رائد الكاريكاتور والرسوم المتحركة السياسية في لبنان بيار صادق دافع عن الحق في الإنتقاد حتى النَفًس الأخير

تعرض هذه المقالة للكاتب الصحافي إيلي الحاج مسيرة فنان لبناني قلما أن تفاعل مثله رسام كاريكاتوري مع الأحداث السياسية واتخذ مواقف آمن بها وخطّ طريقاً لهذا الفن في وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية: بيار صادق.

al-monitor .

المواضيع

satire, pierre sadek

أبر 26, 2013

انكسرت ريشة الفن السياسي في لبنان بوفاة رائد الرسم الكاريكاتوري في الصحافة المكتوبة والتلفزيون بيار صادق، صباح الأربعاء 24 نيسان، بعد صراع مع مرض السرطان عن عمر 75 سنة تقريباً.

كان بيار صادق عاشقاً للحرية ، وهي شرط الإبداع الفني.  تمسك بها في كل المؤسسات التي عمل  فيها. ولعلّ الحرية هي أبرز ما سيبقى من ذكراه ، مع روح نقد عال ودعابة ساخرة رافقته ولطالما أشاعها حوله وفي تعامله مع زملائه الصحافيين والإعلاميين، مادّاً بسرعة جسور الألفة والودّ بينه وبينهم.

وفي مرات كثيرة من تاريخ لبنان الحديث اعتبر مسؤولون وسياسيون وقادة رأي بارزون مواقف بيار صادق التي يعبّر عنها بالريشة، والقلم لكتابة بضع كلمات تواكب الرسم بمثابة، مؤشر إلى اتجاهات الرأي العام الذي يعنيهم.

كان يمينياً بيار صادق متمسكاً بالفكرة التقليدية عن لبنان التي توارثها خصوصاً ابناء الأرياف المسيحيون. وهو من مدينة زحلة في البقاع لكنه عاش معظم حياته في بيروت والجبال القريبة (الحازمية وبرمانا) . يمكن القول إن القادة والسياسيين الذين أيدهم وتحمس لهم، مدافعاً عنهم ومهاجماً خصومهم سبقوه إلى الرحيل تباعاً إما بالوفاة الطبيعية أو بالإغتيال: ريمون إده ، كميل شمعون، بشير الجميّل، رفيق الحريري ... أما الذين انتقدهم فهم بطبيعة الحال "الوجه الآخر" من اللعبة السياسية : الناصريون، التنظيمات الفلسطينية والقيادة السورية  وحلفاؤهما  اللبنانيون خلال الحرب الأهلية( 1975- 1990)، وبعدها السلطات التي تحالفت مع السوريين لحكم لبنان في ظل ما سمي لاحقاً "نظام الوصاية". وفي السنوات الأخيرة ركز على "حزب الله" مصراً على رسم أمينه العام السيد حسن نصرالله رغم تعرضه في أحد الأيام لتهديدات فايسبوكية. إلا أن موضوعه المفضل في سنواته الأخيرة كان حليف الحزب المذكور الجنرال ميشال عون الذي لم يتعب بيار صادق من رسمه في شكل برتقالة غاضبة، تيمناً بشعار تيار عون البرتقالي.

تخرج  بيار صادق بإجازة في الرسم من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وهي الأولى التي علمت وخرّجت  رسامين في لبنان. بدأ نجمه يسطع مع بداية عهد الرئيس فؤاد شهاب بعد حوادث 1958 بين معارضي حكم الرئيس شمعون ومؤيديه . تعاون أولاً مع مجلة "الصياد" لمؤسس جريدة "الأنوار" وملحقاتها سعيد فريحة الذي كان مؤيداً للرئيس المصري جمال عبد الناصر ويستاء ضمناً لأن صادق كان يصرّ على رسمه بشعاً. "أنا رسام كاريكاتوري ولست مصوّراً" قال له عندما اعترض فريحة على إحدى رسوم عبد الناصر.  من "الصياد" انتقل إلى العمل في جريدة "النهار" مضيفاً لمساته الفنية إلى رونق نهج المعارضة المتحفظة  التي كانت تنتهجها تلك الصحيفة، وفقاً لنهج صاحبها غسان تويني المعارض للنهج والذي تعرض للسجن مراراً بسبب مواقفه السياسية ، وأكثر من مرة انتقل من السجن إلى تولي وزارات.

سيحتضنه غسان تويني ويفرد لرسوم بيار صادق مساحة واسعة في الصفحة الأخيرة من جريدته، وفي بعض الأحيان سيكون رسم الفنان الكاريكارتوري ، الذكي والساخر معبراً في شكل أوضح من كل صفحات الجريدة وأخبارها والتعليقات.

ستنزعج السلطة التي كان يقبض عليها جهاز المخابرات ( المكتب الثاني، بتعابير تلك الأيام) من رسوم بيار صادق خلال عهدي الرئيس فؤاد شهاب والخليفة الذي اختاره شهاب وخيّب آماله الرئيس شارل حلو . في المقابل ستكون تلميحات بيار صادق من خلال ريشته الساخرة التي ترسم الخصوم بما لا يعجبهم، سلاحاً إضافياً لقوى المعارضة تقلب به الرأي العام على الحكم الشهابي المتفاهم مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر وتياره العريض في لبنان وسوريا وبقية العالم العربي.  حاول "المكتب الثاني" استمالته بعروض مغرية على ما روى لاحقاً، كما جرب ترهيبه من خلال استدعاءات واستجوابات ولكن عبثاً. وكان لموقع غسان تويني و"النهار" كرمز مدافع عن الحريات ما يشكل نوعاً من الحصانة للعاملين فيها.

في 1968 انتصرت المعارضة في الإنتخابات النيابية، لا سيما "الحلف الثلاثي" الذي ضم أساساً الزعماء الموارنة ، كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إده، وفي انتخابات 1970 الرئاسية انتصرت مرة أخرى بإيصال سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهورية في مواجهة الياس سركيس الذي سيصبح رئيساً ولكن على بلد يغلي بالحرب الأهلية في 1976. كل تلك الحقبات واكبها صادق من خلال عمله اليومي في جريدة "النهار" وكانت مكاتبها في شارع الحمرا، في الجزء الغربي من بيروت بتعابير الحرب، حيث كانت السيطرة للتنظيمات الفلسطينية ( منظمة التحرير)  وحليفتها تنظيمات "الحركة الوطنية" اليسارية والإسلامية.

كان بيار صادق يعيش في الجزء المسيحي من بيروت، فانتقل إلى العمل في جريدة "العمل" التابعة لحزب الكتائب والتي كان رئيس تحريرها جوزف أبو خليل. هناك تحمس صادق لمشروع بشير الجميّل السياسي لحكم لبنان، لكن الرجل سرعان ما اغتيل بعد انتخابه رئيساً . وعارض صادق سياسة شقيقه أمين الجميّل الذي خلف بشيراً في الرئاسة، ونحاز الفنان في الصراع على الزعامة المسيحية إلى رفاق بشير في "القوات اللبنانية" ضد أمين. وانتقل إلى العمل في صحيفة "الجمهورية" حيث أثار غضب الرئيس الجميّل برسمه عصفوراً بعدما كان دأب على رسم الرؤساء والزعماء الموارنة في شكل رهبان .  ومن ا"الجمهورية " انتقل بعد إقفالها إلى أول تلفزيون خاص في لبنان، هو الـ"أل بي سي" ، المحطة التي أنشأتها "القوات اللبنانية" ودعمه قائد هذا التنظيم سمير جعجع فأصبحت كاريكاتيرات بيار صادق ، وبالأحرى رسومه السياسية المتحركة تدخل كل بيت في لبنان. لم يكن المشاهدون ينتقلون إلى محطة أخرى قبل مشاهدتها في آخر الأخبار عند الثامنة والنصف مساء تقريباً.

لكن جعجع أُدخل السجن عام 1994 بعد انتهاء الحرب بأربع سنوات، وأحكمت القبضة الأمنية السورية – اللبنانية قبضتها على وسائل الإعلام لاحقاً مما اضطرى صادق، على ما روى بنفسه إلى ترك محطة "أل بي سي" عام 2002 ، بعد 16 عاماً من العمل المتواصل فيها،  والإنتقال منها إلى محطة "المستقبل" التنلفزيونية للرئيس رفيق الحريري. وكان عاد إلى "النهار" بعد انتهاء الحرب بسنتين عام 1992 بناء على طلب غسان تويني، ليتركها من جديد منذ سنتين ويعاود نشر رسومه في الصفحة الأخيرة من جريدة "الجمهورية" التي عاودت صدورها. واستمر في هاتين المؤسستين إلى أن غلبه المرض .

وظل حتى الرمق الأخير مدافعاً عن الحرية كما يراها، وعن حق الإنساان في السخرية من أي كان. فدخل تاريخ البلد الصغير. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

كاريكاتير العودة نضال من نوع آخر
عامر بعلوشة | النشاط والإعلام الاجتماعي | ماي 29, 2018
رسّامو الكاريكاتور الإسرائيليّون يصوّرون 70 عاماً من التاريخ
Debra Kamin | فنون و ترفيه | مار 27, 2018
رسّامو الكارتون في مصر يخفّفون من حدة التشنجات مع انطلاق العملية الانتخابيّة
شهيرة أمين | حرية الصحافة | مار 26, 2018
معرض"بيار صادق يحاكي التاريخ" يخلّد أعمال الرسام الكاريكاتوري المشهور
فلورانس ماسينا | النشاط والإعلام الاجتماعي | فبر 26, 2018
اليوتيوب سلاح شباب اردنيين للسخرية من الحكومة
محمد عرسان | النشاط والإعلام الاجتماعي | فبر 25, 2018

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض لبنان

al-monitor
لبنان يطلب المساعدة التقنية من صندوق النقد الدولي في الأزمة الاقتصادية
Sarah Abdallah | المصرفية والتمويل | فبر 13, 2020
al-monitor
لبنانيّون يروون قصصهم: "لهذه الأسباب أصبحت خيم الثورة بيوتنا ولا نفارقها"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 30, 2020
al-monitor
كيف يقرأ القضاء اللبناني كارلوس غصن؟
Sarah Abdallah | المحاكم والقانون | ينا 12, 2020
al-monitor
إيقاف حسابات صحافيّين وناشطين مؤيّدين للثورة اللبنانيّة على "تويتر"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 5, 2020