نبض لبنان

نظرية المؤامرة : هل إنتقلت العدوى إلى تركيا ؟

p
بقلم
بإختصار
تعودت مجتمعتنا العربية على نظرية المؤامرة وكأني بها تجد فيها ملاذاً لتبرير تقاعسها للقيام بما يلزم من أجل اللحاق بقطار الحداثة، وربما أخذتها بشكل غير واع عن أنظمتها التي جعلت منها قاعدة لمشروعيتها و ركيزة لإعلامها الترويجي ولبروباغندا الفريق الحاكم. ولكن أن تنتقل العدوى الى الحكومة التركية والى شخص رئيسها رجب طيب اردوغان، هذا ما يثير الإستغراب والدهشة في آن. فها بالرجل الذي وضع...

تعودت مجتمعتنا العربية على نظرية المؤامرة وكأني بها تجد فيها ملاذاً لتبرير تقاعسها للقيام بما يلزم من أجل اللحاق بقطار الحداثة، وربما أخذتها بشكل غير واع عن أنظمتها التي جعلت منها قاعدة لمشروعيتها و ركيزة لإعلامها الترويجي ولبروباغندا الفريق الحاكم. ولكن أن تنتقل العدوى الى الحكومة التركية والى شخص رئيسها رجب طيب اردوغان، هذا ما يثير الإستغراب والدهشة في آن. فها بالرجل الذي وضع تركيا على طريق النمو الإقتصادي، وقام بخطوات سديدة في مجال الإصلاح الدمقراطي إن كان لجهة الحد من سلطة العسكر على المؤسسات الدستورية أو لجهة تقليص نفوذ القضاة في الحياة السياسية، ينتفض غاضباً أمام أحداث ساحة تقسيم وإنهيار الأسوق المالية التركية الذي تبع، مندداً بالمؤامرة الخارجية التي تحاك من قبل "أعداء تركيا" ومن قبل ما سمي ب"لوبي اسعار الفائدة".

أن يكون لتركيا الصاعدة سياسياً وإقتصادياً خصوماً أشاوس ، هذا لا شك فيه، وأن يحاول بعض من يصارعها النفوذ على منطقة الشرق الأوسط الإصطياد في الماء العكر والإستفادة من أدنى فرصة متاحة من أجل زعزعة حكم اردوغان الذي واجه اسرائيل وإيران، على حد سواء وإن بطرق مختلفة، هذا أيضاً إحتمال أكثر من وارد ؛ ولكن أن يتم التعامي عن مشاكل اساسية بنيوية يعاني منها المجتمع والإقتصاد التركيين، والتلطي وراء أتهامات ضبابية من أجل القفز فوق ضرورة إصلاحات  أو تصحيح في إداء الحكم، فهذا مدعاة للتعجب من قبل فريق حاكم لطالما اتسم بالعقلانية.

ان تراجع مؤشر بورصة أسطنبول بنسبة 21% عن مستواه منذ أيار الماضي وتدهور سعر صرف الليرة التركية التي فقدت 8% من قيمتها يعود أولاً الى أسباب ظرفية تتعلق بالإقتصاد الدولي قبل أي شيء آخر وعلى وجه التحديد مرتبطة بتلك الأنباء التي تداولتها الاوساط المالية والمصرفية عن نية لدى المصرف الفدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة. وتجدر الإشارة أن هذه الأنباء تبني على تصريحات مقتضبة لحاكم المركزي الفدرالي نفسه بن برنانكي الذي يؤشر فيها الى عزمه على تخفيض سياسة التيسير الكمي التي تتملت بشراء ما يعادل ال85 مليار دولار من سندات الخزينة على قاعدة شهرية. الواقع أن هكذا قرار كان متوقعاً عاجلاً أو آ جلا من قبل السلطات المالية الأميركية خاصة بعد بروز مؤشرات لعودة ولو خجولة للنمو حيث لا يمكن الإستمرار الى ما لا نهاية في هذه السياسات النقدية الغير تقليدية لما قد تسببه من تضخم وتآكل للقدرة الشرائية.

ولا يغيب عن بال أحد أن الأقتصادات الناشئة مثل تركيا والهند والبرازيل كانت أبرز المستفدين من استراتجية الضخ الكمي لا سيما لجهة أنخفاض أسعار الفائدة في ما يسمى الإقتصادات النامية فراحت رؤوس الأموال تتدفق اليها بحثاً عن مردود أعلى. وكان هذا سبباً أساسياً لوثبتها الإقتصادية ولخروجها السريع من نفق الأزمة المالية العالمية. و كان لا بد لفترة السماح هذه أن تتوقف عند اعلان الفدرالي الأميركي عن رفع أسعار الفائدة. فكل فرصة مهما طالت لها زمن محدود لا يمكن الركون اليها وكأنها معطى إقتصادي ثابت. وهنا بيت القصيد. فما أن تم التداول في امكانية إرتفاع أسعار الفائدة حتى تحولت بعض رؤوس الأموال عن هذه الإقتصادات وهذه حركة طبيعية للاسواق  فكان للامر تداعياته لا سيما على تلك الدول التي لم تستفد من الفرصة المتاحة للمضي بإصلاحات هيكلية أو تلك التي تعاني من ظروف سياسية أو إقليمية ضاغطة كتركيا مثلاً.

فالأقتصاد التركي الذي حقق نمواً مطرداً في العقد الأخير حتى عام 2012 متجنباً تداعيات الأزمة المالية العالمية يعاني من مشاكل بنيوية أولها حجم عجز ميزان مدفوعاته وطريقة تمويله. فتركيا إعتمدت وما زالت على الإستثمارات المتدفقة من الخارج وعلى المحفظات القصيرة الأجل من أجل تمويل هذا العجز. فاستقطاب رؤوس الأموال كان  حجر الأساس في استراتجية أردوغان الأقتصادية بهدف إطلاق النمو و تحويل اسطنبول الى مركز مالي عالمي. ولا شك أن المعطيات الإقتصادية اليوم لا تسهل مهمته كما كان الحال في الفترة السابقة. وهي تشكل عائقاً أساسياً أمام إطلاق دورة النمو الذي بلغ مؤشره حدوده الدنيا العام الماضي ونتائج أول فصليين (3%)من العام الحالي لم تبلغ توقعات ال 4% . فبداية ارتفاع اسعار الفائدة عالمياً بالإضافة إلى نمو عجز ميزان المدفوعات وتنامي الدين الداخلي بوتيرة عالية، تشكل أسباباً موجبة تدفع بإتجاه رفع معدلات الفائدة على السندات التركية وليس العكس. أما إصرار رئيس الحكومة على تخفيض سعر الفائدة لا يمكن تبريره على قاعدة المعايير السليمة للحوكمة الإقتصادية، ويشكل تعدياً واضحاً على مبدأ استقالالية البنك المركزي وهي القاعدة الذهبية لإقتصاد السوق. لا بل الأسلوب المنتهج القائم على الإصرار على الخطأ والتنكر للواقع  والمغالاة في نظرية المؤامرة قد يعمق أثار الأزمة بدل معالجتها.

فالقرار بفتح تحقيق مالي من أجل الكشف عن العمليات التي آلت الى هروب رؤوس الأموال ، والتصريحات التي حصرت مسؤلية إضطرابات الأسواق المالية ب"لوبي أسعار الفائدة" لم يعرف عن هوية أعضائه سوى أنهم من مجموعة من مصرفيين وإقتصاديين وصحافيين غربيين؛  لا تشكل عناصر إطمئنان للمستثمرين انما على العكس من شأنها أن تزيد من وتيرة هروب رؤوس الأموال في لحظة تاريخية الإقتصاد التركي بأمس الحاجة إليها.أضف على ذلك، وأياً تكن الأسباب الكامنة وراء إعتصامات ساحة تقسيم، فإن طريقة معالجتها لم تساهم في تثبيت الإستقرار وعودة الثقة إلى الأسواق انما على العكس إستحضرت إنتقادات أوروبية وأميركية كان أبرزها الموقف الصادر عن المستشارة الأللمانية ميركيل. العالم ينظر مجدداً الى تركيا بشيء من القلق وقد تبددت عن وجوه الشركاء سمات الإعجاب وما عادت تتردد على شفاههم كلمات الإطراء التي تشيد بالنموذج التركي.

إن النموذج التركي اليوم في عين العاصفة ، خاصة مع بداية انحسار موجة الإسلام السياسي وصعود أسعار الفائدة عالمياً. فالنهضة التركة الحديثة، وبروز نجم اردوغان كايقونة تجسدها، ارتكزت أساساً على النمو الإقتصادي المطرد لتركيا - وأسعار الفائدة المنخفضة التي كانت أبرز محفزاته. على هذه الرافعة الإقتصادية المتماهية مع قواعد الإقتصاد الحر والذي يشكل حجر أساس في منظومة الحداثة والعولمة التي تلها ،استندت منظمات الإسلام السياسي مثيلات الأخوان المسلمين. ومازال قاطناً في الأذهان مثلاً بيان أول حكومة لمرسي بعد ثورة يناير فجاء أكثر تلاقياً مع مبادىْ إقتصاد السوق من كل الحكومات المصرية منذ العهد الناصري. وكأني بها تسعى من خلال ذلك إظهار قدرتها على رفع التحدي الإقتصادي ومحاورة العالم. ولكن لم ترقى هذه المواقف الى مستوى الأفعال والخطط التنفيذية بل شابها إلتباس بلغ حد التناقض قاد بها في المحصلة الى العزلة والقطيعة مع القواعد التي حملتها.

صحيح أنه من المبكرالحكم بشكل قاطع ونهائي على هذه المنظمات ولكن التجربة المصرية تشير - وحركة 30 يونيو أفضل تعبير على ذلك - إلى فشلها في تجربة الحكم لا سيما لجهة الإستئثار بالسلطة وعدم القدرة على مواجهة التحديات الإقتصادية. أما أداء أردوغان مؤخراً وقد ظهر بمثابة العراب لهذه المنظمات لم يبدد الشكوك بشأنها إنما على العكس. فمواجهة التحديات البنيوية لا يكون بالهروب الى نظرية المؤامرة والتصعيد الكلامي. فالعقلانية ومنطق المشاركة مطلوبين في أيام العسر أكثر منه في أيام اليسر. أحب الغرب أردوغان لأنه قدم صورة لإسلام دمقراطي ومثالأ للنجاح الإقتصادي. تصرفاته مؤخراً لم تعزز هذه الشعور. أما العرب الذين أعجبوا بتجربة حزب العدالة وتنمية في الحكم، وفرحوا لعودة تركيا إلى عمقها الإستراتجي وجذورها الإسلامية، وبشجاعة أردوغان في مواجهة الصلف الإسرائيلي بدأ يساورهم الشك حين بدا هذا الأخير داعماً للقذافي الذي يجمع العرب على كرهه، ومدافعاً عن شرعية مرسي في وجه الثورة الثانية، وعاجزاً عن أي خرق في الموضوع السوري فهنا أيضاً لم يفلح سوى بالتصعيد الكلامي والركون إلى نظرية المؤامرة ، مستنسخاً أسلوب الأنظمة التي إنتقدها ودعا إلى إسقاطها. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey, erdogan, angela merkel

الدكتور سامي نادر خبير اقتصادي ومحلل لشؤون الشرق الأوسط وخبير في الاتصالات. ويتمتع بخبرة تزيد عن 25 عامًا في مجالات التواصل الاستراتيجي وعلم الاقتصاد التنموي وإدارة المالية العامة وبرامج السياسة العامة، بما في ذلك خطط الصحة الوطنية، والخطط التقاعدية، وبرامج الحد من الفقر. لنادر خبرة واسعة في استراتيجيات الشركات وإدارة المخاطر ويدير حاليًا "مركز المشرق للدراسات الإستراتيجية"، مركّزًا على الشؤون الاقتصادية والجيوسياسية للمشرق. نادر أستاذ في جامعة القديس يوسف في بيروت وغالبًا ما يطل على شاشات المحطات العربية والدولية كالـ"سي أن أن" و"العربية" و"سكاي نيوز" و"فرانس 24" و"الجزيرة" و"الجزيرة الإنجليزية" والـ"أل بي سي" والـ"أم تي في" و"أي أن بي" و"المستقبل الإخبارية" و"قناة أبو ظبي" و"قناة دبي" و"روسيا اليوم" بصفته محللًا للشؤون الاقتصادية والجيوستراتيجية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept