تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دير مار سابا... أقدم أديرة فلسطين مرشّح للتراث العالميّ

يعدّ دير مار سابا أقدم أديرة فلسطين وأحد أقدم الأديرة المأهولة في العالم، وهو يمثّل قيمة حضاريّة وثقافيّة عمرها 1500 عام، نظراً لنظام الرهبنة الصعب السائد فيه وبنائه المعماريّ، وهو ما دفع الفلسطينيّين إلى ترشيحه على لائحة منظّمة اليونيسكو للتراث العالميّ.
RTRNQTT.jpg

رام الله، الضفّة الغربيّة - على سفح أحد الجبال في وادي القدرون في بريّة مدينة بيت لحم بجنوب الضفّة الغربيّة، يجلس دير مار سابا أشهر دير في فلسطين، والّذي بني على يدّ الراهب مار سابا برفقة 5 آلاف راهب قبل 1500 عام، بانتظار انضمامه إلى لائحة منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة "يونيسكو" للتراث العالميّ. ويعدّ هذا الدير واحداً من 13 موقعاً فلسطينيّاً تمّ إدراجها في القائمة التنفيذيّة (قائمة تمهيديّة) لتسجيلها لاحقاً في لائحة التراث العالميّ عقب تسجيل 3 مواقع فيها (لائحة التراث)، بعد أن أصبحت فلسطين تتمتّع بعضويّة كاملة في اليونيسكو في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2011، وهي المدرجات المائيّة في قرية بتير في 20 حزيران/يونيو من عام 2014، وكنيسة المهد وطريق الحجّاج في مدينة بيت لحم في 29حزيران/يونيو من عام 2012، فيما ينتظر دير مار سابا التّسجيل مع مواقع عدّة أخرى أبرزها: المدينة القديمة في الخليل، المدينة القديمة في نابلس، مدينة أريحا القديمة، جبل جرزيم في نابلس، كهوف قمران، وخربة أم عامر في غزّة.

وفي هذا السياق، أشار مسؤول ملف التراث العالميّ في وزارة السياحة والآثار الدكتور أحمد الرجوب لـ"المونيتور" إلى أنّ دير مار سابا يحمل قيمة دينيّة وثقافيّة وإنسانيّة تؤهّله لكي يكون على لائحة التراث العالميّ، كونه أحد أقدم الأديرة في فلسطين، ويرتبط بالقديس سابا الّذي أسّس الرهبنة في فلسطين، وتقليده مستمرّ حتّى اليوم منذ 1500 عام، إلى جانب نمطه المعماريّ، وانسجامه مع مشهد وادي القدرون الموجود فيه، وقال: "تمّ تسجيل الدير على اللاّئحة التنفيذيّة للتراث الفلسطينيّ لدى اليونيسكو من قبل اللّجنة الوطنيّة الفلسطينيّة، وهي مرحلة إلزاميّة تسبق مرحلة تسجيله على لائحة التراث العالميّ، بعد إعداد الملف الخاص به".

ورغم تأكيد أحمد الرجوب أهميّة الدير وضرورة تسجيله في لائحة التراث العالميّ، إلاّ أنّ إعداد الملف الخاص بالدير لم يبدأ العمل به حتّى اللّحظة. كما أنّه لا يوجد قرار بذلك، إذ أنّ إعداده يحتاج إلى عامين من العمل. وبعد ذلك، يتمّ تسليمه إلى مركز التراث العالميّ في اليونيسكو، الّذي يحتاج إلى عام ونصف عام حتّى يتمّ تسجيله، وفق الرجوب.

واوضح الرجوب ان اللجنة الوطنية الفلسطينية هي التي تحدد الملفات التي سيتم اعدادها لتسجيلها في لائحة التراث العالمي وفق محددات ومعايير مهمة ابرزها حمايتها من الاحتلال ومنع تهويدها كالبلدة القديمة في الخليل خاصة ان اليونسكو لا تستقبل سوى ملفين في العام كاقصى حد، لكن تسجيل دير مار سابا ما هي الا خطوة اولى للذهاب الى تسجيله مستقبلا على لائحة التراث العالمي.

وعن معايير إعداد ملفّات المواقع، قال الرجوب: "تؤخذ في الاعتبار الظروف السياسيّة والثقافيّة للموقع. ولذلك، إنّ العمل الآن جار على تسجيل مدينة الخليل القديمة على لائحة التراث بعد الإنتهاء من إعداد الملف الخاص بها. كما بدأ العمل على إعداد ملف يتعلّق بدير كريمزان في بيت جالا".

من جهته، قال رئيس اللّجنة الوطنيّة الفلسطينيّة للتربية والثقافة والعلوم مراد السوادني لـ"المونيتور": إنّ مندوبة فلسطين لدى اليونيسكو، وبالتّعاون مع وزارة السياحة واللّجنة الوطنيّة والمؤسّسات ذات العلاقة، تبحث عن مواقع التراث الفلسطينيّ، الّتي تتعرّض إلى شتّى محاولات التشويه والتزوير من الإحتلال الإسرائيليّ من أجل وضعها على لائحة التراث العالميّ لحفظها وحمايتها.

أضاف: إنّ دير مار سابا تمّ ترشيحه إلى قائمة التراث العالميّ، ونحن سنسعى من خلال الجهات المختصّة كافّة إلى تسجيله في لائحة التراث بعد اعداد الملف الخاص به وتجهيزه، لما يمثّله من قيمة ثقافيّة وطنيّة مسيحيّة لنا، تجسّد هويّتنا الوطنيّة الّتي تضمّ المسلم والمسيحيّ.

ويمثّل الدير قيمة ثقافيّة وحضاريّة ودينيّة كبيرة، بحيث يبدو للمشاهد أنّه منحوت في الصخر. كما أنّه يخضع إلى قوانين دينية ورهبانية معينة وخاصة لا تزال تطبّق فيه منذ 1500 عام، ترمز إلى حياة "الرهبنة الصعبة"، مثل منع دخول النساء إليه، وتحظّر تناول التفاح ويتمّ الاكتفاء بزراعة أشجار الزيتون والليمون فقط.

ويعتبر الدير الذي تهدم على يد الفرس في عام 614 م قبلة للسياح، وكذلك الرهابنة الذين يفضلون الحياة الصعبة. ويوجد في داخل الدير رفات القديس سابا المؤسّس والذي يطلق عليه "قبر القديس"، وكذلك "الكنيسة المبنيّة من الله" (كنيسة الدير الاولى) نسبة إلى مغارة في الجبل كانت موجودة وأقيمت عليها الكنيسة الصغيرة والتي توجد داخلها رفات مقدّسة للرهبان الذين قتلهم الفرس سنة 614 م والبرابرة سنة 796 م.

وفي هذا المجال، أشار الكاتب الصحافيّ الّذي كتب عن آثار فلسطين وطبيعتها أسامة العيسة لـ"المونيتور" إلى أنّ دير مار سابا هو الدير الوحيد الّذي تبقّى من بين ثمانين ديراً وصومعة اكتشفت من العصر البيزنطيّ في صحراء البحر الميّت، واندثرت كلّها مثل دير خريطون الى الجنوب الشرقي من مدينة بيت لحم وقال: إنّ دير مار سابا استطاع الاستمرار رغم مروره في ظروف صعبة جدّاً عبر التاريخ، فقد تعرّض الرهبان فيه إلى مذابح حين استولى العباسيّون على الحكم من الأمويّين، وكذلك حين جاء الصليبيّون إلى فلسطين أخذوا معهم مومياء "سابا" ونقلوها إلى كنيسة القديس بطرس في البندقية، قبل أن تتمّ استعادتها في عام 1965، بعد الإتّفاق بين البابا بولس السادس والبطريرك المسكونيّ.

ولفت إلى أنّ الدير يحتوي على أقدم الترجمات العربيّة للأناجيل، الّتي تعود إلى عام 885 م. كما عاش فيه العديد من الرهبان الفلسطينيّين الّذين شكّلوا نقلة نوعيّة في عمل الرهبان، أبرزهم ثيودور أبو قورة، وهو أوّل من نقل اللاّهوت إلى العربيّة، بعد أن كان مقتصراً على اللّغتين اليونانيّة والسريانيّة، وكذلك الراهب اسطفان الرملي الّذي تعدّ ترجماته للأناجيل إلى العربيّة، أقدم الترجمات في هذا المجال. كما يعدّ يوحنا الدمشقيّ أشهر الرهبان الّذين عاشوا فيه بعد أن كان وزيراً للجباية في الدولة الأمويّة.

وقال المدير العام لحماية الآثار في وزارة السياحة والآثار صالح طوافشة لـ"المونيتور": إنّ المنطقة الّتي يقع فيها الدير مصنّفة "ج"، وتخضع للسيطرة الإسرائيليّة الكاملة، الأمر الّذي يعيق تنفيذ الكثير من البرامج الخدماتيّة.

وأوضح أنّ أبرز التحدّيات الّتي تواجهها الوزارة في تقديم خدماتها إلى الدير تتمثّل بالإحتلال الّذي يعيق عمل طواقم الوزارة، ويحول دون إيصالها وتحسين البنية التحتيّة للمكان، لأنّ الفلسطينيّين ليست لديهم صلاحيّات في تلك المناطق.

وينظر الفلسطينيّون إلى أنّ تسجيل 3 مواقع على لائحة التراث العالميّ، وترشيح 13 موقعاً من بينها دير مار سابا، إلى كونهما انتصاراً ثقافيّاً وحضاريّاً وإنسانيّاً لتاريخها وحضارتها الدينيّة والثقافيّة. كما أنّه عامل مهمّ في الترويج للسياحة الترفيهيّة والدينيّة لهذه المواقع في كلّ أنحاء العالم.

More from Ahmad Melhem

Recommended Articles