نبض مصر

قبل أن تشرخ المخالب الأمنيّة تحالف 30 يونيو

p
بقلم
بإختصار
أثار القبض على عدد من الناشطين والصحافيّين المخاوف من عودة الدولة البوليسيّة.فقد تمّ القبض على الصحافي محمد أبو دراع مراسل جريدة "المصري اليوم" في سيناء، تمهيداً لمحاكمته عسكرياً بتهمة نشر أخبار كاذبة عن الجيش. كذلك تمّ القبض على الناشط هيثم محمدين القيادي في حركة "الاشتراكيّين الثوريّين" وتمّ التحقيق معه في اتهامات أصبحت مادة للتندّر بين النشطاء، منها مثلاً اتهامه بمحاولة "تمكين...

أثار القبض على عدد من الناشطين والصحافيّين المخاوف من عودة الدولة البوليسيّة.فقد تمّ القبض على الصحافي محمد أبو دراع مراسل جريدة "المصري اليوم" في سيناء، تمهيداً لمحاكمته عسكرياً بتهمة نشر أخبار كاذبة عن الجيش.

كذلك تمّ القبض على الناشط هيثم محمدين القيادي في حركة "الاشتراكيّين الثوريّين" وتمّ التحقيق معه في اتهامات أصبحت مادة للتندّر بين النشطاء، منها مثلاً اتهامه بمحاولة "تمكين طبقة اجتماعيّة معيّنة من السيطرة على المجتمع كله"،" ثم أفرج عنه في ما بعد!

وأطلّ أحد المحامين المعروفين بتطاوله السافر عبر قناة تلفزيونيّة، مؤدياً وصلات من السباب ضد بعض ثوّار 25 يناير. كذلك انطلقت حملة لا يعلم أحد من ورائها لتشويه سمعة العديد من الناشطين والحقوقيّين والثوّار الذين برزوا بعد ثورة يناير 2011، وقد بدأت بخبر مفاده أن النيابة ستحقّق مع هؤلاء بتهم منها العمالة وتلقّي تمويل أميركي بطريقة غير مشروعة، استناداً إلى وثيقة مترجمة من "ويكيليكس".، ثم نفت النيابة وجود مثل هذا التحقيق، واتّضح أن الوثيقة الأصليّة باللغة الإنجليزية لم تذكر سوى أن بعض هؤلاء كانوا قد تناولوا طعام العشاء مع السفيرة الأميركيّة!

إلى ذلك انتشرت الاتهامات التي تخوّن عدداً من الكتاب والناشطين باعتبارهم طابوراً خامس، ليس لشيء سوى أن البعض منهم يرى أن تعامل الحكومة الانتقاليّة مع اعتصام "رابعة العدويّة" اتّسم بالعنف الزائد، أو أن البعض الآخر قد طالب بالإسراع في إيجاد حلّ سياسي يشمل مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين.

من جهة أخرى، صدرت قرارات وزارة الأوقاف بسحب عدد ضخم من التراخيص التي تعود إلى نحو 55 ألف إمام مسجد بحيث يقتصر الوعظ والإمامة على خرّيجي الأزهر، بالإضافة إلى إغلاق عشرات الآلاف من الزوايا الصغيرة التي تقلّ مساحتها عن 80 متراً أمام صلاة الجمعة بحيث تُقتصَر صلاة الجمعة على المساجد الكبيرة. وذلك، حتى تضمن الحكومة أن خطباء المساجد لا يستخدمون خطبة الجمعة سياسياً في شحن مشاعر المصلّين، بخاصة وأن الأزهر هو الذي يمثّل الإسلام المصري الوسطي في مقابل التوجّهات الوهابيّة المستوردة المتشدّدة والتكفيريّة. أما في سيناء حيث يسقط عشرات الشهداء والجرحى من رجال الشرطة والجيش في مواجهة مع الجماعات التكفيريّة الإرهابيّة، يشكو بعض الأهالي من الحملة الأمنيّة ويتذمّرون من إجراءاتها الصارمة. أضف إلى ذلك أخبار عودة مباحث أمن الدولة، وتعيين معظم المحافظين من العسكريّين وتمديد فترة الطوارئ!

عدد كبير من المحلّلين الغربيّين يبتهجون لهذه الأخبار، لأنهم يرون فيها فرصة كي يقولوا "ألم نخبركم بهذا؟ لقد كنا إذاً على صواب، في نعت ما حدث في 30 يونيو بالانقلاب".

إذا قمنا بتحليل التحالف المجتمعي الذي تحرّك في 30 حزيران/يونيو الماضي مطالباً بانتخابات رئاسيّة مبكرة أو بإزاحة الرئيس المصري محمد مرسي (المعزول اليوم)، نجد أنه يتكوّن من طيف واسع من تيارات تحمل تناقضات متعدّدة. لقد بدأ هذا التحالف في التكوّن منذ 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، عندما أصدر مرسي مرسوماً يمنحه سلطات "فوق دستوريّة" وكذلك مع قيام ميلشيات الإخوان بحصار المحكمة الدستوريّة وتمرير دستور انفرد الإسلاميّون بكتابته وأهدروا فيه الحقوق والحريات وحاولوا من خلاله تغيير شكل الدولة وهويّتها. فتجمّع ثوّار 25 يناير مع قادمين جدد إلى الميدان، سواء ممن يطلَق عليهم "حزب الكنبة" أو "الفلول" من أنصار النظام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن ثوّار 25 يناير أنفسهم ليسوا كتلة صماء موحّدة في توجّهاتها، فثمّة ليبراليّون واشتراكيّون وغير مسيّسين  بالإضافة إلى فصيل صغير من اللاسلطويّين الذين يعادون فكرة الدولة المركزيّة. وعلى الرغم من أن حجم هؤلاء الأخيرين صغير، إلا أنهم نجحوا في حشد تأثير كبير وسط مجموعات من الناشطين بخاصة وأنهم عادة لا يدعون صراحة إلى هدم الدولة، بل يركّزون على الفساد في وزارة الداخليّة مثلاً أو المشروعات الاقتصاديّة الضخمة التي يديرها الجيش، وهي كلها أمور يجب إصلاحها بالطبع. وقد نجح هؤلاء اللاسلطويّون أيضاً في التشكيك في كلّ هذه المؤسسات، خصوصاً مع المواجهات الدامية التي حدثت ما بين ناشطين وقوات الأمن والجيش على مدى 18 شهراً بعد تنحّي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. وبذلك نجحوا في استحداث قطاع من الثوّار غير متحمّسين للحفاظ على الدولة طالما ظلّ الجيش والشرطة على حالهما. 

أما أعضاء "حزب الكنبة" و"الفلول"، فهم "دولتيّون" من دون أي شك ويرون أن وجود دولة مصريّة قويّة هو غاية من أجل الحفاظ على مصر. وهم كذلك يخشون من احتمال أن يؤدّي هجوم بعض الثوّار بصورة متكرّرة ضدّ مؤسّسات وطنيّة مثل الجيش والشرطة والقضاء، إلى انفراط عقد الدولة وحدوث فوضى عارمة تتعطّل معها الخدمات الأساسيّة فتتأثّر الإمدادات الغذائيّة والطبيّة والوقود، ما قد يؤدّي إلى موجات نهب واضطرابات ومواجهات عنيفة بين جماعات مسلّحة يسقط معها ملايين المصريّين ضحايا أو مشرّدين. وينظر هؤلاء إلى ما حدث في العراق أو سوريا ويرون دائرة التفكّك تقترب من مصر، فيأخذون موقفاً متشدّداً من أي شخص أو حركة يرونها تدفع بالبلاد في هذا الاتجاه من وجهة نظرهم. وقد ازدادت حدّة اتهامات "الدولتيّين" لثوّار 25 يناير بالخيانة والعمالة وبأنهم طابور خامس، بخاصة مع ظهور انتقادات مشروعة من قبل الناشطين لممارسات مثل التي أشرنا إليها آنفاً. والواقع أن أغلبيّة ثوار 25 يناير مهتمّون بالحفاظ على الدولة المصريّة، وفي الوقت نفسه يريدون إصلاح مؤسّساتها ويحترمون الجيش، حتى وإن كان معظمهم ناقماً على المجلس العسكري بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي. وقد شارك بعض ثوّار يناير بالحشد القوي لموجة 30 يونيو، من باب الشعور بالذنب، كونهم ساعدوا الإخوان بقصد أو بغير قصد في الوصول إلى السلطة، ما جلب الخراب على البلاد ووضعها على أعتاب الانهيار والحرب الأهليّة. ويرى بعضهم أن عدداً كبيراً من المواجهات مع الشرطة المدنيّة وقوّات الجيش خلال الفترة الانتقاليّة الأولى، كانت عبثيّة افتعلها ناشطو الأدرينالين و"الموتجيّة" الذين كانوا أحياناً يسعون بشكل انتحاري  إلى استفزاز قوات الأمن لاصطناع مصادمات عنيفة. وقد استغلّها غيرهم لتحميل المجلس العسكري دماءً قوّضت شرعيّته تدريجياً، بخاصة مع خريطة الطريق الأولى الطويلة التي وضعها الإخوان لتمكينهم من السيطرة على الجمعيّة التأسيسيّة وبقيّة مؤسّسات الدولة، والتي كانت تورّط المجلس العسكري في الحكم لحوالى عامَين، ما يضاعف فرص الصدامات ما بينه وبين الثوّار وينسف شعبيّته، على الرغم من أن المجلس نفسه كان قد أعلن في شباط/فبراير 2011 فور تولّيه الحكم عن تسليم السلطة إلى المدنيّين في خلال ستة أشهر.

علاوة على ذلك، ثمّة مشاعر غيرة بالطبع لدى بعض ناشطي 25 يناير وقد انحسرت الأضواء التي كانت مسلّطة عليهم وكذلك الاهتمام الذي حظوا به، لتتحوّل نحو شباب "تمرّد" الذي قاد موجة 30 يونيو. فبدا الأمر كأن ثمّة صراعاً بين ثورَتين، ثورة يناير وثورة يونيو. لقد اقتسم الحزب الوطني والإخوان الحكم قبل ثورة يناير بشكل من الأشكال، وجاءت ثورة يناير لتطيح بالحزب الوطني. ومن الطبيعي أن يكون ذلك قد أدّى إلى صعود القطب الثاني المنظّم، فوصل الإخوان إلى الحكم. لكن تصرّفاتهم جعلت المصريّين يرون في استمرارهم خطراً جسيماً على الدولة المصريّة، فأطاحت بهم احتجاجات 30 يونيو. ومن هذا المنظور، فإن انتفاضة يونيو لا تعدو كونها إحدى موجات ثورة يناير، لكنها ضمّت تحالفاً واسعاً من ثوّار يناير وبقيّة شرائح المجتمع.

لماذا نذكر كلّ ذلك؟

يتساءل الكثيرون ما هي خطّة الإخوان المسلمين، ولماذا لم يلتحقوا بالمسار السياسي عندما كانت ثمّة فرصة لذلك؟ الأسباب كثيرة، لكن الأمل الذي يتمسّك بأهدابه الإخوان هو ظهور هذه الشروخ الرفيعة في تحالف الأضداد، ليوسّعوها حتى تصبح فجوة كبيرة يستطيعوا أن ينفذوا منها مرّة أخرى إلى صدارة المشهد السياسي متحالفين مع بعض ثوّار يناير، فيسقطوا الحكومة المؤقّتة ويعطّلوا خريطة الطريق.

يأمل الإخوان في تكرار ما حدث بعد ثورة يناير 2011 عندما كان الشعب ملتفاً حول الجيش بداية، لكن مع توريطه في مواجهات ومصادمات عنيفة بدأت التظاهرات الحاشدة تنادي بإسقاط "حكم العسكر". ويرجو الإخوان وبعض الناشطين غير الراضين عن الأوضاع الحاليّة أن تتكرّر مواجهات وأخطاء مسرح البالون وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، لينمو تحالف جديد يعود الإخوان من خلاله إلى السلطة أو هكذا يتمنّون.

هل هذا ممكن؟

إن عودة الإخوان إلى الحكم ليست محتملة في المستقبل القريب، لأنهم أصبحوا على عداوة مع الشعب. لكن يمكنهم أن يدعموا مثلاً تحالفاً واسعاً لإسقاط الحكومة القائمة وتعطيل خارطة الطريق، فكلّ شيء ممكن في مصر. ولعلّ في النصائح التي ساقتها الناشطة نوارة نجم في سلسلة من المقالات، دروس كثيرة تستطيع الحكومة الحاليّة أن تستفيد منها. فقد أظهرت التفاعلات السياسيّة وجود ثلاث كتل ناشطة على أقلّ تقدير وهي: الإخوان والإسلاميّون، وثوّار 25 يناير، وبقيّة ثوّار 30 يونيو. والتجربة تقول إن تحالف أي كتلتَين مع بعضهما البعض يهدّد بزعزعة أي نظام حكم تؤيّده الكتلة الثالثة وحدها، على الرغم مما يطرأ على هذه الكتل من تغيّرات وتداخلات وتباين حجمي ونوعي.، في قدرة كل واحدة منها على حشد الرأي العام وإدارة احتجاجات مؤثّرة ومواجهات مع سلطات الدولة. ولهذا يجب على السلطة أن تحافظ على تلاحم كتلتَي 25 يناير و30 يونيو من خلال سياسات رشيدة ليعملا معاً كظهير شعبيّ لها، وذلك بهدف تفادي سقوط الحكومة الانتقاليّة وخريطة الطريق، ما قد يؤدّي إلى مواجهات واسعة وعنيفة ربما تتّسع رقعتها على مدى اتّساع البلاد بعد مرحلة نزفت فيها مصر بشدّة اقتصادياً لدرجة أنها لا تتحمل المزيد من السقطات والمواجهات. ويجب على السلطة أن تحاول أيضاً جذب عناصر الكتلة الثالثة أي الإسلاميّين إلى العمليّة السياسيّة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار، وهو ما يحتاجه بشدّة الاقتصاد سواءً في مجال السياحة أو في ما يخصّ تدفّق الاستثمارات أو بهدف تعافي عجلة الانتاج والاستهلاك.

إن الخطر الرئيسي للإخوان اتّضح من خلال تصرّفات بيّنت أن الجماعة لا تهتمّ بسقوط مصر أو وقوعها تحت الاحتلال، طالما كان ذلك يحمل إمكانيّة عودة الجماعة إلى الحكم. لذا يتوجّب على قوى هذا التحالف أن تطوّر "عقيدة مصريّة" تعلن عن أولويات وطنيّة تعلو على الخلافات السياسيّة والأيديولوجيّة. وعلى سبيل المثال، فإن إصلاح الهياكل والمؤسّسات واجب وهدف أساسي لثورة يناير، لكن إسقاط مؤسّسات مثل الجيش أو الشرطة يعني دخول البلاد في سيناريو شبيه بما يحدث في سوريا، وبالتالي يجب أن يأتي العلاج مناسباً للحالة، من دون أن يتسبّب في سكتة قلبيّة أو دماغيّة!

وفي الوقت نفسه، لا بدّ من أن تدرك سلطة الحكم في البلاد التركيبة السياسيّة للكتل الموجودة وردود فعل كلّ منها وموازين القوى على الأرض. كذلك لا بدّ من أن توازن ما بين الاعتبارات الأمنيّة وبين الحفاظ على هذا التحالف وتوسيعه. وفي هذا الإطار، يتوجّب على الحكومة وهي في أغلبها حكومة تكنوقراط حتى لو أتى بعض وزرائها من الأحزاب، أن تراقب الرأي العام وتستمع إلى مستشاريها السياسيّين بشكل دائم. وذلك، قبل أن تدخل في مسار موحل تنزلق فيه نحو الغرق، من دون أن تتعلّم أي شيء من تجربة المجلس العسكري في خلال الفترة الانتقاليّة الأولى.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : youths, reform, muslim, islamists, egypt

Wael Nawara is an Egyptian writer and activist. He is also the co-founder of Al Dostor Party, the National Association for Change and El Ghad Party. Formerly president of the Arab Alliance for Freedom and Democracy, he was a visiting fellow at the Institute of Politics, Kennedy School of Government, Harvard University.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept