نبض فلسطين

السلفية الجهادية في فلسطين: البدايات والعلاقات

p
بقلم
بإختصار
منذ اليوم الأول لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية أوائل 2006، أشعلت الأضواء الحمراء لدى محافل صنع القرار في بعض العواصم المحيطة، ترقباً من إقامة ما أسمته "إمارة" إسلامية في الأراضي الفلسطينية. وقد كشفت الأحداث اللاحقة في الأراضي الفلسطينية أن حماس لم تشأ أن تعلن عن الإمارة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، لاعتبارات سياسية محلية وإقليمية، ورغبة منها في عدم إثارة الأطراف المعادية...

منذ اليوم الأول لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية أوائل 2006، أشعلت الأضواء الحمراء لدى محافل صنع القرار في بعض العواصم المحيطة، ترقباً من إقامة ما أسمته "إمارة" إسلامية في الأراضي الفلسطينية.

وقد كشفت الأحداث اللاحقة في الأراضي الفلسطينية أن حماس لم تشأ أن تعلن عن الإمارة الإسلامية أو تطبيق الشريعة، لاعتبارات سياسية محلية وإقليمية، ورغبة منها في عدم إثارة الأطراف المعادية لها في هذه المرحلة بالذات، لكن ذلك في نفس الوقت جلب عليها خصومة تيارات إسلامية "متشددة"، رأت منها تهاوناً في ما أسمته تحقيق "الفريضة" الغائبة.

أسلمة المجتمع

تمكنت حماس طوال 25 عاماً من تاريخها بصورة نسبية كبيرة, من الجمع بين النزعتين الوطنية والدينية, والخطابين السياسي والإسلامي، وأدى التحول الجاري إلى ظهور التيارات الدينية الساعية إلى تبني خطاب إسلامي يتجاوز خطاب حماس, بالتركيز على الأبعاد الدينية الجهادية على حساب نظيرتها الوطنية السياسية الفلسطينية, وفقاً لمبررات تقول بأن جوهر الصراع الجاري يعود إلى القدم بين الإسلام واليهودية.

ومنذ البدايات الأولى لدخول حماس المعترك السياسي والبرلماني والحكومي، ظهرت توجهاتها "المعتدلة"، وعدم تعجلها بتطبيق الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية، وبدا للناظر لحقيقة أدائها الميداني والسلوك الاجتماعي خلوه من أي إشارة لذلك، بعيداً عن المطالبات المستعجلة لقواعد عريضة من عناصرها، لكن فقهاء حماس اتضح أن لديهم الجرأة النسبية بالقياس للحركات الإسلامية في الموازنات، وجولاتها واضحة في ميادين "الإفتاء المصلحي".

ومقابل رسوخ أقدام حماس على المشهد الإسلامي الفلسطيني، شهدت الساحة السياسية في السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً جديداً, باتجاه تزايد فعاليات الحركات السلفية, رغم أن التحول الإسلامي بدأ منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، إلا أن ما يحدث حالياً, "تحول نوعي" داخل هذا المشهد الإسلامي, باتجاه المزيد من الظاهرة السلفية.

وقد ظهرت العديد من الحركات السلفية, الداعية لإقامة الإمارة الإسلامية، وشهدت صعوداً متزايداً لها, بصورة قد تشكل قلقاً لحماس، ويمكن الحديث عن أبرزها، خاصة جيش الإسلام- كتائب التوحيد والجهاد، حيث صدر بيانه التأسيسي، وأعلن موالاته لتنظيم القاعدة، وجيش الأمة- أهل السنة والجماعة، الذي وجه نداءً عاجلاً لجميع الجماعات السلفية للتوحد في صدِّ الهجمة التي دبرت بليل من الصليبيين واليهود وأنصارهم، و"جلجلت" الاسم الشائع والدارج في أوساط الغزيين، لمجموعات من الشباب المتدين، التي بدأت تنشط في غزة منذ سيطرة حماس على غزة 2007، لكن وتيرتها ازدادت، واتسع فريق مناصريها، مع تفجيرها لمقاهي الإنترنت قبل أعوام.

وظهرت بيانات عدة لجماعات سلفية أخرى، باسم جماعة "كتائب سيوف الحق-جيش القاعدة"، ويتزعمها "أبو صهيب المقدسي"، وتنظيم باسم "جند الله"، و"الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين"، وجماعات أخرى لم يتم التحقق من وجودها ميدانياً، كـ"جحافل التوحيد والجهاد، جيش القدس الإسلامي، قاعدة جهاد ولاية فلسطين الإسلامية، فتح الإسلام، عصبة الأنصار، سيوف الحق"، ودعا القيادي الأبرز "أبو محمد المقدسي" تشكيلات السلفية الجهادية بكافة أنواعها بالتوحد تحت قيادة واحدة باسم جماعة "كتائب التوحيد والجهاد".

أسباب الانتشار

تتمركز جميع هذه الحركات السلفية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة, رغم أن فعالية نشاط حماس يعمل على التقليل من ظهورها، حيث أن هذه الحركات ليست سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد السلفي", إضافة لوجود المزيد من التوقعات التي تقول باحتمالات تزايدها: إما بسبب الانقسامات, التي ستحدث في أوساطها, أو توالد المزيد منها على خلفية التحولات الدينية الجارية في المجتمع الفلسطيني.

وقد ساعد في انتشار الظاهرة السلفية الجهادية في قطاع غزة عدد من العوامل، لعل أهمها الظروف السياسية، حيث بدأ السلفيون يشيعون أن الانتخابات حرام، وتحكيم لغير شرع الله، ورضا بـ"الديمقراطية الكافرة"، كما كان لعلاقة حماس مع فتح في مراحل مختلفة كحكومة الوحدة، والصراع الميداني، واتفاق مكة، دور في استمرار الظاهرة بالتغلغل في أوساط عناصر حماس، حيث اتهمها السلفيون آنذاك بـ"فساد العقيدة وموالاة العلمانيين والتحاكم للقوانين الوضعية"، وهي من أكثر الفترات التي انتشر فيها الفكر السلفي بين أوساط شباب حماس.

وجاءت التهدئة مع الجيش الإسرائيلي، وتوقف حماس عن الأعمال العسكرية أحياناً، ليوجد حالة من سوء تقدير الموقف لدى هؤلاء السلفيين، وشعورهم بتخليها عن المقاومة، ووصل الحد ببعضهم الادعاء أنها تركتها من أجل السياسة، معتبرين ذلك خللاً في العقيدة، وتراجعاً عن الثوابت، وفقدان الأمل في الإصلاح والتغيير الداخلي.

ولعبت الأوضاع الاقتصادية، دوراً في تنامي الظاهرة السلفية، بما في ذلك الحصار المفروض على غزة، وما صاحبه من ضغط واقع على سكانها، مما دفع بالبعض لاتهام حماس بالتسبب بالأزمة، واستغلال صغار السن من الطلبة والعاطلين عن العمل، من قبل المنظرين والمحرضين، والتأثير عليهم، واستغلال أوضاعهم الصعبة.

أما الاعتبارات التربوية، وضعف الجانب الدعوي في المجتمع الفلسطيني، فقد ساهم في تغلغل العناصر السلفية، خاصة بسبب عدم اطلاع الشباب على الجوانب التخصصية كـ"فقه الموازنات ومقاصد الشريعة"، وغياب الخطاب الجماهيري المُفنِّد للقضايا المثارة ضد حماس في منابر السلفية الجهادية في دروسهم ونشراتهم.

وترى الجماعات السلفية، أو "البنلادنيون" الفلسطينيون أنهم لم يجدوا دعوات الجهاد العالمي ضد "الكفار" لدى الإخوان المسلمين، ممن اقتصرت مقاومتهم ضد الاحتلال، ونظروا لحماس كـ"حركة وطنية" تشارك في المجالس التشريعية، أكثر من كونها "حركة إسلامية" تحكم الشريعة، وتمثل المسوغ الأساسي لانطلاقها بدعوتها للعودة لـ"منهج الجهاد"، وترك المنابر السياسية والتشريعية، والحكم بالشريعة، بدلاً من القوانين الوضعية، موجهة جملة انتقادات إليها بعدم إعلانها قيام الإمارة الإسلامية.

مشروع الإمارة

يسود اعتقاد بأن التنظيمات السلفية وجدت في غزة، كخلايا سرية راقدة، وبدأ عملها في السنة الثانية من الانتفاضة، مستفيدة من زخمها وطابعها العسكري، وانهيار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وانخراط عدد غير قليل من كوادرها في عمليات المقاومة، التنافس والصراعات الداخلية بين الفصائل.

لكن تأخر الإعلان صراحة عن وجودها، جاء لوجود تناقض أساسي وعميق، بين أيديولوجية النظام السياسي الفلسطيني، في ظل الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأيديولوجية تلك الجماعات، وقوة وفاعلية أجهزة أمن السلطة، وعدم سماحها بالإعلان عن تنظيمات مرتبطة وموالية للسلفيين، ووجود تنسيق أمني واستخباراتي، وتبادل للمعلومات بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية، وبعض أجهزة الأمن العربية.

ويمكن الرجوع إلى البدايات الأولى للخلاف الفكري والفقهي بين حماس والسلفيين، لاسيما فيما يتعلق بمسألة إقامة الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، بتصريحات علنية لعدد من قادتهم، ممن أخذوا على حماس احترامها للمواثيق الدولية، ودخولها العملية السياسية في ظل دستور "وضعي علماني"، وعلى أساس اتفاقيات أوسلو، التي "تخلت" عن أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين للإسرائيليين، والاعتراف الضمني بإسرائيل.

لكن ما أوصل العلاقة بين حماس والسلفيين إلى حالة من القطيعة الحقيقية، إعلان الأولى أنها لا تسعى لأسلمة المجتمع الفلسطيني، وعدم مطالبتها بأن تكون العملية السياسية وفق الشريعة، أو بتحكيمها لدى وجودها في الحكومة، فيما لم تبد الجماعات السلفية قناعتها بما تعلنه الحركة حول اتباع سياسة "التدرج" في تطبيق الشريعة، وإقامة الحدود الشرعية.

وقد حاولت حماس استعادة المبادرة من السلفيين، من خلال تَوَجُّهَيْنِ اثنين: أولهما "التوجه الأيديولوجي"، حيث أرسلت شيوخها للمساجد لـ"توعية" الشباب الذين استقطبهم السلفيون، ثم السيطرة على الأنفاق للتحكم بحركة التسلل والتموين، وإعادة عدد منهم لـ"جادة الصواب"، وبدأت "معالجة فكرية" للسلفيين في أعقاب اعتقال أعداد منهم بعد إعلانهم "إمارة إسلامية"، وقد أطلقت حماس سراح العشرات من هؤلاء بعد أن أجرت لهم "تأهيلاً فكرياً"، وأخذ تعهد من المفرج عنهم بعدم العودة لأي نشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار والتأثير على حياة الناس.

وبجانب الحوار الفكري، انتهجت حماس أسلوب المعالجة الأمنية الميدانية، حيث تحركت أجهزتها الأمنية، وشنت حملات مراقبة وملاحقة واعتقال، ومحاولة لاستعادة المساجد التي حاولت التنظيمات السلفية نشر أفكارها من خلالها، ما يعني أن علاقة حماس، حكومة وحركة، لم تَسِرْ على وتيرة واحدة مع هذه الجماعات، وشهدت فصولاً متعددة من الاحتقان والتوتر والمواجهة و"التقاط الأنفاس"!

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : shariah, rise of political islam, jihadist, hamas, gaza

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept