نبض فلسطين

نغمات مدرسة الموسيقى الوحيدة في غزة ستتوقف

p
بقلم
بإختصار
يعزف الطفلان فراس الشرافي (10أعوام) وعبد العزيز أبو شرخ (11عاما) المقطوعة الموسيقية لأغنية "يا مرسال المراسيل" لفيروز بانسجام كل واحد منهما على آلة قانون مختلفة خلال تدريب بمدرسة موسيقى غزة، يقرآن النوتة الموسيقية حينا، وتارة ينظران لبعضهما مبتسمان. يحلمان أن يكون عندهما فرقة كبيرة مشتركة من الآلات الشرقية والآلات الغربية، هكذا كبر الحلم معهما منذ أن سجل الاثنان في المدرسة الموسيقية...

يعزف الطفلان فراس الشرافي (10أعوام) وعبد العزيز أبو شرخ (11عاما) المقطوعة الموسيقية لأغنية "يا مرسال المراسيل" لفيروز بانسجام كل واحد منهما على آلة قانون مختلفة خلال تدريب بمدرسة موسيقى غزة، يقرآن النوتة الموسيقية حينا، وتارة ينظران لبعضهما مبتسمان.

يحلمان أن يكون عندهما فرقة كبيرة مشتركة من الآلات الشرقية والآلات الغربية، هكذا كبر الحلم معهما منذ أن سجل الاثنان في المدرسة الموسيقية الوحيدة في قطاع غزة قبل خمسة أعوام، وداوما على الذهاب لثلاث مرات في الأسبوع حتى أصبحا يتقنان قراءة النوتة والعزف على آلتي القانون والإيقاع.

ولكن فراس وعبد العزيز يعرفان أن هناك ظروفاً صعبة تواجه المدرسة هذا العام، وأنها مهددة بالإغلاق بسبب عجز مالي كبير، فبعد أن كانت المدرسة مجانية، أصبح هناك احتمال أن يدفع كل طفل حوالي 600 دولار سنويا.

يقول عبد العزيز للمونوتر: "سنحزن لو أغلقت المدرسة أبوابها، لن نعرف ماذا سنفعل وأين سنذهب لنتعلم الموسيقى..ولكن لن نيأس سأرسل الرسائل الالكترونية لكل الناس كي يساعدوا المدرسة، وسأصور فيلم عن المدرسة لأشجعهم بالتبرع..أليس كذلك يا فراس؟"، يخاطب زميله في العزف والذي رد عليه: " نعم، ومن الممكن أن نعمل مشروع صغير مثل بيع العصير وندفع نحن أقساط جميع الطلبة..لن نقبل أن تغلق المدرسة..مستحيل أن تغلق".

ومدرسة الموسيقى واجهت العديد من الأزمات في فترة وجودها، أشهرها حين تعرضت للقصف والتدمير في يناير-2009 خلال الحرب على قطاع غزة بعد استهداف طائرات الاحتلال الاسرائيلي لمسرح الهلال الأحمر حيث كان أول مقر لها بعد افتتاحها في ذلك الوقت.

ولا يزال الفنان ابراهيم النجار مدير المدرسة في غزة يحتفظ ببقايا من تلك الآلات المحترقة: جيتار وبيانو وعود، يقول النجار: " كان عمر المدرسة وقتها ثلاثة شهور، وكنا سعداء بها، لتأتي الحرب وتدمر المقر والآلات بالكامل، أذكر يومها جاء بعض الطلبة بآلاتهم الخاصة وجلسوا على الركام يعزفون حزنا على ذكرى المدرسة والفرحة التي لم تكتمل، بعدها نقلنا إلى مكان مجاور وهو مقرنا الحالي، وبدأنا حملة تبرعات جديدة، وأرسلت لنا مؤسسة ميوزك فند العديد من الآلات القديمة لكنها في حالة جيدة عن طريق المعبر مع مصر لأن اسرائيل كانت تمنع مرور الآلات الموسيقية عبر حاجز إيرز".

ويبدو أن المصاعب التي تواجه المدرسة لم تتوقف عند هذا الحد فبعد أن بدأت المدرسة كمشروع خيري لخمس سنوات مع مؤسسة عبد المحسن القطان، قام معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى بتسلمه في إبريل من العام 2012 وهنا بدأت أزمة جديدة بحسب ما يقوله النجار لأن المعهد مؤسسة أهلية تقوم على دفع الرسوم مقابل تعلم الموسيقى.

يضيف النجار: "في البداية طالبنا من ذوي الأطفال برسوم تسجيل قيمتها 28 دولار، وكانت النتيجة أن عدد قليل جدا من الطلبة قاموا بالدفع، وهناك من امتنع عن القدوم للمدرسة معتقدا أنه اذا لم يدفع فممنوع عليه الرجوع، فاتصلنا بهم نحثهم على العودة، لأن الأطفال موهوبين جدا كما أن تعلم الموسيقى غيّر الكثير في حياتهم بشهادة من عائلاتهم، ولا نريد أن تضييع كل تلك الجهود خاصة أن العديد منهم حصل على جوائز مهمة في العزف".

الطفل محمود كحيل يبلغ الآن 11 عاما ولكن حين كان في السابعة من عمره حصل على المركز الأول في العزف على الآلة الشرقية في بداية تأسيس المدرسة، وذلك في المسابقة الوطنية للموسيقى التي ينظمها معهد إدوارد سعيد بشكل دوري على مستوى فلسطين.لا يزال محمود يذهب إلى مدرسة الموسيقى لكنه ينضم متأخرا لأن دوامه في المدرسة العادية مسائي، فمجرد أن يضع حقيبته، يركض ليأخذ تاكسي من الشارع، وينضم إلى صف آلة القانون مع زميليه فراس وعبد العزيز.

محمود شعر بالخجل حين بادرت المونوتر بالتحدث إليه ولكن هذا الخجل اختفى مجرد أن بدأ بالعزف على آلة القانون الموسيقية لتصدح أجمل النغمات بإتقان نادر، إلا أن هذه النغمات من الممكن أن تتوقف لأن محمود من عائلة مكونة من سبعة أشقاء وشقيقات ولن يستطيع أن يكمل في المدرسة في حال تم فرض الرسوم المالية.

يقول والده عماد كحيل للمونوتر: "أقدر موهبة ابني وأشكر المدرسة التي أوصلته لهذه الدرجة من القدرة على العزف وقراءة النوتة، ولكن من الصعب علي أن أدفع هذا المبلغ لابني محمود حتى لو كانت الرسوم سنوية، عندي ابن سيلتحق بالجامعة العام المقبل".
ويضيف: "بعد فوز محمود بالمسابقة اشتريت له آلة قانون إلا أنني لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك رغم ايماني الكبير بالموسيقى، وسأنمي موهبته في البيت فأنا أعزف أيضاً، ونحن عائلة نحب الموسيقى رغم أن المجتمع هنا لا يأخذها بجدية".

وفرض الرسوم على الطلبة في فرع غزة والذين يبلغ عددهم 180 طفل وطفلة، يعتبر الحل الأمثل كي لا تغلق المدرسة أبوابها أمام الموهوبين، بسبب تراجع المنح الداعمة، هكذا يقول النجار، منبهاً إلى أن المصاريف لا تقتصر فقط على دفع رواتب 16 مدرسا وموظفا بل هناك تكاليف الايجار وفواتير الكهرباء والماء وصيانة آلات الموسيقية المستخدمة للتدريب والتي تعتبر قليلة مقابل عدد الطلبة.

الشقيقتان ماريا ومرام الأشقر ستتوقفان عن تعلم الموسيقى في حال تم فرض الرسوم وفي أحسن الأحوال ستتنازل الصغرى مرام (8أعوام) التي تعزف آلة الكمان للكبرى ماريا (12عاما) وهكذا تدفع احداهما فقط الرسوم بحسب ما تقول والدتهما ميساء (39عاماً)، وبذلك تظل ماريا قادرة على تعلم العزف على آلة القانون واستعارته أحيانا لتعزف أمام عائلتها والجيران، ولكن مرام لن تمسك الكمان مرة أخرى.

النجار علق على قصتهما متأثرا أنه كانت عند الجميع آمال كبيرة لإكمال دراسة الموسيقى في المدرسة، وزيادة عدد الطلبة وتصبح معهدا للأطفال وللأكبر سنا بعد بلوغهم الـ16 عاماً، إضافة إلى إنشاء مكتبة سمعية، وهذا يعتمد كله على المنح المقدمة.
إلا أن هذه المنح لا يقبل معظم الداعمين أن تتوجه لغزة لأسباب عديدة أغلبها طبيعة مدينة مثل غزة تسبقها سمعتها السياسية، هذا ما يقوله محمد الأعور مدير التمويل والتطوير في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى من مقر القدس للمونوتر عبر الهاتف.
ويضيف أن المدرسة كانت تابعة لمؤسسة عبد المحسن القطان وعبارة عن مكان خيري وكان التمويل من المؤسسة ذاتها او من جهات داعمة، وإذا حدث تقصير في المنح يصبح هناك تغطية مباشرة من عائلة القطان، ولكن المعهد مؤسسة غير هادفة للربح وتعتمد على الدعم الخارجي وإذا لم يأت الدعم للمعهد فمن الصعب استمرار المنح ويصبح فرض الرسوم إلزامياً.

وأكد أن آخر الخيارات على الاطلاق سيكون اغلاق المدرسة فهذا العام يعتبر العام العشرين لتأسيس معهد إدوارد سعيد في عام 1993 برام الله ومن ثم فتح فرع في القدس عام 1996 ومن ثم فرع في بيت لحم 1997 وفتح فرع آخر في نابلس 2010 وأخيراً في قطاع غزة 2012، وهناك ألف طالبة وطالبة في كل الفروع منهم 60% يدرسون عن طريق المنح والإعفاءات، أكثر من 52% منهم هم من الطالبات الإناث.

وذكر الاعور أنهم يحاولون فتح خطوط كثيرة للتمويل عبر تقديم مشاريع للمؤسسات الداعمة والتوجه للبنوك والصناديق العربية، إلا أنه تبقى مشكلة غزة التي تقف أمامها الجهات المانحة  مترددة في دعم مدرسة موسيقى بمدينة غزة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestinian art, palestinian, music, gaza, economic, culture, art

أسماء الغول كاتبة مساهمة في صفحة "نبض فلسطين" على موقع المونيتور، وصحافية من مخيم رفح للاجئين مقيمة في غزة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept