غسل العار.. علاقة جدليّة بين الدم والشرف

يُعتبر أحمد حسن بطلاً في وسطه الاجتماعي، لأنه تمكّن بأسرع ما يمكن من إزهاق روح أخته المتّهمة بعلاقة عاطفيّة محرّمة مع أحد الرجال. وعلى الرغم من أن أحمد يقبع في السجن حالياً، إلا أنه يَعتبر ما حدث "مجداً" له ويوصَف من قبل أصدقاء وأقرباء بالشجاع الذي غسل عار فتاة "منحرفة" عن قيم الدين والعشيرة. بالنسبة إلى الباحث الاجتماعي قاسم حسين فإن "الثأر للشرف" هو خيار "غير موفّق". ويقول في...

al-monitor .

المواضيع

women and islam, violence against women, rape, murder, killing, honor crime, domestic violence

أكت 11, 2013

يُعتبر أحمد حسن بطلاً في وسطه الاجتماعي، لأنه تمكّن بأسرع ما يمكن من إزهاق روح أخته المتّهمة بعلاقة عاطفيّة محرّمة مع أحد الرجال. وعلى الرغم من أن أحمد يقبع في السجن حالياً، إلا أنه يَعتبر ما حدث "مجداً" له ويوصَف من قبل أصدقاء وأقرباء بالشجاع الذي غسل عار فتاة "منحرفة" عن قيم الدين والعشيرة.

بالنسبة إلى الباحث الاجتماعي قاسم حسين فإن "الثأر للشرف" هو خيار "غير موفّق". ويقول في حديث إلى "المونيتور" من بابل (100 كيلومتر جنوب بغداد)، إنه يظلّ حكماً نافذاً على عدد كبير من الفتيات اللواتي يجهرن بالعاطفة "المحرّمة" تجاه رجال غرباء، ليس في العراق فحسب بل في الكثير من الدول العربيّة والإسلاميّة.

لكن حسين يلفت إلى أن الجريمة لدى شعب الرافدَين أضحت عادة اجتماعيّة تتأصّل اليوم أكثر من أي وقت مضى، على الرغم من وجوب حدوث العكس، بحكم التطوّر الاجتماعي والثقافي والانفتاح الإعلامي.

يضيف أن الضحايا البالغة أعدادهن العشرات سنوياً في العراق تماماً كما هي الحال في البلدان الأخرى، يتعرّضن للخنق أو الضرب بآلة حادة مثل السكاكين والسيوف أو لإطلاق الرصاص أو يُعمَد إلى إشعال النار في جسد الفتاة ثم يتمّ إبلاغ السلطات بانتحارها. بالنسبة إليه، هذه هي الوسائل "الهمجيّة" للحسم!

من جهتها تقول الناشطة النسويّة مائدة عبد الحسين لـ"المونيتور" إن "أخطر ما في الظاهرة، شرعنتها اجتماعياً ودينياً وقانونياً"، مشيرة إلى أنّ "سرّية الجرائم يجعلها ظاهرة غير مرئيّة، ما يساهم في استمرارها لأنها لا تُحدِث ضجيجاً بين الناس. فينفّذ الفاعل جريمته على مهل، وسط تشجيع أصحاب العلاقة الذين يخافون على شرفهم وسمعة عشيرتهم فيدفعونه إلى القتل".

وتصِف عبد الحسين كيف أنّ "المرأة الضحيّة (في العراق) لا تُرمى على قارعة الطريق كما يحدث في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة، بل غالباً ما تظلّ جثة هامدة حيث تنام أو تتواجد، بينما يسلّم الفاعل نفسه إلى السلطات".

وفي مدينة الحلة مركز محافظة بابل، مثال آخر على القوّة الذكوريّة الطائشة. فبعدما بطش الأخ الأصغر لهيفاء بها وخنقها بوسادة وهي نائمة مطمئنّة، تداول الناس أنّ الفاعل الحقيقي هو والدها، لكنّ تلفيق القصة كان محاولة للحصول على أقلّ ما يمكن من العقوبة القانونيّة على اعتبار أنّ القاتل كان قاصراً (15 سنة).

وفي الغالب، تكون الأم ضحيّة القسوة أيضاً. فتخبر والدة هيفاء "المونيتور" كيف أنّ "الحدث هزّ أركان العائلة وقسّمها، إذ إنّ منظر جثّة هيفاء الهامدة على فراشها يحرّك المشاعر مهما كانت جامدة، ويطلق صرخة في المجتمع: إلى متى هذا القتل؟".

إنّ العلاقة الجدليّة ما بين الشرف والدم في العراق لا تنتهي عند قتل الفتاة. ففي مدينة الحمزة جنوب الديوانيّة (193 كيلومتراً جنوب بغداد)، كان مصير الشاب جمعة كاظم القتل ذبحاً بالسكين وقطع عضوه التناسلي ورمي جثّته على ضفّة نهر، ليس بعيداً عن نقطة تفتيش أمنيّة.

بالنسبة إلى المحامية المتخصّصة في الأحوال الشخصيّة ابتسام فرحان، فإن ذلك ليس مدهشاً. وتقول لـ"المونيتور" "حتى في ليلة الدخلة، يكون الدم هو رمز الشرف وعلامته".

تضيف فرحان أن "هدر الدم لا يقتصر على الفتيات في العراق، بل يتعدّاه ليطال أرامل ونساء متزوّجات يُشَك في أنهن يقمن علاقات جنسيّة محرّمة".

وتتابع "لا يندم القاتل أبداً على فعلته. فقد خرج شاب الأسبوع الماضي من السجن بعد سبع سنوات على تنفيذ جريمته، معزّزاً مكرّماً من قبل الأسرة والعشيرة على الرغم من أنه ذبح أخته من الوريد إلى الوريد".

وثمّة ما هو أقسى من ذلك بحسب ابتسام، إذ إنّ "قبر الضحيّة في مقبرة السلام في النجف (160 كيلومتراً جنوب بغداد) لا يزوره أحد باستثناء الأم المنكوبة التي تهتدي إلى قبر ابنتها بسريّة تامة، تبكي وتولول وحيدة".

ولعلّ أقصى حالات القسوة هي حين تُقتل الفتاة ثم يدّعي أهلها أنها هربت، لكنّها في الحقيقة دُفنت وضاع سرّها معها.. أو حين تُرجَم بالحجارة في عصر العلم والتطوّر لأسباب تتعلّق بالشرف أو الدين أو التقاليد.

وتعتبر فرحان أنّ "القوانين العراقيّة تثبط آمال الذين يطالبون بردع هذه الظاهرة"، مشيرة إلى أنها "توفّر غطاءً لممارسة هذه الجرائم، يبدو وكأنه شرعنة لها".

أما المرأة المغتصبة، فعلى الرغم من هول ما تعرّضت له من أذى إلا أنها تُعزَل وتُعدّ فاقدة الكرامة. فتتبرأ العائلة منها وتلاحقها النظرة الدونيّة طوال حياتها، هذا إذا ما نجت من الموت المحقّق.

ومن اللافت، ذلك التنامي في أعداد جرائم الشرف. فبينما كان متوقعاً  أن ينحسر بفضل سياسات التعليم والتوعية وانتشار المدارس، إلا أنّ قاسم حسين يعيد أسباب الانتكاسة إلى "الحروب التي حالت دون التدرّج الاجتماعي الطبيعي، ما ساهم في انتشار الظاهرة من المجتمع الريفي إلى المدينة. وهي إحدى دلالات تراجع التمدّن لصالح الترييف".
 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020