذي عيّنه أميراً على مجموعة مقاتلين وأرسلهم إلى سوريا للقتال فيها، قبل أن تتوسّع "النصرة" وتضمّ "جهاديّين" من سوريا ودول عربيّة وأجنبيّة.

اختلف الخبراء والباحثون في شؤون الجماعات الجهاديّة، بشأن التسجيل الصوتي للظواهري.. هل هو جديد أم أنه قديم وقد تمّ تسريبه قبل أيام؟

فقال الباحث الأردني في شؤون الحركات الإسلاميّة حسن أبو هنية في اتصال هاتفي حصري مع "المونيتور" إن مضمون التسجيل ليس فيه جديد، فهو يكرّر ما ورد في رسالة الظواهري التي بعثها في أيار/مايو الماضي إلى كلّ من زعيم "دولة العراق الإسلاميّة" أبو بكر البغدادي وزعيم "جبهة النصرة" أبو محمد الجولاني والتي نشرتها مواقع جهاديّة وحكم فيها الظواهري بشأن النزاع بين الرجلَين، فأبطل الاندماج الذي أعلنه البغدادي ورفضه الجولاني. ويعتقد أبو هنيّة أن التسجيل قديم لكن أعيد تسريبه.

من جهته، رأى الباحث اللبناني في شؤون الحركات الإسلاميّة الدكتور محمد علوش في مقابلة حصريّة مع "المونيتور" أن كلام الظواهري لم يفاجئه وأن مضمون كلامه قديم يكرّر ما قاله في رسالته في حزيران/يونيو، لكن التسجيل جديد ويأتي لينتصر للجولاني بسبب تفاقم الخلافات بين "داعش" من جهة وبين "النصرة" وبقيّة الفصائل السوريّة من جهة أخرى.

بدوره، اعتبر الشيخ السلفي اللبناني عمر بكري الخبير في شؤون الحركات السلفيّة الجهاديّة، أن ما ورد في التسجيل كان قد اقترحه الظواهري قبل ستة أشهر في رسالته إلى البغدادي والجولاني. وقد قال في حديث صحافي إن "ما ورد بشأن إلغاء ’داعش‘ وبقاء ’النصرة‘ مستقلة عنها كان مجرّد اقتراح لم يُعمل به، وواصل التنظيمان "النصرة" و"دولة العراق الإسلاميّة" عملهما في سوريا ونسّقا عملياتهما". وأشار إلى أن قادة "جهاديّين" من بينهم الأردني أبو محمد المقدسي والفلسطيني الأردني عمر عثمان المعروف بأبو قتادة والمسجون في الأردن، اقترحوا أن ينشأ مجلس شورى للمجاهدين في سوريا يتألف من مندوبين لكلّ الفصائل "الجهاديّة"، على أن يكون أبو خالد السوري الذي زكّاه الظواهري الحَكم بينهم وعلى أن يبقى كلّ فصيل مستقلاً.

بالنسبة إلى أبو هنية، فإن البغدادي لم يعر أي اهتمام للظواهري واتهمه بعد رسالته في أيار/مايو بارتكاب مخالفات شرعيّة، قائلاً في تسجيل صوتي "إني خُيّرت بين حكم ربي وحكم الظواهري فاخترت حكم ربي".

وأشار أبو هنية إلى أن الظواهري لا يملك شخصيّة كاريزميّة مثل أسامة بن لادن ولا يمثّل إجماعاً على قيادته. وأوضح أن تنظيم "القاعدة" لم يعد تنظيماً مركزياً نخبوياً مع أجندة معولمة كما كان في تسعينيات القرن العشرين، وأن مقتل زعيمه أسامة بن لادن قد ساهم بتفكّك القيادة المركزيّة وبروز نهج جديد يناهض الغرب بطرائق غير مباشرة، وذلك عبر بناء شبكات شعبويّة محليّة تحت مسمّى "أنصار الشريعة" تمهّد لبناء منظومة إقليميّة جهاديّة متّحدة تقوم على استراتيجيّة دمج البعدَين العالمي والمحلي، أي المزاوجة بين قتال العدو القريب (الأنظمة الحاكمة العربيّة والمسلمة) والبعيد (الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل).

وأوضح أبو هنية أن ثورات "الربيع العربي" أسفرت عن انهيار بعض الأنظمة المعادية لـ"القاعدة" وإضعاف أخرى، مشيراً إلى أن الاستراتيجيّة الجديدة لـ"القاعدة" تعتمد على فروعها المحليّة. فقد ظهرت جماعات جديدة تشارك "القاعدة" أيديولوجيّتها السلفيّة الجهاديّة وأهدافها البعيدة في إقامة خلافة إسلاميّة ورفع الهيمنة الغربيّة ومواجهة إسرائيل.

أما علوش فقد رأى أنه بعد كلام الظواهري ورفض "داعش" لحكمه، "نحن أمام مرحلة جديدة للسلفيّة الجهاديّة تفرّخ قيادات جديدة وقيادات تنقلب على قياداتها، ما ينذر بنشوء حالة شديدة من التطرّف قياساً على تنظيم ’القاعدة‘ الأم الذي ولد في أفغانستان". واعتبر أن الخلاف ما بين الظواهري والبغدادي وما بين "داعش" و"جبهة النصرة" هو خلاف فكري وسياسي مرتبط بموضوع البيعة وتوقيت إقامة الدولة الإسلاميّة والخلاف بشأن سلّم الأولويات، وإن كان الجميع يتّفقون على الأهداف العامة التي قام عليها تنظيم "القاعدة".

ويعتقد علوش أن هذا الخلاف سينقل العدوى وسيتجلى ذلك في خلافات مقبلة في مناطق المغرب العربي وفي نشاط "القاعدة" في الدول الغربيّة، وأنه قد نشهد في المرحلة المقبلة مزيداً من الانشقاقات في داخل هذه التنظيمات أي ولادة جيل جديد منقسم على نفسه بالإضافة إلى كونه أكثر تشدّداً وتطرفاً.

وتظهر رسالة الظواهري أنه مدّد ولاية كلّ من البغدادي على فرع العراق والجولاني على فرع سوريا لمدّة عام فقط، وبعدها سوف يقرّر بناءً على تقرير مجلس شورى التنظيم في كلّ بلد التمديد أو اختيار خلف لهما.

أما أحد الباحثين الإسلاميّين موسى الغنامي، فقد رأى أن أحد أسباب بثّ الظواهري رسالته الصوتيّة هو الانقسام بين الفريقَين ومهاجمة "داعش" لمقرّات "النصرة" والفصائل الإسلاميّة الأخرى في سوريا واغتيالها عدد من مسؤولي الفصائل وقيامها بالعديد من الاعتداءات هناك. كذلك فإن البغدادي قد أهدر دم الجولاني وأبي ماريا القحطاني كبير المسؤولين الشرعيّين في "النصرة"، بحجة نكثهما البيعة وتفريق الصفّ. وفيما توارى الجولاني عن الأنظار، تعرّض أبو ماريا لمحاولات اغتيال عدّة لكنه نجا منها.

وقال الغنامي -من دون أن يكشف عن مصدر معلوماته- إن كبار مسؤولي "داعش" الشرعيّين والعسكريّين قد اجتمعوا بالبغدادي واتفقوا على إلغاء اسم "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" والإعلان عن دولة الخلافة الإسلاميّة وقد اُخذت البيعة من بعض مجموعات "القاعدة" في تونس وليبيا وسيناء والصومال. وكان يفترض أن يصدر بيان إعلان الخلافة لتصدر بعدها البيعات للبغدادي وتنصيبه أميراً للمؤمنين. وقد حاول أنصار البغدادي أخذ البيعة من "أنصار الشريعة" في اليمن وأتباع "القاعدة" في مالي، لكنهم رفضوا ذلك وأبلغوا الظواهري بالأمر. فسارع إلى إصدار بيانه القديم صوتياً لقطع الطريق على هذه الخطوة وعلى تشكيك البغدادي برسالته الخطيّة.

ويتوقّع بعض الباحثين أن تعزّز رسالة الظواهري وضع "جبهة النصرة" وتضعف "داعش" بسبب ممارساتها في المناطق التي تسيطر عليها في الرقّة وحلب والتي أثارت استياء السكان، لجهة قطع الرؤوس وفرض تطبيق الشريعة عليهم. كذلك من شأن الرسالة أن تصعّد الخلاف بين الفريقَين وتدفع باتجاه الاقتتال بينهما.

وتُعدّ "داعش" أقوى التنظيمات المعارضة في سوريا، وتتفوّق على "جبهة النصرة" بعددها وعدّتها. ويقدّر عدد مقاتلي "داعش" بنحو ثمانية آلاف يشكّل السوريّون نحو 60 في المئة منهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian civil war, sinai, sharia, salafist jihadists, north africa, jihadists in syria, jabhat al-nusra, islamic state of iraq and al-sham, ayman al-zawahiri, arab spring, ansar al-sharia, aleppo, al-qaeda, abu bakr al-baghdadi

هيثم مزاحم هو باحث ومحلّل سياسي لبناني متخصص في شؤون الشرق الأوسط والإسلاميات. وهو مساهم منتظم في صحيفة الحياة، وصحيفة البلد، وموقع اتلانتيك بوست الأميركي، فضلاً عن المجلات السياسية والأكاديمية العربية. وقد نشر مزاحم كتابين هما: حزب العمل الإسرائيلي( 1968-1999" (العربية) عام 2001، والصراع على الشرق الأوسط (2013)، وله كتابان تحت الطبع بعنوان "تطور المرجعية الشيعية: من الغيبة إلى ولاية الفقيه"، و"كيف تحدث الثورات؟". وقد ساهم في ستة كتب أخرى، اثنين عن التيارات السياسية والفكرية في إيران (2011)، وكتاب بعنوان: "ثورات قلقة" (2012)، وكتاب عن "إيران والإخوان المسلمين" (2013)، وكتاب السلفية المتحوّرة(2013)، وكتاب "الجهاديون في مصر"(2014).

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept