نبض فلسطين

النَوَر في غزّة تاريخ من الفنّ.. والعنصريّة

p
بقلم
بإختصار
في الخزانة القديمة، يظهر طرف بذّة رقص شرقي على قماشها الكثير من الرسومات البرّاقة لكن السنين جعلتها باهتة.. بذّة رقص لم تعد زهور ترتديها منذ مدّة طويلة، تحديداً منذ بدء الانتفاضة الثانية في العام 2000. ولأنها كانت ترقص، تأتي مشاعر زهور مزيجاً من فخر وذنب. فتقول "تعلّمت الرقص وحدي وكنت راقصة ماهرة. بدأت أرقص مذ كنت في السادسة عشر من عمري"، ثم تستدرك  "أنا تبت والحمدلله، وأصلّي الآن"....

في الخزانة القديمة، يظهر طرف بذّة رقص شرقي على قماشها الكثير من الرسومات البرّاقة لكن السنين جعلتها باهتة.. بذّة رقص لم تعد زهور ترتديها منذ مدّة طويلة، تحديداً منذ بدء الانتفاضة الثانية في العام 2000.

ولأنها كانت ترقص، تأتي مشاعر زهور مزيجاً من فخر وذنب. فتقول "تعلّمت الرقص وحدي وكنت راقصة ماهرة. بدأت أرقص مذ كنت في السادسة عشر من عمري"، ثم تستدرك  "أنا تبت والحمدلله، وأصلّي الآن".

والرقص ليس السبب الوحيد الذي يجعل زهور (31 عاماً) تشعر بتناقض الاعتزاز والعار، بل كونها من "النَوَر" أيضاً. وهذه حكاية أخرى. فتقول زهور "أفتخر بأني نوريّة، وأقول هذا علناً. أحياناً أشعر بتردّد بسبب ردّة فعل الناس الصادمة، ولكني أعود لأتشجّع وأرفع رأسي وأعترف بأنني نوريّة".

والنَوَر أو "الدومر" هم جزء من الغجر حول العالم والذين ينقسمون إلى غجر الروم في أوروبا، والدومر في الشرق الأوسط. ويختلف الاسم الذي يطلق عليهم بحسب البيئة التي يستقرّون فيها.

زهور ليست الوحيدة في عائلتها التي لديها تاريخ مع الرقص. فعمّتها فريال كانت تحيي الأفراح من خلال رقصها الشرقي في منازل كثيرة تتوزّع ما بين شمال القطاع وجنوبه. وهي كانت تملك عشرات من بدلات الرقص بمختلف الألوان، وتكسب مبالغ كبيرة من المال.

دينا، شابة نوريّة أخرى تؤكّد أن الراقصة عند الغجر ذات أخلاق حميدة. فهي ترقص ومن ثم ترجع إلى البيت، من دون أن يكون لها علاقات مع الرجال. هي تحافظ على أخلاقها بحسب ما كانت والدتها تخبرها. فالفنّ والغناء جزء من تراثهم، إلا أن دينا تحاول التملّص من هذا التاريخ إلى حدّ ما وتقول أنه تسبّب بعزلة النَور وظلمهم. وتلفت قائلة "أمشي في الشارع فأسمع همسات الناس: هذه نوريّة يعني راقصة أخلاقها فاسدة. يجرحني ذلك كثيراً لكني أحاول أن أتناسى".ودينا (20 عاماً) لا تعاني فقط العزلة والعنصريّة، إذ نادراً ما تخرج من منطقتهم التي تسمّى بحارة "النَوَر" وتقع شمال القطاع. فثمّة معاناة أخرى في الحبّ أيضاً، تأتي مضاعفة بالنسبة إليها كنوريّة. فبعد علاقة حبّ استمرّت ثلاث سنين مع شاب ليس من النَوَر، اضطر حبيبها أن يتركها لأن عائلته رفضت زواجه من "نورية". فانفطر قلبها.

سالم (19 عاماً) شقيق دينا، ربما كان أكثر "خبثاً" منها. فهو بحسب قوله يخفي عن حبيبته أنه من النَوَر. يقول "إذا عرفت أنني نوري، فأنا متأكّد من أنها ستتخلى عني.  في مجتمعنا تتغيّر المعاملة بمجرّد أن تنكشف أصولي. وقد عانيت كثيراً في المدرسة بسبب هذا التمييز".

تختلف الآراء بشأن تاريخ الغجر وأصولهم. وبحسب ما تفيد الموسوعة الإلكترونيّة "ويكيبيديا"، فإن أحد تلك الآراء يقول بأنهم أصلاً من شعوب الهند وإيران ومناطق وسط وجنوب آسيا، وقد هاجروا من أراضيهم حوالى القرن الرابع ميلادي. ومن معتقداتهم أن أجداد البشريّة ثلاثة رجال، أحدهم أسود وهو جدّ الأفارقة، وآخر أبيض وهو جدّ الأوروبيّين وأمثالهم من البيض، والأخير هو جدّ الغجر. وهذا الجدّ يُسمّى "كين"، وقد قتل شقيقه فعاقبه الله بأن جعله هائماً في الأرض هو وذريّته من بعده.

أسمهان أيضاً نوريّة، وهي لم تخسر حبيباً بل خسرت عملها أيضاً. فقد أخفت عن زملائها هويّتها ولكن حين دعتهم إلى حفل زفافها من قريب لها، أدركوا على الفور من هي. فالنَوَر عاداتهم مختلفة عن أهالي غزّة، لأن أعراسهم مختلطة وهم يغنّون فيها ويرقصون ويعزفون.

وتخبر أسمهان (22 عاماً) "انقبض قلبي وأنا أجلس على كرسي العروس. شعرت بوجوههم وقد تغيّرت ملامحها. عرفوا أني نوريّة، ومنذ ذلك الوقت لم أرجع إلى العمل". تضيف "وضعنا المادي صعب، وأنا أعتبر أن آباءنا ظلمونا لأنهم اختاروا الفنّ مهنة لهم. فنحن في نظر المجتمع سيّئات خلق ودين، على الرغم من أنه في الماضي كان هذا المجتمع يعتبرنا مثالاً بإبداعنا وأخلاقنا".

وتتّفق أسمهان وزهور ودينا على أن غزّة تغيّرت. لم يعد هناك من يرضى من أبناء الجماعات الأخرى بالزواج منهنّ على الإطلاق، على الرغم من أن ذلك كان يحدث في الماضي. فالأحكام الأخلاقيّة والدينيّة والعنصريّة إزدادت تزمّتاً.

النَوَر في قطاع غزّة غير ممثّلين في السلطة التشريعيّة ولا في الأحزاب ولا في المؤسّسات، وهم لا يستفيدون من المساعدات التي تخصّص لأهالي القطاع وكأن منطقتهم غير مرئيّة بالنسبة إلى المجتمع والحكومة على حدّ سواء. لذلك فإن بعض نسائهم يمتهنن التسوّل في الشوارع في حين يعمل الرجال في الـ"فدعوس" وهي فرق شعبيّة لإحياء حفلات الزفاف، تتكوّن حصراً من ذكور يعزفون على الطبول ويرافقون سيارات العروسَين أو الثنائي الجديد بمجرد دخوله صالة العرس في ما يسمى بـ"الزفة".

يتحدّث النَوَر مع بعضهم البعض بلغة مختلفة تُعرَف باللغة النوريّة. وتوضح زين (40 عاماً) وهي إحدى النَوريات لـ"المونيتور" أنها لغة هنديّة يتعلّمها الصغير بشكل طبيعي لأن الكبار يتحدّثون بها. وترفض الرواية التاريخيّة التي تقول بأن أصولهم من الغجر. فبحسب كلامها، النَور على خُلق أكبر منهم.

وتروي زين أنها تركت غزّة وتوجّهت إلى الأردن حيث استقرّت لسنين طويلة. فهناك، يتلقّى النَوَر معاملة أفضل على الرغم من أن العنصريّة حاضرة أيضاً. تضيف أنه على الأقل أصبح لديهم ممثلاً في البرلمان، كذلك هناك أطباء ومهندسون منهم في حين أنهم يعانون في القطاع من الفقر والبطالة. وتوضح أنه وبحسب العادة، النساء هنّ من يعملن في حين أن الرجال يبقون في البيت.

وتخبر أسمهان أنها تقضي ساعات طويلة تبكي وحيدة، خصوصاً حين تتذكّر والدها محسن الذي كانت تحب الاستماع إليه وهو يغنّي. فهو كان على الدوام يحاول أن يبعد عنهنّ الأذى.

تضيف بوجهها الشاحب "أكثر ما أكرهه في غزّة، هو نظرة الطمع لدى بعض الرجال. هم يعتقدون أنني سهلة لأنني نوريّة. كذلك أكره استخدام لفظ نوري كشتيمة دارجة بين أفراد المجتمع. فحين أكون في العيادة أو في الشارع أو في السوبرماركت، أسمع كيف ينادي الأب أو الأمطفلهما إذا ما غضبا منه قائلين " يا نوري" أو "ليش شكلك مثل النور؟".

ويبدو واضحاً أن التديّن والتملّص من تاريخ الفنّ والرقص، يغلبان على أحاديث هؤلاء القوم.  قد يكون ذلك تأثراً بالبيئة المحيطة وإثباتاً على أنهم كالآخرين. فتقول دينا "على الدوام يجب أن أثبت لصديقاتي ولزملائي في العمل وكذلك للمجتمع ولسائقي التاكسي أنني الأفضل وبشكل مبالغ فيه. فإذا كنت طيّباً فأنا أطيب.. وإذا أنت خلوق فأنا خلوقة أكثر.. وإذا كنت كريماً فأنا أكرم وهكذا دواليك...".

وبحسب أرقام غير مؤكّدة، يعيش نحو  900 نوري في شمال وجنوب قطاع غزة، و7000 آخرين في الضفة الغربيّة والقدس، وغالبيتهم من المسلمين السنّة.

زهور، لم ترتدِ بذّة الرقص مجدّداً. لكنها ما زالت تهتمّ بجمالها وأناقتها. وتخبر كيف أن سائق الأجرة الذي أوصلها إلى "حارتهم" قبل يومين قال لها بجديّة: "كيف لامرأة بمكانتك أن تسكن بجانب النَوَر؟!!".. هذا آخر ما روته زهور للـ"مونيتور" قبل أن تحني رأسها حزناً وتنسحب.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : women, poverty, minorities, gypsies, gaza, discrimination

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept