نبض فلسطين

شباب غزّة يصنعون مبادراتهم الخاصة للهروب من واقعهم

p
بقلم
بإختصار

الدين والسياسة والموسيقى والفلسفة.. مواضيع تناقشها مجموعة من الشباب اعتادوا التجمّع على أرض تابعة لنادي "النصر العربي" في حيّ النصر في غزّة، يطلقون على نفسهم اسم "مجموعة فراغ". وغالباً لا تجد غيرهم في هذا المكان، إذ إنه ليس مقهى بل مجرّد بقعة رمليّة وضعوا عليها بعض الكراسي في ترتيب بسيط يتناسب مع مع وضعهم كأبناء "طبقة كادحة"، يحسب ما يصفون أنفسهم.

عادة ما تعقد لقاءاتهم نهاراً مرّة في الأسبوع، لكن التوقيت تغيّر في شهر رمضان فراحوا يجتمعون في ساعة متأخّرة ليتعذّر على شابات المجموعة المشاركة.

ويشير أحمد شحادة (25 عاماً) في لقاء حضرته مراسلة "المونيتور"، إلى أن مجموعتهم تسعى إلى التأثير الفكري على المجتمع، لذلك أسّسوا صفحتهم الإلكترونيّة لمنقاشة الأحداث وآخرها أزمة مصر.

ويقول شحادة إن ما يميّز جيلهم هو امتلاكه كماً هائلاً من مصادر المعرفة لم تتوّفر للأجيال السابقة، ما سيجعلهم في خلال أقلّ من عقد من الزمن يحكمون المنطقة العربيّة.

ويتّفق معه عزيز لولو (20 عاماً) الذي يحب أن "يفلسف" الأمور كما يبدو. فيرى أن جيلهم يراقب العالم من وراء شاشة الحاسوب من خلال موقعي "يوتيوب" و"فيسبوك"، ما يجعله أكثر وعياً من غيره، على الرغم من أن رصيده الثابت من الفراغ ازداد. ولذلك تأتي مثل هذه المبادرات لتعبئته.

يبدو عبدالله شحادة (20 عاماً) شقيق أحمد مندفعاً، لكنه يفضّل وصف نفسه بالمزاجي. هو يرى في مجموعتهم بديلاً وردّة فعل لما يعانونه كشباب من تهميش في مجتمع غزّة، ويلفت إلى أنه وعلى الرغم من سيرته الذاتية الجيّدة ومتابعته لعامين دراسة إدارة المؤسّسات الأهليّة، إلا أن عمله متقطّع ولفترات قصيرة.

يضيف "إن جلوسنا ثمانية شبان مع بعضنا البعض يعطينا ثمانية طرق مختلفة في التفكير. ومن دون ذلك، فإن حقدنا على ضياع الفرص سيتزايد".

بالنسبة إلى صديقهم محمود التالولي (21 عاماً) الذي جاء إلى غزّة من سوريا مع عائلته والذي يحلم بالرجوع إليها، فإن المجموعة جاءت ببساطة لتعبئة أوقات الفراغ بالفكر والقراءة. ومن هنا كان اسمها "فراغ".

أحمد المدوخ (25 عاماً) هو المحظوظ بينهم بحسب ما يجمع رفاقه، إذ إنه الوحيد الذي التحق بوظيفة ثابتة. يخبر أنهم قرأوا عشرات الكتب وطرحوها للنقاش في محاولة لتحريك الكسل الفكري الذي زاد من حدّته الحصار وتسبّب في تكرار الأفكار وانغلاقها.

أما سليم المبيّض (22 عاماً) فيقول إنهم كمجموعة يحاولون نشر ثقافة "الصحّ" وزرعها في عقول الشباب بدلاً من التحزّب والتطرّف الديني والاجتماعي، معتبراً أنهم أحيانا يخوضون جدالاً طويلاً ومتعباً على صفحتهم الإلكترونيّة.

أعضاء المجموعة بغالبيّتهم يقيّمون أحلامهم بالعاديّة، التي تقتصر على الوظيفة والزواج. لكن في دواخلهم، أمنية بتغيير الواقع الذي تُعتبَر فيه فئة الشباب أكثر الفئات فقراً.

لا يرى محمود ديبة (20 عاماً) أنه قادر على تغيير شيء في المجتمع الغزّي، لأنهم كشباب غالباً ما يعانون التهميش ويتمّ التشكيك في قدراتهم. لذلك هو يتطلّع إلى السفر حيث تنتظره فرص حقيقيّة. لكن أحمد شحادة سرعان ما يردّ عليه رافضاً الفكرة ومعتبراً أن من خرج من غزّة كان يبحث عن حريّة شخصيّة فقط.

بين الحين والآخر، يبدو الإصغاء إلى المجموعة صعباً بسبب مباراة كرة قدم تُقام على أرض النادي وأصوات تشجيع الجماهير المرتفعة. لكن على الرغم من ذلك يستمرّ الحديث في حين تعلو الأغاني الصوفيّة التي تصدح من أحد هواتف الشبان المحمولة.

حديث الطموحات يتابعه المدوخ قائلاً أنه حقّق الكثير في وظيفته التي لم تبعده عن اهتمامه بالسياسة ولكن ليس الأحزاب. يوافقه لولو في ابتعاده عن التحزّب، ثم يصف نفسه بالمغامر. ويتابع أنه غير قادر على تقييم نفسه كعضو في المجتمع لأنه لا يعمل، لكنه يلفت إلى أنه ومن المرجّح يمثّل البورجوازيّة الصغيرة.

بحسب دراسة أصدرها منتدى شارك الشبابي بعنوان "تقرير واقع الشباب الفلسطيني-عام 2013"، فإن نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 عاماً، تبلغ 29.8% من إجمالي سكان الأراضي الفلسطينيّة المحتلة في العام 1967. وربع الشباب يعانون  الفقر، وثلثهم البطالة.

بالنسبة إلى المبيّض، فإن المجتمع يتحوّل نحو الماديّة المقيتة فيتمّ تقييم الشخص بكبر راتبه ووضعه المادي. لكن عازف العود أيمن أبو عبدو وهو أكبر أعضاء المجموعة سناً، يخالفة الرأي. فهو يرى أن تقييم الشخص في مجتمع غزّة نسبيّ، وثمّة نظرة ظالمة للشباب بخاصة حين يكون الشاب فناناً أو كاتباً.

المجموعة متشائمة من المستقبل، لذلك يسعى شبابها إلى تكوين عالمهم الخاص، ما عدا أحمد شحادة ومحمد ديبة (21 عاماً) المتفائلَين جداً واللذَين يريان أن الأحزاب المتواجدة اليوم هرمت ولم تعد تعبّر عنهم وهي ستنزاح لتأتي بدلاً عنها أحزاباً شابة.

مبادرة " فينا الخير"

في شارع الجلاء، وفي مكان ليس ببعيدً عن حيّ النصر حيث تعقد المجموعة الأولى لقاءاتها، يقف أحمد فياض (24 عاماً) وهو يحمل  حقائب بلاستيكيّة صغيرة تحتوي كلّ واحدة منها علبة عصير وبضع حبّات تمر. فيناولها إلى كلّ مواطن في الشارع لم يلحق موعد الإفطار بعد صيام أكثر من خمسة عشر ساعة.

تتوقّف السيّارات حتى لو كانت مسرعة، ليأخذ سائقها هذه التمرات. فالبدء بها لكسر الصيام، سنّة إسلاميّة.

إلى جانب أحمد، يتوزّع ستّون شاباً آخرين على ستّ مناطق في غزّة للقيام بالمبادرة ذاتها التي حملت اسم "فينا الخير". أما الشابات فقد كان لهن دوراً نسائياً نمطياً، بحيث قامت ثلاثون منهنّ بتغليف العصير والتمر في الحقائب البلاستيكيّة.

والقائم على هذه المبادرة هو نادي إسلامي يحمل اسم "صُنّاع الحياة"، أما المسؤول عنه فهو إسحاق العوضي الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. هو لا ينكر أن ميوله إسلاميّة، ولكنها لا تأتي في إطار أي حزب. وبحسب ما يقول لـ"لمونيتور"، فإن المبادرات التي يقوم بها النادي هي تطوعيّة وتركّز على مفاهيم المحبّة والتآخي. ويوضح أن التطوّع مفتوح ويتجدّد في كلّ شهر وهو متاح لجميع الشباب من جميع التيارات. أما الدعوة للمشاركة به فتتمّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الأدب والنشر

إذا كان النقاش الإلكتروني أسلوباً تعتمده المجموعة الأولى "فراغ" للتغيير، والنزول إلى الشارع طريقة نادي "صنّاع الحياة"، فثمّة من يرى في الكتابة وسيلة لتغيير المجتمع.

في مؤسّسة "تامر" للتعليم المجتمعي يلتقي شبان وشابات يبدو أنهم من طبقة اجتماعيّة ذات دخل جيّد، يحضّرون لمخيّم أدبي في خلال شهر رمضان يطلقون عليه اسم "أيام أدبيّة". وفي هذا المخيّم الذي يستمرّ أربعة أيام، يركّز المشاركون فيه على موضوع الهويّة الفلسطينيّة.

في خلال اجتماع تحضيري حضرته مراسلة "المونيتور"، كان النقاش يدور حول مراحل المخيّم. فهؤلاء الشباب سيلتقون بأشخاص من كبار السنّ الذين يروون حكاياتهم عن هجرة 1948، كذلك ستكتب كلّ مجموعة منهم عن قرية فلسطينيّة، ليقدّموا عرضاً مسرحياً في هذا الخصوص بالإضافة إلى مواد مكتوبة. والمشاركون في هذا المخيّم الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 عاماً، وتجمعهم كتابة الشعر والقصةّ القصيرة.

غدير (15 عاماً) ورنا (16عاماً) من هذه المجموعة. الأولى تكتب الشعر أما الثانية فالقصّة القصيرة، وقد نشرتا نصوصهما في ملحق "يراعات" الذي يصدر مع جريدة "الأيام". لكن الإشارة تجدر إلى أن الملحق يصل غزّة من دون الجريدة التي يحظّر دخولها القطاع. وتشير الشابتان إلى أن تركيزهما على الكتابة خلق لديهما ثقة بتأثير الأدب والنشر.

بالنسبة إلى الشباب الأكبر سناً، يبدو أن الواقع صدمهم مبكراً. هالة عاشور (18 عاماً) حصلت على نتائج شهادة التوجيهي الأسبوع الماضي، وعلى الرغم من أن معدّلها 90% إلا أنها لن تستطيع الالتحاق بكليّة الطب.. حلم حياتها. فالانتساب إليها يتطلّب معدلاً أعلى. وتقول إن الخيارات الدراسيّة الأخرى قليلة جداً، مرجّحة دراسة الصيدلة. وتلفت إلى أن مجموعة "يراعات" ونشرها لنصوصها الأدبيّة ساهما في تحسين قدرتها على التعامل مع الواقع.

من جهته حصل سيف سكر (18 عاماً) على معدّل 94%. يقول "لا أعرف ماذا سأدرس حتى الآن، ولكن ذلك سيكون بالتأكيد في دولة غير عربية". فقد حان وقت التغيير والسفر". لكن بالنسبة إليه، تبقى "يراعات" بيته الإبداعي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : poverty, unemployment, palestinian, gaza, future, education

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept