البهائيّة.. أقليّة غير معترف بها في العراق

يعتبر العراق أحد المنطلقات الرئيسيّة للديانة البهائيّة، ففيه قضى مؤسّسها "بهاء الله" عشر سنوات وأعلن دعوته، وبالتحديد في حديقة الرضوان في بغداد التي يقال إنها كانت على ضفاف نهر دجلة في موقع مدينة الطب حالياً. وقد سبق ذلك حضور مكثف لأتباع الباب (السلف الممهّد للبهائيّة) في العراق، من أشهرهم "قرّة العين" التي تعتبر أبرز شخصيّة نسويّة بالنسبة إليهم. واجهت البهائيّة منذ التأسيس ولحدّ...

al-monitor .

المواضيع

shiites, religious, minorities, freedom of religion

أغس 1, 2013

يعتبر العراق أحد المنطلقات الرئيسيّة للديانة البهائيّة، ففيه قضى مؤسّسها "بهاء الله" عشر سنوات وأعلن دعوته، وبالتحديد في حديقة الرضوان في بغداد التي يقال إنها كانت على ضفاف نهر دجلة في موقع مدينة الطب حالياً. وقد سبق ذلك حضور مكثف لأتباع الباب (السلف الممهّد للبهائيّة) في العراق، من أشهرهم "قرّة العين" التي تعتبر أبرز شخصيّة نسويّة بالنسبة إليهم.

واجهت البهائيّة منذ التأسيس ولحدّ الآن ضغوطاً واضطهاداً كبيراً في الشرق الأوسط بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص. فقد قتل كثيرون من أتباعها وهدّمت أماكنهم المقدّسة، كذلك تعرّض البهائيّون للاضطهاد وخضعوا للتحقيق خلال فترات مختلفة. وقد وُضِع الكثير من المؤلّفات التحريضيّة ضدّهم،ما دعم فكرة ممارسة العنف تجاههم. وقد وجّهت إليهم تهماً متنوّعة تتراوح من تقويض الأديان إلى الدعوة إلى الإلحاد والإباحيّة، بالإضافة إلى اعتبارها من صنع الإستعمار والصهيونيّة وغير ذلك.

لا توجد إحصائيات رسميّة للبهائيّين في العراق ولا يُعرَف عددهم بالضبط، إذ يخافون  من الإعلان عن هويّتهم. التقى "المونيتور" عدداً منهم في بغداد والسليمانيّة في كردستان العراق، ولكن لم يستطع أحد منهم أن يقدّم إحصائيّة تفيد عن عددهم بسبب التشتّت الذي يعيشونه جرّاء الخوف الشديد من البطش بهم من قبل السلطة وعامة الناس على حدّ سواء. أتباع البهائيّة في السليمانيّة يشعرون بأمان واستقرار أكبر من إخوانهم في بغداد، على الرغم من أنهم يمتنعون عن ممارسة شعائرهم بشكل علني للأسباب المذكورة سابقاً.

وكان البهائيّون قد تمكّنوا من الإعلان عن هويّتهم بشكل رسمي في العهد الملكي. فتأسّست الجامعة البهائيّة العراقيّة في العام 1931، وتأسّس أوّل محفل مركزي للبهائيّين في العام 1936 في محلة السعدون، كذلك شيّدوا لأنفسهم مقبرة في منطقة بغداد الجديدة في العام 1952 عرفت ب"الروضة الأبديّة". وقد قامت الحكومة العراقيّة بتسجيل ديانتهم البهائيّة في التعداد السكاني لسنة 1957.

بدأ تضييق الخناق يشتدّ على البهائيّين بعد سقوط الملكيّة بالتدريج، إلى أن وصل ذروته في عهد نظام البعث. فقد قام النظام في العام 1970 بإصدار مجموعة قرارات نُشِرت في الجريدة الرسميّة العراقيّة ضدّ البهائيّين. وبموجب هذه القرارات، أصبحت الديانة البهائيّة محظورة رسمياً وجرّد البهائيّون من جميع ممتلكاتهم ومُنِع تسجيل انتمائهم البهائي في حقل الديانة في سجلات الأحوال المدنيّة، وأمر بحذف هذا الانتماء في السجلات الموجودة واستبدله بأحد الأديان الإبراهيميّة الثلاثة المعترف بها رسمياً. وإثر ذلك، تمّ سجن عدد كبير منهم، لتصدر أخيراً  أحكام بالإعدام  بحقّ من ينتمي إليهم كجماعة ودين في أواخر سبعينيّات القرن الماضي.

دفعت الأسباب سالفة الذكر البهائيّين إلى الانغلاق التام أو مغادرة العراق. وعلى الرغم من الانفتاح الحاصل بعد سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين في العام 2003، إلا أن البهائيّين في العراق ما زالوا في الظلّ، يعانون خوفاً اجتماعياً يمنعهم من الإعلان عن هويّتهم، ويفضّلون الابتعاد عن ممارسة شعائرهم أو الظهور للعلن.

وتخبر امرأة بهائيّة في حديث إلى "المونيتور" كيف أنها شعرت بعد تخلّصها من زنزانات صدّام حسين بأنها انتقلت من سجن صغير إلى سجن المجتمع الأشدّ قساوة وعنفاً من الأوّل. فالحياة داخل السجن كان تقيها ثقافة الإلغاء السائدة في المجتمع العراقي تجاه البهائيّين. من جهة يقول المتخصّص في شؤون الأقليات العراقيّة بأن التغيير في العام 2003 لم بدّل شيئاً في ما خصّ وضعهم، إذ إن البهائيّة ما زالت ديانة محظورة رسمياً، وهم ممنوعون من إدارج ديانتهم في سجلات الأحوال المدنيّة، كذلك لم تعاد ممتلكاتهم إليهم ولم تلغَ القرارات الصادرة بحقّهم.

على الرغم من كل ما ذُكِر من عنف وإقصاء تجاه البهائيّين، إلا أن ثمّة تطوّرات قانونيّة ودينيّة في الآونة الأخيرة تصبّ في مصلحتهم وتحسّن وضعهم الاجتماعي ولو بشكل غير ملحوظ. قانونياً، أصدر وزير الثقافة العراقي سعدون الدليمي وفق البيان رقم 42 المنشور في العدد 4224 من جريدة "الوقائع العراقيّة" الرسميّة في 26 كانون الأوّل/ديسمبر 2011، قراراً يقضي باعتبار البيت الذي كان يسكنه "بهاء الله" خلال فترة إقامته في بغداد موقعاً تراثياً. وتجدر الإشارة إلى أن المكان كان قد تحوّل إلى حسينيّة شيعيّة تعرف ب"حسينية الشيخ بشار" وتقع حالياً في منطقة "حيّ الطلائع" في بغداد. لكن سعد سلوم يلفت لـ"المونيتور" إلى أن المكان قد تمّ هدمه في محاولة لفرض أمر واقع يرفضه البهائيون، وهم يعلنون استعدادهم إعادة بناءه في حال فسح لهم المجال.

أما من الجهة الدينيّة، فقد صدرت آراء وفتاوى من قبل علماء شيعة في قم والنجف تقدّم نظرة مختلفة للبهائيّة وتتضمّن نوعاً من التسامح تجاهها. وأهمّها، فتوى لآية الله المنتظري في العام 2009 بخصوصهم تقضي بمراعاة حقوقهم في المواطنة على الرغم من الاختلافات الدينيّة في ما بينهم وبين المسلمين. وقد نشرت دراسة بعنوان «لمحة تاريخيّة عن الأقليات الدينيّة في العراق: تاريخها وعقائدها» أعدّها السيّد جواد الخوئي وهو من أساتذة حوزة النجف، تتضمّن رؤية علميّة حياديّة تجاه معتنقي كافة الأديان في العراق ومن ضمنهم البهائيّون، وهي تعكس مزيداً من الانفتاح على مستوى النخب الدينيّة. كذلك، قام مؤخراً الصحافي والإعلامي الإيراني محمد نوري زاد المعارض لسلطة ولاية الفقيه المطلقة، بزيارة إلى بيت أحد العوائل البهائيّة ليقدّم لهم الاعتذار رسمياً بسبب الاضطهاد والعنف السياسي والمجتمعي الذي تحمّلوه طوال سنين، من الأغلبيّة المسلمة. وهي خطوة انعكست إيجاباً وقد أتت مطالبات على الصفحات العراقيّة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، تقول بعمل مشابه من الجانب العراقي.ويبقى أن بهائيّي العراق يأملون بالاعتراف بهم رسمياً، وحمايتهم قانونياً وأمنياً والسماح لهم بالإعلان عن هويّتهم والقيام بشعائرهم الدينيّة واسترجاع ممتلكاتهم بخاصة الرمزيّة والدينيّة منها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020