تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سوق الثلثاء في رام الله... "اشتر صحّتك وادعم السيادة الغذائيّة لشعبك"

في مدينة رام الله وسط الضفّة الغربيّة، تباع الخضار والفواكه والمنتجات الزراعيّة العضويّة الخالية من أيّ أسمدة وكيماويّات، في سوق الثلثاء الأسبوعيّة، الّتي تعتبر النموذج العمليّ الأوّل للإستغناء عن البضاعة الإسرائيليّة الّتي تغزو الأسواق الفلسطينيّة.
RTR37IHR.jpg

الضفّة الغربيّة، رام الله - كلّ ثلثاء تجتهد إيمان تركمان (29 عاماً) لتنهي قطف زراعتها من مزرعتها الصغيرة، الّتي أنشأتها بعد تخرّجها من الجامعة في عام 2010، لترسلها باكراً إلى مدينة رام الله في وسط الضفّة الغربيّة لتعرض وتباع في سوق الثلثاء. وتزرع تركمان داخل مزرعتها الصغيرة في بلدتها النصاريّة القريبة من منطقة الأغوار، البندورة والخيار والخسّ والبقدونس والنعنع، وتقطفها بعناية، وترتّبها داخل صناديق بلاستيكيّة، وتضعها عند باب المزرعة لتأتي سيّارات النقل الخاصّة بالسوق لنقلها، وهو ما يوفّر عليها معاناة النّقل وتكلفته.

إنّ سوق الثلثاء هي سوق أسبوعيّة غذائيّة صحيّة افتتحت في رام الله بحزيران/يونيو من عام 2013 تحت شعار "اشتر صحّتك وادعم السيادة الغذائيّة لشعبك"، وتباع فيه الخضروات والفاكهة الخالية من الكيماويّات والمصنّعات الغذائيّة الخالية من الموادّ الحافظة، إضافة إلى زيت الزيتون والمخلّلات والمربّيات والعسل والألبان والبقوليّات والتّمر الفلسطينيّ والزعتر والمفتول البلديّين والمشروبات الطبيعيّة المركّزة.

وفي هذا السّياق، قالت تركمان لـ"المونيتور": "منذ عام كامل، وأنا أبيع كلّ ما تنتجه مزرعتي من خضار في هذه السوق، الّتي وفّرت لي الأمان، بحيث لا أفكّر في مشكلة التّسويق، الّذي يعاني منه المزارعون بمعظمهم".

وهذا الأمان هو المقابل الماديّ، الّذي تحصل عليه لقاء هذه المنتجات، حيث تبيعها بسعر موحّد طوال الموسم، ولا يؤثّر عليها أيّ تقلّب في الأسعار داخل السوق، أفضل من البيع في الحسبة، سوق الخضار الرئيسيّة.

القصد هنا أنها تقوم بالإتفاق على القائمون على سوق الثلاثاء بشراء المحصول الموسم كاملا، والذي يمكن أن يستمر 3 أشهر في بعض الأحيان كما في موسم البندورة مثلا، بشراء كل ما تنتجه خلال الفترة بنفس الأسعار، وهو ما يوفرها له البيع بسوق الخضار المركزي " الحسبة" في مدينة نابلس، حيث تتأثر الأسعار بالنزول والأرتفاع خلال أيام.

وفي هذه السوق أيضاً، هناك زبائن يقدّرون هذه المنتجات العضويّة الخالية من أيّ موادّ كيماويّة، وهو ما يميّز منتجات تركمان، إذ أنّها تعتمد أسلوب الزراعة البيئيّة، الّتي لا تستخدم أيّ أنواع أسمدة أو كيماويّات، وتعتبر من أمن أنواع الزراعات على صحّة الإنسان.

ومن جهته، أشار محمّد عبد الله، 33 عاماً، وهو أحد هؤلاء الّذين يبحثون عن الغذاء الصحيّ، ويقصد سوق الثلثاء بحثاً عنه، إلى أنّ ما جذبه في هذه السوق هو ثقته المطلقة بأنّ المنتجات المعروضة آمنة، خصوصاً في ظلّ إرتفاع حالات الأمراض بسبب الأسمدة والموادّ الكيماويّة.

وينتظر عبد الله كلّ يوم ثلثاء ليشتري من السوق كلّ ما يحتاج إليه لأسبوع من الخضروات والفواكه، كما قال لـ"المونيتور: "لا يمكن أن نجد موادّ عضويّة 100 بالمئة في كلّ الضفّة، إلاّ في هذه السوق، وهو ما يمكن أن تشتريه بكلّ ثقة ومن دون قلق من الآثار الجانبيّة السيّئة للكيماويّات الّتي تحتويها المنتجات الزراعيّة الأخرى".

ومنذ افتتاحها حتّى اليوم، تجذب هذه السوق كلّ المزارعين الّذين اعتمدوا بزراعتهم الزراعة البيئيّة والعضويّة، وهي توّفر لهم كلّ الإمكانات اللاّزمة لبيعها بأسعار مرضية جدّاً.

وفي هذا الإطار، أشار مسؤول التّسويق في "عدل للغذاء العضويّ" جهاد عبدو، وهي الشركة الّتي تشرف على السوق، بالتّعاون مع بلديّة رام الله، إلى أنّ الهدف من هذه السوق ربط المنتج بالمستهلك تحت شعار السيادة الغذائيّة لخلق إقتصاد وطنيّ فلسطينيّ مستقلّ عبر تقديم سعر عادل إلى المنتجين وغذاء آمن إلى المستهلكين.

وفي هذه السوق، يباع 147 صنفاً غذائيّاً، كما قال جهاد عبدو لـ"المونيتور"، تعدّها في معظمها نساء مهمّشات، هنّ الأكثر فقراً، من خلال التّعاون مع جمعيّات وتعاونيّات نسائيّة في القرى المهمّشة، بحيث يتمّ التّعاون معهنّ لصناعة هذه المنتجات وبيعها، وتستفيد منها 350 أسرة، وتشكّل هذه السوق بالنّسبة إلى بعضهنّ مصدر دخلهنّ الوحيد.

وإنّ خصوصيّة السوق، كما قال عبدو، تكمن في تقديمه الغذاء الآمن الناتج من الصناعات البيئيّة والمنتجات الّتي تصنعها السيّدات من دون أيّ إضافات للموادّ الحافظة، بحيث يتمّ الحفظ إمّا بالزيت إمّا بالليمون وإمّا بالملح. وأكثر من ذلك، تقوم السوق على تدريب هؤلاء السيّدات على هذه الصناعات.

وهذه المبادرة، كما أشار عبدو، تحتاج إلى دعم من الجهات الرسميّة الفلسطينيّة من خلال تبنّيها ودعمها وعدم وضع العراقيل أمامها عبر الإجراءات البيروقراطيّة المعقّدة، وقال: إنّ المستهلكين في السوق ثلاثة، وهم: الّذين يسعون إلى شراء المنتجات الخالية من الموادّ الحافظة، الأشخاص الّذين يسعون إلى دعم النساء والمزارعين الصغار، وآخرون يسعون إلى الحصو المنتجات الفلسطينيّة الّتي تساهم في نجاح عمليّة المقاطعة ويثقون بأنّها بضاعة فلسطينيّة.

في هذا السوق يحاول القائمون عليه مقاطعة المنتجات الزراعية الإسرائيلية وخاصة أنها تشكل منافسيا للمنتوج الفلسطيني، ففي الأسواق من الصعب التمييز بينها وبين المنتجات الفلسطينية وهو ما يجعل الأشخاص المقاطعين للبضائع الإسرائيلي من الصعب تجنب شرائها، ولكن في سوق الثلاثاء يضمن أن المقاطع للمنتجات الإسرائيلية سيجد الفلسطينية منها فقط. أضاف: "في هذه السوق، نسعى إلى دعم النساء المهمّشات والقطاع الزراعيّ من جهة، وتحويل شعار المقاطعة إلى برنامج السيادة الغذائيّة من جهة أخرى".

ولعلّ أهم عوامل نجاح السوق حلّ مشكلة التّسويق، الّذي يعاني منه المزارعون بمعظمهم، وخصوصاً الصغار منهم، كما قال المزارع رياض عرفات، الّذي كان أوّل من أدخل زراعة الأناناس في فلسطين إلى مزرعته الصغيرة في طولكرم.

وأشار عرفات لـ"المونيتور" إلى أنّ هذا الموسم (2015)، هو الموسم الأوّل الّذي يزرع فيه الأناناس، ولقد لاقى نجاحاً كبيراً من حيث الجودة، إلاّ أنّ مشكلته الأساسيّة كانت في التسويق قبل أن يتعرّف على سوق الثلاثاء، حيث حظي بإقبال كبير على إنتاجه.

أنتج عرفات هذا العام 1700 نبتة أناناس، ويتطلّع في العام المقبل إلى توسيع المساحة المزروعة ضعفين في مزرعته، وكلّ ذلك بفضل تسويقه الجيّد للأناناس هذا العام، من خلال سوق الثلاثاء، حيث يبيع بسعر يضمن له ربحاً جيّداً، إضافة إلى تغطيته التكلفة العالية لزراعته، وقال عرفات: "في السوق العاديّة هناك منافسة قويّة بين الأناناس الّذي أزرعه، والأناناس الّذي يتمّ إدخاله إلى الضفّة من خلال إسرائيل. وما يميّز سوق الثلثاء وجود البضاعة الفلسطينيّة فقط، وهو ما يجعلها فرصة جيّدة لي لتسويقه هناك".

ورغم محدوديّتها الجغرافيّة، إذ يستفيد منها سكّان مدينة رام الله فقط، إلاّ أنّ سوق الثلثاء تشكّل مثالاً تحتذي بها الأسواق الّتي تعتمد على الزراعات والمنتجات الزراعيّة الآمنة. وفي المقابل، تقدّم البديل عن البضائع الإسرائيليّة بمنتجات زراعيّة فلسطينيّة مئة في المئة.

More from Aziza Nofal

Recommended Articles