الحكومة الانتقاليّة في اليمن.. وجوه جديدة بخطاب جديد وأداء قديم بمبرّرات قديمة

يصف اليمنيّون رئيس حكومة الوفاق الوطني الحاليّة محمد سالم باسنودة بأنه "النزيه الضعيف". وقد خلصوا إلى هذا التوصيف بعد أكثر من عام ونصف العام على توليه منصبه، بعد توقيع الأطراف السياسيّة اليمنيّة على المبادرة الخليجيّة كمخرج للوضع المتأزّم الذي شارف على السقوط في براثن حرب أهليّة مرعبة في العام 2011. والخروج من الأجواء التي كان يخيّم عليها شبح الحرب، لم يكن إلى الفردوس الذي حلم به...

al-monitor .

المواضيع

general people's congress (gpc)

يول 25, 2013

يصف اليمنيّون رئيس حكومة الوفاق الوطني الحاليّة محمد سالم باسنودة بأنه "النزيه الضعيف". وقد خلصوا إلى هذا التوصيف بعد أكثر من عام ونصف العام على توليه منصبه، بعد توقيع الأطراف السياسيّة اليمنيّة على المبادرة الخليجيّة كمخرج للوضع المتأزّم الذي شارف على السقوط في براثن حرب أهليّة مرعبة في العام 2011.

والخروج من الأجواء التي كان يخيّم عليها شبح الحرب، لم يكن إلى الفردوس الذي حلم به اليمنيّون بالتأكيد. فقد تقاسم النظام السابق حقائب الحكومة مع تحالف القوى الثوريّة التي كانت قد خرجت ضدّه، لتوزَّع حقائب ما يفترض بها أن تكون حكومة إنقاذ كحصص (مكافآت) تنازعتها القوى القديمة نفسها وراحت تتصارع في مجلس الوزراء ذاته الذي أُتِيَ به كمصلح للوضع وكإنهاء لحالة الصراع القائمة على الأرض بين شركاء النفوذ/الحقائب الوزاريّة.

وقد رفعت الحكومة سقف توقّعات المواطن منها، أكثر مما كان المواطن يطالبها في تلك اللحظة. فهو حينها لم يكن ليحلم بأكثر من تلاشي شبح الحرب وابتعاده عن أطفاله. وفي الوقت نفسه، رفع المجتمع الدولي من مستوى وعوده قائلاً بالدعم اللامحدود لمرحلة الانتقال السياسي في اليمن كنموذج يراهن على نجاحه عن طريق الحوار، ما دفع بالحكومة إلى إعلان أكبر موازنة ماليّة في تاريخ البلاد كانت نفقاتها واضحة لكن مواردها ظلّت ضبابيّة حتى اللحظة التي أعلنت فيها عن عجز في الإيرادات. وقد دفعها الأمر إلى التفاوض مع المؤسّسات المانحة للحصول على قرض ميسّر لسدّ الفجوة بين النفقات والإيرادات. وهو ما كاد يعصف بالحكومة برمّتها حين تسرّبت أنباء تقول أن المانحين اشترطوا عليهاتنفيذ جرعة سعريّة تتمثّل في رفع الدعم جزئياً عن مشتقات الوقود. وكادت أن تفعل لولا ردود الفعل الغاضبة وتربّص القوى المناوئة لاستغلال الموقف وإثارة الشارع المستفزّ ضدها. 

والمواطن اليمني العادي كان يعوّل كثيراً على الوجوه الجديدة في الحكومة التي مثّلت القوى الثوريّة، كون غالبيّتها من الأسماء لم تلوّث أيديها بالفساد من قبل، مثل وزراء حزب النظام السابق (المؤتمر الشعبي العام) الذين يحتكرون نصف حقائبها وهم وزراء سابقون تمّ اختبارهم في أكثر من حكومة. لكن الخيبة بلغت أعلى مستوياتها عندما لاحت ملامح الفشل الأولى من الوزارات التي يتقلّدها ممثّلوا القوى الثوريّة، مثل الماليّة والكهرباء والداخليّة والتخطيط.

يعتبَر وزير الماليّة الحالي أشهر برلماني حارب الفساد المالي في الحكومات السابقة. لكنه عجز عن إصلاح الخلل حين تسلّم المهمّة، وخسر الموقف التنظيري الذي خلق منه نجماً يوشك حالياً على الأفول. فهو أساساً غير متخصّص في الأمور الماليّة، باستثناء تجربته الماليّة البسيطة في مجلس النواب.

من جهته، وزير الكهرباء هو ضابط أمني شغل وزارة المغتربين في عهد صالح ثم خرج عنه. وعندما انضمّ إلى قوى الثورة، كان يعير النظام السابق بالفساد وبالعجز عن توفير الخدمات الأساسيّة للمواطن بما فيها الكهرباء. لكنه عندما أصبح في موقف الفعل والمسؤوليّة، عجز عن الوفاء بوعود قدّمها إبان توليه حقيبة الكهرباء، لا بل اتّهم الرجل بالتورّط في صفقات غير قانونيّة إجرائياً لتوفير الكهرباء الإسعافيّة لعدد من المناطق. وكان من الممكن التغاضي عن تلك التهم أو حتى تكذيبها، لو نجح الوزير في تزويد العاصمة والمدن الرئيسيّة بالكهرباء. لكن الضربات التي تتعرّض لها خطوط نقل التيار بين مأرب (شرق) والعاصمة، تسارعت وتيرتها بشكل غير مسبوق إلا في خلال العام 2011، في ظلّ الصراع الذي دار حينها وأصاب كلّ مناحي الحياة.

أما وزارة الداخليّة والتي يتوجّب عليها في على أقلّ تقدير تأمين خطوط نقل الطاقة وأنابيب النفط والغاز والحدّ من انتشار السلاح في المدن الرئيسيّة، والتي يحسب وزيرها أيضاً على أكبر الأحزاب التي ثارت ضدّ النظام السابق، فهي لم تنجح كثيراً في أداء مهامها كالقبض على أشخاص معروفين قاموا بقتل شابَين بريئَين في قلب العاصمة. وهؤلاء الأشخاص يحميهم من العدالة شيخ قبلي/ديني من الحزب نفسه الذي رشّح الوزير لمنصبه. كذلك، فإن إعلانها عبر وسائل الإعلام عن أسماء المتّهمين بتفجير أنابيب النفط والغاز والاعتداء على خطوط الطاقة، ومن ثمّ عدم قيامها بأي جهد ملموس للقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء، جعلها محلّ سخرية وغضب من قبل المواطنين بشكل عام.

وكان رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة كلّ على حدة، قد أبديا استياءهما من أداء الحكومة وتساهلها في التعامل مع الخارجين عن القانون. ومنح الرئيس الحكومة أكثر من مهلة زمنيّة لملاحقة المتهمين بالاعتداء على أنابيب النفط وخطوط الطاقة وقد اعتبرها مهمّة عاجلة. لكن الاعتداءات استمرّت في تحدّ محرج ومحيّر في الوقت ذاته لقدرة حكومة تدفع مرتّبات شهريّة لمئات الآلاف من أفراد وضباط الجيش والشرطة، ثم تعجز عن القبض على عشرات الأفراد المعروفين بالإسم والعنوان. وأكثر ما يدفع إلى الحيرة هو تفكيك لواء عسكري من محافظة مأرب وتوزيع أفراده على معسكرات عدّة بعد نجاحه في الحدّ من حمل السلاح واستخدامه، في واحدة من أكثر محافظات اليمن خروجاً عن سيطرة الدولة.

والأمر ذاته حدث مؤخراً مع قائد لواء عسكري في محافظة تعز نجح في كشف صفقات عدّة لأسلحة مهرّبة إلى اليمن تحصى بالآلاف.  وتمّ استبدال قائد اللواء بآخر، من دون الإفصاح عن الأسباب. لكن المؤشرات لا توحي بأكثر من نفوذ مهربّي السلاح وتجّار الحروب الذين اتهمهم الرئيس عبد ربه منصور هادي سابقاً بالضغط على الدولة من خلال الاعتداء على خطوط النفط والطاقة، عندما ضيّقت عليهم الخناق وحدّت من أنشطتهم لصالح الدولة. إلى ذلك فاجأ قائد القوات الجويّة اللواء الركن الطيار راشد الجند الرأي العام قبل شهرَين تقريباً بإعلانه أن طائرات سلاح الجو التي يتمّ إسقاطها، تُستهدف من الأرض بأسلحة ناريّة، وأن الأجهزة الأمنيّة لم تقم بالدور المفترض بها حيال ذلك.

من جهة أخرى، حصلت اليمن على تعهّدات من قبل المانحين قاربت ثمانية مليارات دولار أميركي. لكنها ما زالت بمعظمها مجرّد وعود لم يعلم سبب النكث بها. فالمانحون –من وراء الأبواب المغلقة- يلقون اللوم على الحكومة اليمنيّة التي فشلت فيها وزارة التخطيط والتعاون الدولي في وضع خطط استيعابيّة للدعم المعلن مسبقاً. وعلى الرغم من أن الوزارة أعلنت مؤخّراً عن انتهائها من وضع خطط تستوعب معظم التعهّدات المعلنة، إلا أن الوضع لم يتغيّر على الأرض وما زال ميزان المدفوعات في الموازنة العامة أثقل من ميزان الإيرادات، وهو ما نقل موجة عدم الرضى عن أداء الحكومة من الشارع اليمني إلى طاولات المانحين أنفسهم، مانحي المجتمع الدولي الذي يلعب دوراً محورياً في اليمن حالياً والذي أتت الحكومة اليمنيّة بناءً على مبادرته السياسيّة. ففي مؤتمر أصدقاء اليمن الأخير في لندن، عبّر البيان الختامي عن قلق من ارتفاع المصروفات في ميزانيّة الحكومة اليمنيّة بخاصة تلك المتعلقة بالرواتب ودعم المشتقات النفطيّة، منتقدا في الوقت نفسه بطئها في الإصلاحات الضريبيّة وداعياً إياها إلى الإسراع في تقديم خططها لاستيعاب أموال المانحين. إلى ذلك، ما زال الجهاز الفني لاستيعاب أموال المانحين الذي أنشئ بقرار جمهوري بلا قيادة حتى الآن، بسبب تباينات ما بين المانحين ووزارة التخطيط اليمنيّة. وبغضّ النظر عن هويّة المتسبب بها، فهي بالتأكيد تأتي ضدّ مصالح المواطنين اليمنيّين ولا أحد سواهم.  

في وضع كهذا، تظهر علانيّة صراعات الأحزاب المشاركة في الحكومة على تعيين كوادرها في مناصب قياديّة، كما حدث مع تعيينات وكلاء وزارة الماليّة قبل أسابيع وما تلاها من احتجاج من قبل الحزبَين الناصري والاشتراكي على استئثار شريكهما في تكتّل اللقاء المشترك (حزب الإصلاح الإسلامي) بالمناصب المشار إليها آنفاً. كذلك تشنّ بعض القوى المتحالفة حملات تشويه ضدّ وزراء من أحزاب حليفة لها، تكشف الأيام أنها أتت بدوافع منع أو احتكار مصالح كانت تتمتّع بها، أو أنها تحاول الحصول عليها، ما يخلق انطباعاً متزايداً لدى الرأي العام بأن القوى التي آلت إليها السلطة غير جديرة بها وهي غير أمينة على مصالح المواطن، وهي قد نست كذلك كل خطاباتها الثوريّة بمجرد أن وطأت أقدامها سجّاد السلطة الوثير وتفرّغت للعمل لمصلحة أحزابها أفراداً وجماعات.

بالنسبة إلى سخط الرئيس من أداء الحكومة، فهو يأتي واضحاً وقد عبّر عنه إعلامياً. لكن طبيعة وتركيبة الحكومة المشكّلة من قوى متصارعة على الأرض، ودفاع رئيس الحكومة عن بعض مواقفها وظهوره بشكل ضعيف ومهتزّ لا يستطيع الدفاع عن سياسة حكومته ولا يمتلك الشجاعة للاستقالة وترك الفرصة لسواه، بالإضافة إلى خوف هادي من انفراط عقد التوافق الوطني الذي ينتظره الكثيرون، كل ذلك منع الأخير من إقالة الحكومة أو حتى تغيير بعض وجوهها.

ما زالت الحكومة تلقي اللوم في كلّ ما يواجهها من إخفاقات على النظام السابق، سواء إرثه الذي تركه لها من فساد وإفلاس أو ما يمارسه حالياً –بحسب تصريحات وزرائها– من تآمر لإفشالها. وعلى الرغم من أننا نجد بعضاً من المنطق في ما تشير إليه، إلا أنه لا يرقى ليصبح شمّاعتها الجاهزة لتعليق كل فشل أو سوء استخدام للسلطة. فموازين القوى قد تغيّرت لصالحها، والرأي العام إلى جانبها في حال لمس مصداقيّة في خطابها أو أدائها.

ولعلّ أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذا المشهد من جرّاء ضعف الأداء الحكومي بخاصة على الصعيدَين الأمني والاقتصادي، هو تشكّل قوى بدائيّة على رافعة دينيّة أو مناطقيّة وفقاً لقانون الفراغ الفيزيائي الذي عجزت الحكومة عن ملئه والذي لا يمكن له إلا أن يمتلئ من دون السؤال عن طبيعة المادة التي تملؤه ولا عن مصدرها.

ربما تكون الأمثلة التي تدلّ على قصور أداء الحكومة اليمنيّة الحاليّة قد انحصرت في أداء الوزارات التي يشغل حقائبها وزراء قادمون من رحم الثورة الشبابيّة، أو بشكل أدقّ من القوى التي وجّهت موجة الشباب ثم أحكمت السيطرة على الحكومة بدلاً عنهم. وفي حين يبدو غضب الشارع اليمني بغالبيّته كأنه يوجّه نحو هؤلاء الوزراء الذين كانوا في صفوف المعارضة قبل العام 2011، إلا أن هذا لا يعني أن وزراء النصف الآخر الذين يمثّلون الحزب الحاكم سابقاً (المؤتمر الشعبي العام) يقومون بعمل أفضل بأي شكل من الأشكال. لكن ذلك يعبّر عن أن آمال الشارع اليمني وسقف طموحاته وتوقّعاته كانت متعلّقة بأداء وزراء القوى الثوريّة الذين لم يجرّبهم بعد بل سمع خطاباتهم ضدّ فساد عهد صالح ورجال حزبه، فظنّ أنهم على نقيض ذلك وأنهم سيكونون طوق نجاته من الفساد واستغلال السلطة. فكانت خيبة أمله فيهم أكبر، ما دفع بالشارع اليمني بشكل أو بآخر إلى المقارنة بين حكومة الوفاق وبين سابقاتها من حكومات عهد صالح. وهذا آخر ما تحتاجه السلطة الحاليّة سواء رئيس الجمهوريّة أو الحكومة التي يمتعض منها من دون القدرة على اتخاذ إجراء ضدّها قد يحوّل سهام قواها ضدّه وضدّ عمليّة الانتقال السياسي للبلاد برمّتها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

مصالحة وطنيّة بنكهة الحرب
ميساء شجاع الدين | | أغس 21, 2014

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض الخليج

al-monitor
السودان... بقاء رمزيّ في اليمن لحفظ ماء وجه التحالف
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | فبر 3, 2020
al-monitor
كيف تسير المشاورات السعوديّة مع الحوثيّين؟
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | نوف 26, 2019
al-monitor
حوار جدّة... تأصيل للتواجد السعوديّ-الإماراتيّ بوجوه يمنيّة
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 23, 2019
al-monitor
التحالف... جاء لاستعادة الشرعيّة في صنعاء فأسقطها في عدن
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 4, 2019