نبض العراق

سليماني" العراق مختلف عن "سليماني" سوريا"

p
بقلم
بإختصار
لم يكشف رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب سراً عندما اعلن منتصف شباط (فبراير) الماضي، ان زعيم الحرس الثوري الايراني قاسمي سليماني يدير الصراع في سورية لصالح النظام، فايران ربما تكون اكثر الدول صراحة في الموقف من الازمة السورية. لكن الاشارة الى سليماني الذي لمع اسمه في الاوساط الاعلامية والاستخبارية العالمية بسبب دوره في العراق طوال العقد الماضي، كانت ترتبط بشكل اساسي باضفاء طابع...

لم يكشف رئيس الوزراء السوري المنشق رياض حجاب سراً عندما اعلن منتصف شباط (فبراير) الماضي، ان زعيم الحرس الثوري الايراني قاسمي سليماني يدير الصراع في سورية لصالح النظام، فايران ربما تكون اكثر الدول صراحة في الموقف من الازمة السورية.

لكن الاشارة الى سليماني الذي لمع اسمه في الاوساط الاعلامية والاستخبارية العالمية بسبب دوره في العراق طوال العقد الماضي، كانت ترتبط بشكل اساسي باضفاء طابع عسكري واستخباري للدور الايراني في سورية.

اداء سليماني في الازمة السورية يبدو مختلفاً بشكل كبير عن الاداء الذي قدمه خلال السنوات العشر الماضية في العراق، على رغم ان اختياره للقيام بهذا الدور منذ عامين تقريباً ارتبط بفكرتين ايرانيتين اساسيتين هما:

اولاً : نجاح سليماني في حفظ المصالح الايرانية في العراق طوال العقد الماضي.

ثانياً : تأكيد ارتباط الازمة السورية بالازمة العراقية، مايتطلب ان يشرف على ادارتهما في كلا البلدين طرف ايراني واحد.

رئيس فيلق القدس الايراني محمد علي جعفري كان اعترف في (سبتمبر) الماضي ان عناصر من فيلق القدس موجودون في سورية ولبنان لكن فقط كـ "مستشارين".

واصدقاء ايران العراقيين يتحدثون بدورهم عن هذا الدور "الاستشاري" الايراني حتى شهر تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، عندما تسلم سليماني بشكل فعلي قيادة 70 الف مقاتل معظمهم من مقاتلي النخبة السوريين، ويتحدثون  ايضاً عن مشاركة 2,5 الف مقاتل من حزب الله اللبناني، و نحو 800 مقاتل عراقي معظمهم من الذين عاشوا في سورية منذ ثمانينات القرن الماضي.

تلك المعلومات لايعترف بها مقاتلوا الجيش السوري الحر الذين يعتقدون في بياناتهم وتصريحاتهم ان الالاف من المقاتلين الايرانيين موجودين فعلياً على الساحة السورية، بالاضافة الى مقاتلين قدموا من العراق ولبنان.

لكن دور سليماني وخبرته الطويلة في مجال العمل الاستخباري في العراق ، لم تنعكس بشكل جوهري على الوضع السوري، بسبب اختلاف ظروف العراق بعد العام 2003 عن ظروف سورية اليوم.

فالمهمة الاولى التي نجح فيها سليماني مع بدايات دخول القوات الاميركية الى العراق كانت فتح قنوات اتصال مع العديد من المجموعات السياسية والقبلية والمسلحة السنية، بالتزامن مع فتح قنوات الاتصال مع الاطراف الكردية والشيعية.

المعيار الذي اعتمدته طهران في بناء ستراتيجيتها في العراق، يبدو مختلفاً بدوره عن استراتيجيتها اليوم في سورية:

-        فاسقاط النظام العراقي عبر تدخل عسكري اميركي مباشر كان مثار ارتياح ومساندة ضمنية من ايران التي تدافع اليوم بضراوة عن النظام السوري وترفض خيار التدخل العسكري الخارجي على غرار السناريو العراقي.

-        ومشاركة ايران في اعادة صوغ هيكلية الدولة في العراق، بعد تحطم او تحلل المؤسسات السابقة خصوصاً الامنية منها، تختلف عن مشاركتها في دعم هيكلية الدولة في سورية ومؤسساتها وقواعدها.

-        استخدام شعار محاربة حزب البعث "الكافر" في العراق، يقابله دفاع عن "البعث" في سوريا.

-        الدفاع عن حق الشيعة في حكم العراق باعتبارهم غالبية سكانية، يقابله رفض لحكم السنة سورية للسبب نفسه.

-        وجود القوات الاميركية في العراق لثمانية سنوات كان سمح بدوره لايران ، بتبني خطاب "مقاومة الاحتلال" كمنفذ للولوج الى المجموعات المسلحة العراقية المختلفة.

المعادلة مختلفة اذاً بين البلدين ، وعلى ضوئها اختلفت مهمة قاسمي سليماني، الذي ينقل مطلعون انه حاول بطرق مختلفة فتح قنوات اتصال مع المعارضة السورية، للوصول الى تسوية تضمن مصالح ايران في مرحلة مابعد الاسد.

احد المسؤولين العراقيين رفيعي المستوى الذي كان التقى سليماني قبل شهور، علق على تلك المعادلة بالقول ان :"مهمة قاسمي سليماني في سورية معقدة، فهي لاتقتصر على حماية النظام السوري من الانهيار في ،وانما تتجاوزها الى حفظ المصالح الايرانية في سوريا ولبنان في حال انهيار هذا النظام".

ويكمل :"ايران فهمت التحولات في الساحة السنية العراقية منذ منتصف العام 2011 وتطورها الى المطالبة بتشكيل اقليم سني بانها رسالة موجهة من الاطراف الاقليمية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر ، بالاستعداد لفتح الجبهة العراقية على مصراعيها للتحديات القادمة".

ويضيف :"طهران التي لوحت للغرب ودول الاقليم بالعراق مقابل جزء من سورية، يلوح لها خصومها الاقليميون بسوريا مقابل جزء من العراق".

ويوضح :"عندما برز الحديث مبكراً عن دولة علوية في سورية، كان هناك حديث مقابل ومتزامن عن دولة سنية في العراق".

تلك المناوشات الاقليمية تجد صداها عملياً في سورية والعراق على حد سواء، وحيث يقاتل سليماني للحفاظ على قدرة بلاده على التفاوض حول مستقبل سوريا بالابقاء على قدرة النظام السوري على مقاومة الانهيار، تقاتل شخصيات سنية عراقية لتحويل الاقليم السني الى امر واقع يغير مجرى الصراع في المنطقة ويقوض العمق الاستراتيجي الايراني من العراق الى سوريا ولبنان وفلسطين.

مرحلة التفاوض التي يمهد لها سليماني في سوريا، قد لاتختلف كثيراً عن تلك المفاوضات غير المباشرة التي كشف عنها كتاب "قصة الصراع من اجل العراق: من جورج و. بوش إلى باراك أوباما" من تأليف مايكل ر.غوردن والجنرال المتقاعد بيرنارد ي. ترينور.

يصف الكتاب اعتراف الجنرال ديفيد بيترايوس بدور سليماني النافذ والمؤثر.

وفيما يخص تبادل الرسائل والمعلومات بين الجنرالين، يشير الكاتب أنّ بيترايوس " كان يردّ على رسائل الجنرال سليماني عبر الوسطاء الذين كانوا يحضرون الرسائل".

ويقول الكتاب نقلا عن مسؤولين اميركيين ان "الجنرال سليماني كان قريباً من جميع العراقيين السياسيين الكبار، كما وقام بتسليح وتدريب ميليشيات شيعية ."

فطهران على رغم انها حاولت جمع بعض اطراف المعارضة السورية الداخلية والخارجية في مؤتمرات عقدت في ايران تحت شعار "الحوار" الا انها لم تنجح في اقناع القوى المسلحة الرئيسية في سوريا خصوصا الجيش السوري الحر، والقوى السياسية الفاعلة مثل الائتلاف الوطني والمجلس الوطني السوريان في التعامل مع ايران كجزء من حل الازمة.

الاكثر ان تلك القوى رفضت بديلاً آخر طرحته طهران يتمثل بان يكون العراق وسيطاً في ذلك الحوار، فالقوى السورية المعارضة ومن خلفها القوى الاقليمية والدولية الداعمة لتغيير النظام نظرت كما يبدو بشكل دائم الى العراق كحديقة خلفية للسياسة الايرانية، على رغم انه اعلن مراراً حياده تجاه الازمة وعدم رغبته في الانجرار اليها واطلق مبادرات ووجه دعوات عديدة للمعارضة السورية لزيارة بغداد لم يتم تلبية معظمها.

كنتيجة كان نجاح سليماني في العراق مرحلياً ومؤقتاً وميدانياً بدوره، فعدم قدرة بغداد على القيام بدور الوسيط سواء على مستوى الازمة السورية او على مستوى الملف النووي العراقي، لا يقرأ باعتباره نجاحاً للستراتيجية الايرانية في العراق.

وايضاً ان عدم قدرة العراق على انتاج نظام بحكم مستقر وقوي، بعيداً عن تهديدات التقسيم والتأثر بالازمات الخارجية، قد يكون كما نقل كتاب "قصة الصراع من اجل العراق: من جورج و. بوش إلى باراك أوباما" هدفاً انتجته جهود سليماني في هذا البلد بين عامي (2003 – 2008) ، لكنه في واقع الحال لايعد في القياسات الستراتيجية هدفاً بعيد المدى، فايران يبدو انها تراجعت عن فكرة "العراق الضعيف المتنازع" عندما ضغطت على القوى الشيعية والكردية والسنية العراقية لدعم رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي كحاكم قوي قادر على التأسيس لحكم مستقر يحظى بقبول اقليمي ودولي.

كسب سليماني معركة في العراق، لكن العراق المنقسم على نفسه خسر قدرته على مساعدة ايران بشكل فعلي في صراعاتها الاقليمية والدولية.

لكن اوراق سليماني في سوريا مختلفة، فهو لايجد منافذ كالتي توفرت في الازمة العراقية، ولايجد حلفاء يديرون اللعبة ويتبادلون الادوار، وهو ما كان نظام بشار الاسد ينفذه في العراق بشكل ناجح.

في 16 فبراير الماضي صرح أحد رجال الدين البارزين في ايران، مهدي طائب، بالقول "لو خسرنا سوريا لا يمكن أن نحتفظ بطهران.. ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان الأهواز سنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا".

هذه الرؤية ربما تبرر المجازفة الايرانية في سوريا وجهود قاسمي سليماني هناك، لكنها بالتأكيد لاتمثل رؤية ستراتيجية بدورها، فخسارة ايران لسوريا، ستعني خسارتها في العراق على وجه التحديد، فالعراق الحالي لا يتمكن من اداء الدور السوري بين عامي 2003 – 2011 وبالتالي فانه لايستطيع ان يقدم الكثير للاستراتيجية الايرانية في المنطقة.

بهذا المعيار.. فأن قياس مدى نجاح سليماني في سورية، لن يتم من دون قياس نجاحه في الفترة المقبلة في العراق، هل سيدعم عراقاً اكثر تماسكاً وحيادية تجاه الازمات الخارجية؟ هل سيندفع الى دعم تقسيم العراق في مقابل تسوية اقليمية؟ هل سيشرك ايران في حرب اهلية محتملة على الاراضي العراقي تنفتح على المشهد السوري والاقليمي؟ ام سيفضل تسوية سورية لاتشرك العراق في نتائجها؟.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian crisis, syrian, shiite, security, sectarianism, iraq, iran-iraq relations, iran

مشرق عباس كاتب مساهم في نبض العراق على موقع المونيتور. هو كان مدير تحرير مكتب صحيفة الحياة في العراق منذ 2005, وكتبت دراسات ومقالات عن الأزمات العراقية للنشر محلية ودولية. وقد شارك أيضا في تأسيس شركات وسائل الإعلام وإنتاج الأفلام الوثائقية. هو كاتب وصحفي لمدة 15 عاما، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept