نبض لبنان

مخاوف من انتقال الاحتراب المذهبي السوري الى لبنان

p
بقلم
بإختصار
قبل ايام حصل اشتباك بين مقاتلين لحزب الله يقومون بحراسة مواطنين لبنانيين شيعة يقطنون نحو ١٤ قرية لبنانية تقع داخل الاراضي السورية ، وبين مجموعات مسلحة من المعارضة السورية تنتمي لفصائل اسلامية سنية متشددة . وشكل هذا الحدث سابقة تنذر بانتقال الاحتراب المذهبي في سوريا الى لبنان . وقصة هذا الاشتباك ، تكشف ، في حانب من معانيها ، عن حقيقة ان أخطاء التاريخ لا يدملها تقادم الزمن . فبالاساس...

قبل ايام حصل اشتباك بين مقاتلين لحزب الله يقومون بحراسة مواطنين لبنانيين شيعة يقطنون نحو ١٤ قرية لبنانية تقع داخل الاراضي السورية ، وبين مجموعات مسلحة من المعارضة السورية تنتمي لفصائل اسلامية سنية متشددة . وشكل هذا الحدث سابقة تنذر بانتقال الاحتراب المذهبي في سوريا الى لبنان . وقصة هذا الاشتباك ، تكشف ، في حانب من معانيها ، عن حقيقة ان أخطاء التاريخ لا يدملها تقادم الزمن .

فبالاساس تدفع المنطقة الواقعة على ضفتي الحدود اللبنانية - السورية ، اليوم ، ثمن خطا تركه  سايكس - بيكو بدايات القرن الماضي . انذاك صمم المستعمران  الفرنسي و الانكليزي  خارطة ديموغرافية وسياسية لبلدان المشرق العربي   التي كانت ضمن انتدابهم ، وذلك وفق رؤية لمصالحهما الظرفية حينها ، لا تراعي   مقتضيات  واقع تاريخي وجغرافي بعيد المدى  .  وبموجب  هذه الخارطة  أعطى الفرنسيون لسوريا منطقة من لبنان،  يوجد فيها ١٤ قرية يقطنها لبنانيون من عشائر منطقة الهرمل اللبنانية المجاورة ، وهم من المسلمين الشيعة . ولا يزال هؤلاء يعيشون داخل سوريا ، علما انهم قانونيا يعتبرون مواطنين لبنانيين.

ومنذ بدء  الاحداث السورية، التي صاحبتها اعمال فرز طائفي بين المسلمين السنة المنتفضين بغالبيتهم على النظام السوري والمسلمين العلويين والشيعة المؤيدين للنظام، بات لخطا سايكس- بيكو ، تفاعلات سلبية على انسجام الديموغرافيا في تلك المنطقة . فاكثر من مرة ، خلال الشهور الماضية، حصل احتكاك امني بين هذه القرى الشيعية التي تقع على منتصف خط التهريب وبين بلدات سنية محاذية لها . وتجدر الاشارة الى ان هذه القرى الشيعية تقع على منتصف خط  التهريب بين جرود عرسال اللبنانية والقاع وبحيرة حمص والقصير وتلكلخ .  وبسرعة انزلق مواطنون شيعة في منطقة الهرمل اللبنانية المحاذية،  للانخراط في هذه التوترات . فهؤلاء الأخيرون ،  ينتمون لعشائر كبيرة ، لديها سلم قيم اجتماعية تمجد " نجدة الأقرباء" ، وهم في الحالة الراهنة أبناء القرى الشيعية اللبنانية الموجودة داخل الاراضي السورية الذين يشكون من انهم يتعرضون الى محاولات تهجيرهم من قبل جيرانهم السوريون السنة . 

خلال الصيف الماضي، جرت مناوشات عسكرية ظلت خارج التداول الإعلامي ، بين بلدة القصير السنية الواقعة وراء خط الحدود السوري، والتي تعد معقل للمعارضة المسلحة في منطقة ريفها الذي هو أيضاً القسم الشمالي من ريف مدينة حمص، وبين سكان منطقة الهرمل اللبنانيين. وفي احدى هذه المناوشات ، كما كشفت مصادر خاصة " للمونيتور" هاجم مسلحون من جبهة النصرة انطلاقا من ريف القصير، مخيم تدريب لحزب الله في منطقة الهرمل ، ما أدى الى مقتل وجرح عشرة من عناصره . واستتبع ذلك قيام الحزب بعملية انتقامية أودت بحياة العديد من عناصر المعارضة السورية . وبشكل عام ، يحاذر الحزب الانزلاق في الفتنة المذهبية الناشبة في سوريا، لكن قضية تامين الحماية للقرى الشيعية ال ١٤  الموجودة داخل الاراضي السورية ضمن ريف القصير السورية، خلقت لديه تحديا تجاه قاعدته الاجتماعية في منطقة الهرمل . ويبدو ان الحزب أخذ قرارا بحماية هذه القرى ومنع تهجيرها، وذلك انطلاقا من الاعتبارات التالية :

الاول - وجود صلة قرابة بين أبناء منطقة الهرمل اللبنانية وبين سكان القرى الشيعية ال١٤ اللبنانيين الموجودين داخل الاراضي السورية . وتجدر الاشارة هنا ان الهرمل ( منطقة البقاع اللبناني) تعتبر هي الخزان الشعبي لحزب الله ولجهاز المقاومة فيه . وعليه لا يستطيع الحزب ان يدير ظهره لندائهم له لمساعدتهم لإنقاذ أقربائهم داخل سوريا من التهجير والقتل . زد على ذلك ، ان ال حماده وهم احدى كبريات عشائر الهرمل ، يملكون مساحات شاسعة من الاراضي اللبنانية التي اقتطعها سايكس بيكو لمصلحة سوريا، علما ان الاخيرين لا يزالون يحتفظون بمستندات ملكيتهم لها .

الاعتبار الثاني ، هو اكثر من اجتماعي . فحزب الله معني من منظار استراتيجي بما يحدث في منطقة ريف القصير السورية المحاذية لمنطقة الهرمل - بعلبك ، حيث تعتبر الاخيرة جزء من امن المقاومة ، إذ انها الى جانب انها خزانه البشري ، تعتبر أيضاً قاعدة لوجستية استراتيجية له .  وبعد انحسار الجيش السوري الرسمي  عن  منطقة ريف القصير السورية،  لأسباب تكتيكية ، اصبحت حيويات المعارضة السورية  المسلحة ذات الطابع الأصولي الاسلامي السني ،  فيها اكثر حيوية ، وبالتالي اصبحت القرى الشيعية فيها مهددة بالتهجير وايضا قرى مسيحية أرثوذكسية كالربلة التي تعرضت لحصار طويل من المعارضة . واعتبر الحزب تصفية التلون الديموغرافي في هذه  المنطقة من قبل المعارضة ، هو خط احمر لن يسمح به . فالحزب من منظار استراتيجي لا يمكنه السكوت على محاولات احداث تغيير بنيوي في ديموغرافيا منطقة ريف القصير ، لان من شان ذلك ، ليس فقط تهجير مواطنيها الشيعة اللبنانيين من " بقايا اخطاء سايكس بيكو"  ، بل ايضا الاضرار بمعادلة الامن في منطقة يعدها ظهيرا حيويا للمنطقة الاستراتيجة اللبنانية  الخاصة به في منطقة الهرمل- بعلبك التي لديها تواصل ديموغرافي عضوي معها .

والواقع ان مجمل الاعتبارات الانفة ، تشجع انتقال الاحتراب المذهبي داخل سوريا بين المسلمين السنة من ناحية والمسلمين العلويين والشيعة من ناحية اخرى ، الى لبنان ، خاصة وان المنطقة الحدودية اللبنانية مع سوريا منقسمة الى واقعين جغرافيين وديموغرافيين : الاولى مقطونة ومن مسلمين سنة شديدي الارتباط بالمعارضة الاسلامية السورية المتشددة  في منطقتي ريفي حمص ودمشق ، وتتمثل ببلدة عرسال وجرودها التي تمتد على مساحة ٦٠ -٦٥ كلم خط حدود مع سوريا، والثانية مقطونة بأغلبية شيعية تتمثل بمنطقة الهرمل .

وقبل الاحداث السورية، كانت العلاقة بين كلتي هاتين المنطقتين اللبنانيتين وريف حمص اكثر من جيدة . فالحياة بينهما كانت تتسم بالمشاركة الاجتماعية والاقتصادية . ولكن بعد الاحداث المتسمة بالصراع المذهبي ، ارتفعت تماسات العداء والهواجس المتبادلة  ، ليس فقط بين شيعة  وسنة منطقة القصير وريفها ، بل ايضا بين منطقتي عرسال السنية والهرمل بعلبك الشيعية في لبنان، على خلفية مناصرة كل منهما لاحدي طرفي الازمة في سوريا . وتتركز الخشية الان من ان تكون الاحداث الاخيرة التي شهدت اشتباكات بين المعارضة السورية السنية في ريف القصير وبين حزب الله المدافع عن القرى الشيعية في تلك المنطقة ، مقدمة لانتقال الاحتراب المذهبي من سوريا  الى لبنان  . وما يعزز هذا الاحتمال واقع ان الجوار اللبناني الحدودي لسوريا هو امتداد ديموغرافي لمنطقة ريف حمص ، لجهة انه تتواجد نفس  التنوع السني والشيعي والعلوي وايضا المسيحي  .   .     

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syrian crisis, syrian, shiite, security, qusair, lebanon, lebanese politics, lebanese-syrian relations, hezbollah

ناصر الشرارة كاتب مساهم في صحيفة "لبنان نبض" على موقع المونيتور وبالاضافة هو يكتب للصحف والمجلات العربية متعددة، ومؤلف العديد من الكتب حول نزاع حزب الله وإسرائيل. وهو رئيس المعهد اللبناني للدراسات والنشر، وعملت في مركز البحوث الفلسطينية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept