نبض فلسطين

الفلسطينيون بين انتفاضة "باب الشمس" ومؤتمر دولي جديد

p
بقلم
بإختصار
استطاع عشرات الناشطين والناشطات منذ الأسبوع الفائت أن يفرضوا أنفسهم على المشهد الفلسطيني المكتظ أصلا بزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، فأصبحوا الخبر الثاني في كثير من وسائل الإعلام العربية والفلسطينية بعد أوباما. واضطرت الشرطة الإسرائيلية كما كشفت صحف إسرائيلية إلى تأخير التعامل مع هؤلاء الناشطين إلى ما بعد مغادرة الزائر الأميركي، حتى لا يكون هناك ضجة إعلامية سلبية. على انّه...

استطاع عشرات الناشطين والناشطات منذ الأسبوع الفائت أن يفرضوا أنفسهم على المشهد الفلسطيني المكتظ أصلا بزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، فأصبحوا الخبر الثاني في كثير من وسائل الإعلام العربية والفلسطينية بعد أوباما. واضطرت الشرطة الإسرائيلية كما كشفت صحف إسرائيلية إلى تأخير التعامل مع هؤلاء الناشطين إلى ما بعد مغادرة الزائر الأميركي، حتى لا يكون هناك ضجة إعلامية سلبية. على انّه في الوقت الذي بدا فيه هؤلاء الشبان يصوغون مبادرة تكسر حالة الجمود السياسي وانسداد أفق التسوية، ويقدمون بديلا للعمل الفلسطيني، مختلفا عن فكرة الكفاح المسلح، والمقاومة التقليدية، جاءت طروحات الرئيس الأميركي حول عملية السلام، ثم قرارات ومقترحات القمة العربية لتطرح أسئلة عديدة عن سيناريوهات المستقبل القريب.

ما قام به هؤلاء الشبان هو إنشاء حي بسيط من عدد من الخيام، مع إقامة مكان لألعاب الأطفال، فوق أرض مهددة بالمصادرة بأن تكون جزءا من خطة إسرائيلية تعرف باسم خطة E1، وتقضي بأن تصل المستعمرات الإسرائيلية بالقدس بما يؤدي إلى قطع التواصل بين جنوب الضفة الغربية وشمالها، ويعزز التهديد لفكرة إقامة الدولة الفلسطينية.

سمّى الشبان حيّهم باسم "أحفاد يونس"، فقد كانوا أنشأوا قرية باسم "باب الشمس"، في شهر كانون ثاني\ يناير الفائت. و"باب الشمس" هو عنوان رواية كتبها الروائي اللبناني الياس خوري، تروي قصة النكبة وكيفية تشريد الفلسطينيين عام 1948 من وطنهم، ثم قصص المقاومة فيما مرحلة ما بعد النكبة، ويونس، هو الفدائي والشخصية الرئيسية في الرواية الذي كان يعود ليلتقي زوجته نهيلة في كهف داخل فلسطين ليعيشا حبّا حميما تحيطه السرية والحذر ويملؤه الجموح.

أخلى الإسرائيليون الحي الجديد في "باب الشمس" الجديدة، بعد أن كان قد بدأ يستقطب شرائح اجتماعية عديدة بدأت تزور وتلتحق بالحي. ولكن المجموعات التي تقوم على هذه التجربة تستمر في النشاط. والواقع أنّ هذه النشاط ومن قام  به يشكلون تطورا نوعيّاً في أساليب العمل الفلسطيني، من حيث الجسم المكون للحراك، وأساليبه، وأهدافه.

من حيث الجسم المكون للحراك، فهو مجموعات شبابية عابرة للفصائل، أي مشتركة بين حركات وقوى فلسطينية مختلفة. وتحديدا حركة "فتح"، وحركة "المبادرة"، التي هي القوة السياسية الفلسطينية الوحيدة تقريبا التي تضع مواجهة إسرائيل هدفا لها ولم تمارس الكفاح المسلح يوما، وتحظى رغم ذلك بحضور لافت. ومع فتح والمبادرة كان هناك حضور للجبهات الشعبية والديمقراطية. ولكن جزءا كبيرا من المبادرات التنسيقية والاستعدادات، جرت على مستوى الناشطين أنفسهم وليس بقرار مركزي من القوى التي ينتمون لها، وهناك عدد مهم من المستقلين في الحراك. والأهم أنّ هذا الحراك ناتج عن تجميع عدد من التجارب السابقة، ففي الحراك ترى تجارب لجان مختلفة في مناهضة جدار الفصل الإسرائيلي، مثل حراكات بلعين ونعلين والولجة، والخليل، وكلّها وغيرها، قرى ومناطق ظهرت فيها تجارب محلية بمبادرات ذاتية لمقاومة شعبية سلمية، تميزت بدعم دولي من ناشطين أجانب وإسرائيليين، باتوا يعرفون على نحو واسع باسم "نشطاء السلام". والملاحظ في حراك باب الشمس، أنّه يقوم بعملية تشبيك غير مسبوق تقريبا بين هذه التجارب والمجموعات التي قامت عليها. ولكن الحضور الأجنبي في الحراك الجديد شبه معدوم.

مثل هذا التكوين يعني أنّ شبكة من المجموعات باتت أقدر على إطلاق حراك موحد، وأنّ هناك حرصا، كما قال لي أحد المنظمين، على الاعتماد على الجهود الذاتية بدل التعويل على الناشطين الدوليين، ولكن دون التقليل من أهمية دعم هؤلاء.

هذا النشاط الموحد في موقع واحد يتجمع فيه الناشطون بطرق معقدة وبدرجة من السرية لتفادي حواجز الجيش الإسرائيلي، يطرح سؤال إذا ما كان ممكنا مستقبلا أن يكون هؤلاء نوع من حراك موحد في التوقيت والطريقة ولكن موزع الأماكن. في الواقع أنّ هذا ما يبدو أنّه مسار التطور الطبيعي الممكن التنبؤ به لهذا الحراك. وهو قد يكون نوعا مختلفا من الانتفاضات. فالانتفاضة الأولى عام 1987 بدأت بالحجارة والمظاهرات، مع حرص على عدم "العسكرة" وعدم استخدام السلاح، ولم يستخدم السلاح وبقدر محدود إلى بعد نحو ثلاث سنوات من بدئها. في الانتفاضة الثانية، المعروفة باسم انتفاضة الأقصى، عام 2000، يتحسّر كثيرون من الفلسطينيين أنّ إسرائيل برأيهم استطاعت جر المواجهة إلى الجانب العسكري، عندما قامت بهجمات بالغة الشدة باستخدام طائرات عسكرية ضد مقرات الأمن الفلسطيني، وضد الناشطين الفلسطينيين. أمّا الحراك الجديد فهو صريح جدا في عدم تبني أي درجة من العنف سواء الحجر أو السلاح، مع أنّ كثيرا من الناشطين يؤكد أنّ جميع أنواع المقاومة المشروعة أمر كفلته الشرائع الدولية.

لا تقوم الانتفاضات الشعبية عادة على التخطيط، بل يكون هناك حالة شعبية وظروف موضوعية تقترب من الانفجار، ويأتي حدث ما ليقوم بدور صاعق التفجير. وكثيرا ما يفاجأ الناشطون والسياسيون بما يحدث، وفي أحيان يتمكنون من القيام بدور لقيادة الحراك الشعبي، وأحيانا لا ينجحون وتظهر قيادة جديدة. لذلك فالحديث عن تولي أي مجموعة لانتفاضة فلسطينية ثالثة أمر يجدر التعامل معه بحذر. ولكن الأكيد أنّ "باب الشمس" والتجارب المنصهرة فيها تطرح فهما جديدا للعمل الفلسطيني المقاوم. ويجعل ولأول مرة، ربما في التاريخ الفلسطيني، فكرة مقاومة شعبية سلمية هي الأكثر حضورا على الساحة. فحتى لو كانت التجربة في بداياتها فإنّ جميع القوى الأخرى التي تطرح، أو كانت تطرح، طرقا مختلفة، قد تراجعت فاعليتها وبرامجها. فحركة "فتح" التي قادت فعليا الكفاح المسلح في الماضي أوقفت هذا النمط، وحركة "حماس" أيضا وبموجب تفاهمات التهدئة في قطاع غزة أوقفت نشاطها، وتقدّم كل يوم دليل على جنوح متزايد للعمل السياسي. 

خلال الأيام الماضي وبالتزامن مع تجربة "أحفاد يونس" وبعدها، بدا أنّ هناك طرفان يتحدثان عن تحريك عملية التسوية. الطرف الأول هو الرئيس الأميركي باراك أوباما، أثناء زيارته للمنطقة، ووعده أن يخصص وزير خارجيته جون كيري وقتا وجهدا لذلك، هذا فضلا عن استئناف دفع المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية، وهي خطوة تبعها استئناف إسرائيل دفع مستحقات الفلسطينيين من الضرائب. ثم اقترحت قطر قرارات مختلفة لدعم الفلسطينيين، ومن ذلك تأسيس صندوق بقيمة مليار دولار لدعم الوجود العربي في مدينة القدس، ورعاية قمة عربية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، يعقبها إطلاق عملية سياسية تفاوضية قد تتضمن مؤتمرا دوليا للسلام.

والواقع أنّه بقدر ما يشعر الفلسطينيون بحذر وهم يقاربون فكرة الكفاح المسلح أو انتفاضة جديدة على نحو انتفاضة الأقصى العسكرية، فإنّهم يخشون أكثر من عملية سياسية لا تتضمن وقف المخططات الإسرائيلية فرض حقائق جديدة على الأرض بواسطة المستوطنات ومصادرة الأراضي. كما أنّهم لا يثقون بالقرارات الرسمية العربية.

هناك إذن جهود دولية لدفع عملية التسوية، قد تبدو للوهلة الأولى نوعا من تصحيح المسار وإعادته إلى السكة التي من شأنها تقليل عوامل التوتر. ولكن خيبة الأمل من هذه الجهود، واستمرار سياسات فرض الأمر الواقع الإسرائيلية هي التي على ما يبدو يمكن أن تكون عاملا في إنضاج قوى جديدة تتولى العمل اليومي على الأرض، وتبدو تجربة باب الشمس مجرد نموذج لمثل هذه القوى، التي تضم أيضا القوى التقليدية ولكن ضمن فكر جديد.

هناك قوى ومناهج جديدة في الشارع الفلسطيني مرشحة للصعود، خصوصا إذا فشلت عملية المصالحة ولم تحدث انتخابات جديدة تعيد إنتاج مؤسسات العمل الفلسطيني.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestinian authority, palestinian

أحمد عزم هو مدير برنامج الدراسات الفلسطينية والعربية في جامعة بيرزيت.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept