فوز مرسي خسارة للجزيرة

Author: سلطان سُعود القاسمي Posted July 5, 2012

"الرئيس محمد مرسي يذكر المصريين بالرئيس جمال عبد الناصر"، هذا ما أعلنه رئيس مكتب قناة "الجزيرة" في القاهرة عبد الفتاح فايد قبيل قيام الرئيس الجديد بأداء القسم الرئاسي في إشارة على ما يبدو إلى سلوك مرسي المتواضع. وفي الواقع، لم يكن التصريح خاطئاً فحسب، بل يمكن اعتباره أيضاً استهزاء بمحمد مرسي نفسه الذي كان قبل يوم واحد فقط قد شجب عهد عبد الناصر مستخدماً خطاباً دينياً. وهذا بالطبع لا يشكل سوى واحدة من الحوادث الكثيرة التي غازلت فيها قناة الجزيرة الإخوان المسلمين ومرشحهم الفائز مرسي.

SummaryPrint "الرئيس محمد مرسي يذكر المصريين بالرئيس جمال عبد الناصر"، هذا ما أعلنه رئيس مكتب قناة "الجزيرة" في القاهرة عبد الفتاح فايد قبيل قيام الرئيس الجديد بأداء القسم الرئاسي في إشارة على ما يبدو إلى سلوك مرسي المتواضع. وفي الواقع، لم يكن التصريح خاطئاً فحسب، بل يمكن اعتباره أيضاً استهزاء بمحمد مرسي نفسه الذي كان قبل يوم واحد فقط قد شجب عهد عبد الناصر مستخدماً خطاباً دينياً. وهذا بالطبع...
Author سلطان سُعود القاسمي Posted July 5, 2012

ولا شك أن علاقة الود بين "الجزيرة" والإخوان المسلمين كانت واضحة منذ انطلاقة القناة؛ فقد كان الضيف الرئيسي للبرامج الدينية هو يوسف القرضاوي، العضو في حركة الإخوان المسلمين منذ فتره طويلة والمقيم في دولة قطر التي حصل على جنسيتها.

ومنذ أن قرر الإخوان المسلمون ترشيح أحد أعضائهم للمشاركة في الانتخابات الرئاسية, لم تدخّر "الجزيرة" جهداً في الترويج له على كافة قنواتها. وكانت إدارة "الجزيرة" قد أبدت رؤية سليمة عندما افتتحت قناة "الجزيرة مباشر مصر" بعد أيام معدودة على سقوط مبارك، وذلك بهدف متابعة التطورات التي تشهدها مصر أولاً بأول حسب زعم "الجزيرة". غير أن صديقاً مصرياً مقرباً لي - وهو متابع خبير للإعلام المصري - أكد لي أن هذه القناة مكرّسة لتقديم تغطية تصب في مصلحة الإخوان المسلمين على مدار الساعة.

وبالتأكيد تعود هذه العلاقة بالنفع على كلا الطرفين؛ إذ دأبت "الجزيرة" في مناسبات عديدة – وانطلاقاً من انحيازها الواضح نحو الإخوان- على استضافة مجموعة من أكثر شخصيات الجماعة تأثيراً في الساحة السياسية المصرية مثل خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للجماعة. كما قام أحمد منصور، مذيع "الجزيرة" الشهير وعضو جماعة الإخوان المسلمين، بإجراء العديد من المقابلات مع خيرت الشاطر، بالإضافة إلى محمد بديع، المرشد العام للجماعة، ومحمد مرسي نفسه. ويقدّر الإخوان هذه العلاقة إلى درجة فاقت التوقعات مع تقدمهم بتهنئة رسمية إلى "الجزيرة" وإعرابهم عن دعمهم لها في عدة مناسبات. ولم تتردد الجماعة في الاتصال بالقناة عندما أرادت دحض قصة المقابلة المزعومة التي اجراها مرسي مع وكالة إيرانية للأنباء.

وقد يتساءل البعض لماذا تعتبر مثل هذه العلاقة خطيرة؟ كما نعلم، فقد أثّر الرئيس مرسي على الكثيرين عندما طلب عدم تعليق صوره في مؤسسات الدولة، وأشار إلى أن الأموال التي سيتم صرفها على تهنئته في الصحف يجب أن تؤول إلى الأعمال الخيرية بدلاً من ذلك. غير أن ما تفعله "الجزيرة" يقوض فرصة حصول العرب اليوم على رئيس من بني البشر يمحو الصورة النمطية للحاكم المتعالي العصي على السقوط. وقد يؤدي مديح القناة غير المتناهي لمرسي - والذي يذكر بأداء إذاعة "صوت العرب" التي كانت البوق الإعلامي للرئيس عبد الناصر- إلى نتيجة عكسية في يوم من الأيام.

وعقب أداء مرسي لقسمه الرئاسي، دعا ممدوح اسماعيل - وهو عضو سلفي في البرلمان المنحل- المصريين إلى عدم الإفراط في مديح الرئيس المنتخب كي لا يتحول إلى فرعون كما أشارت صحيفة "المصري اليوم" إلى أنه كان يجدر باسماعيل أن يطلب الأمر ذاته من "الجزيرة" أيضاً.

ولا يخفى على أحد وجود تحالف واضح بين دولة قطر، المستضيفة لقناة الجزيرة والداعمة لها، وجماعة الأخوان المسلمين. فقد استضافت هذه الدولة الخليجية خيرت الشاطر في مارس الماضي لعدة أيام، وكان أميرها أول قائد عربي يهنئ مرسي هاتفياً بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية. وقد تعهدت قطر بإجراء استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار في مصر، وهو مبلغ هائل كفيل بإبقاء الأمور لصالح الأخوان المسلمين في المستقبل المنظور. علاوة على ذلك، قامت شبكة "الجزيرة" العام الماضي أيضاً بتعيين أحد أفراد العائلة الحاكمة بمنصب المدير العام للقناة ليحل محل مديرها السابق وضاح خنفر العضو في حركة الإخوان المسلمين، مما يعزز التوقعات التي تشير بأن القناة ستواصل تغطيتها بأسلوب يتماشى مع الأجندة القطرية المؤيدة للحركات الإسلامية.

وتنقسم منهجية "الجزيرة" المؤيدة للإخوان المسلمين إلى شقين؛ الأول هو استضافة شخصيات تحرص على عدم توجيه النقد اللاذع إلى الإخوان المسلمين، أما الثاني فهو الامتناع عن توجيه أسئلة محرجة إلى أعضاء الجماعة ومتحدثيها. وأعتقد أن سلوكاً كهذا يناقض الطريقة التي يجب أن تنتهجها أي قناة إخبارية موضوعية على الرغم من أنني أؤيد إعطاء الجماعة فرصة عادلة لتثبت نفسها.

وسأسرد فيما يلي بعض الأمثلة لإيضاح وجهة نظري؛ في 22 يونيو 2012، أجرى مراسل الجزيرة عياش دراجي مقابلة مع امرأة مصرية لمدة 3 دقائق وسمح لها بتوجيه النقد إلى المرشح أحمد شفيق دون أي مقاطعة، ولكنه سحب الميكروفون وأنهى المقابلة حالما بدأت بتوجيه النقد إلى مرسي. وبعد ساعات قليلة على استقالة مرسي من الجماعة في 18 يونيو، قال رئيس مكتب "الجزيرة" في القاهرة عبد الفتاح فايد بأن "مرسي لم يعد ملزماً بالإخوان المسلمين" بالرغم من أن الحركة أنفقت عشرات ملايين الدولارات لإنجاح حملته. وأعلنت القناة عشية أداء مرسي للقسم الرئاسي بأنه يستحق "تحية عسكرية فقط لأن زوجته طلبت مناداتها بـ‘أم أحمد’ بدلاً من ‘السيدة الأولى’". وعندما بدأ مرسي بمزاولة مهام منصبه كرئيس للدولة، بدأ كمال الهلباوي - المتحدث السابق باسم حركة الإخوان المسلمين في أوروبا- بانتقاد مرسي قائلاً بأنه لا يلتزم بجداوله الزمنية، فقاطعه مذيع "الجزيرة" محمود مراد قائلاً "نحن في الوسط الأخباري معتادون على ذلك".

وثمة أمثلة أخرى لا تعد ولا تحصى على انحياز "الجزيرة" الواضح تجاه كل ما يتعلق بالإخوان المسلمين، والذي لا يقتصر على قناتها الإخبارية فحسب، بل يمكن رؤيته أيضاً على موقعها الإلكتروني. وفيما يلي عيّنة مما نشره الموقع بعد فوز مرسي: "موجة ترحيب عربية وعالمية بفوز مرسي"، و"مرسي يطمئن ويتعهد بمواصلة الثورة"، و"مرسي ولد مع حكم العسكري ليواجهه"، و"فوز مرسي في عيون ثوار سوريا"، و"فوز مرسي يثير قلقاً بإسرائيل"، و"غزة تحتفل بفوز مرسي".

وزعم أحد التقارير المنشورة على موقع "الجزيرة" الإلكتروني بأنه بعد مرور أقل من 24 ساعة على فوز مرسي، تغير الوضع في معبر رفح بمقدار 180 درجة وأصبح الناس قادرين على عبور الحدود بيسر تام. ولا شك أن أمراً كهذا مستبعد الحدوث بطبيعة الحال، إذ لم يكن قد مر الوقت الكافي لاستلام مرسي زمام الأمور على النحو المطلوب. ويصوّر الموقع الإلكتروني لقناة "الجزيرة" مرسي على أنه المحارب المصري الذي نجح في إخضاع جيش بلاده، وأنه المدافع عن حقوق العرب المضطهدين، فضلاً عن زرعه الخوف في قلب عدوهم اللدود إسرائيل. وبالطبع تتغاضى القناة عن تعهد الرئيس مرسي مراراً وتكراراً باحترام المعاهدات الدولية لمصر في إشارة إلى اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، عدا عن إشادته المتكررة بالجيش.

علاوة على ما سبق، ألحقت علاقة "الجزيرة" بالإخوان المسلمين الكثير من الضرر بالقضايا الثورية للعديد من البلدان العربية. وعلى سبيل المثال، فقدت القناة الكثير من مصداقيتها بسبب دعمها غير المشروط لـ "المجلس الوطني السوري" المعارض الذي يغلب عليه الإخوان المسلمون، والذي أثبت فشله مرة تلو الأخرى. وتنأى "الجزيرة" بنفسها عن توجيه أي انتقاد لهذا المجلس أو أخطائه الكثيرة، وتلزم مراسليها بصياغة تقاريرهم وفق طريقة محددة مسبقاً، مما دفع العديد منهم إلى الاستقالة.

وعلى الجهة المقابلة، تواصل القناة استضافة داعمين هزليين لنظام الأسد لكي تعطي مشاهديها انطباعاً معيناً. وقد أشارت صحيفة "الأخبار اللبنانية" إلى أن انحياز "الجزيرة" لـ "المجلس الوطني السوري" يعزى إلى إسنادها مهمة متابعة الشأن السوري لأحمد العبدة الذي يعمل تحت اسم أحمد ابراهيم لإخفاء صلته بأخيه أنس العبدة، العضو في جماعة الإخوان المسلمين و"المجلس الوطني السوري". وقد أكد لي مصدر عربي يعمل داخل القناة هذه الحقيقة في رسالة خاصة تلقيتها منه على موقع "تويتر". أما بالنسبة للشأن الفلسطيني، فغالباً ما تتحدث "الجزيرة" عن الفساد المتفشي في السلطة الفلسطينية، ولكنها نادراً ما تذكر أي شيء عن الانتكاسات التي يتعرض لها النهج الديمقراطي في قطاع غزة المحكوم من قبل حركة حمّاس المرتبطة بالإخوان المسلمين.

وعلى الصعيد الشخصي، وجدت خطابات الرئيس مرسي مؤثرة للغاية، إذ يبدو متوازناً وأصاب في حديثه العديد من النقاط السليمة. أمّا إذا ما كان سيلتزم بوعوده أم لا، فهذا شأن آخر تماماً. على أية حال، بدلاً من أن تعرّف القناة مشاهديها بشكل أفضل على مرسي، فإنها تدأب على تقديم رواية لتمجيده دون مراعاة أسس الموضوعية والتحليل السليم، مما يحول الأمر إلى مجرد دعاية ترويجية صارخة للإخوان المسلمين بدلاً من أن يكون تغطية إعلامية محايدة.
وللأسف، لا توجد قناة عربية أخرى قادرة على لعب الدور الذي كان يفترض بـ "الجزيرة" أن تلعبه، ولذلك لم يبق للمشاهد العربي الآن سوى أن يتنقل بين مجموعة من القنوات التي تروي قصصاً مختلفة على أمل الوصول إلى مشهد أقرب ما يكون إلى الحقيقة.

واتخذ انحياز "الجزيرة" إلى الإخوان المسلمين طابعاً مؤسسياً تجاوز نطاق العديد من مديري القناة. ومن الجدير بالذكر أن هذا الأمر يقتصر على النسخة العربية من قناة "الجزيرة" ولم يصل إلى "الجزيرة الإنجليزية". وبذلك تلعب قناة "الجزيرة" العربية دوراً فاعلاً في إعادة صياغة صورة "القائد الديكتاتور" التي اعتاد العرب عليها منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث يتم الإيعاز إلى الوسائل الإعلامية بأن لا توجه أي انتقادات إلى الحاكم سواء كانت رئيساً أم ملكاً أم أميراً. وما من شك أن فوز مرسي العادل ليس خسارة بالنسبة إلى قناة "الجزيرة" العربية فحسب، بل هو ضربة قاصمة لمصداقيتها أمام جميع مشاهديها؛ فقد ضربت القناة عرض الحائط بشعارها الشهير "الرأي والرأي الآخر" في تغطيتها للشؤون المتعلقة بالإخوان المسلمين.

.نشر هذا المقال بالغة الإنجليزية على الموقع الإلكتروني "المونيتور" 1 يوليو

Read More: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2012/al-monitor/morsys-win-is-al-jazeeras-loss-arabic.html

Translate with Google

©2014 Al-Monitor. All rights reserved.

Share