نبض العراق

هل يستطيع سليماني كبح جماح طموحات إقليم كردستان العراق؟

p
بقلم
بإختصار
تصاعدت نشاطات القوى الكرديّة نحو إجراء استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق. وتواجه الطموحات الكرديّة هذه اعتراضات إيرانيّة، إذ تستخدم إيران أدوات نفوذها الكثيرة بهدف كبح جماح هذه الطموحات، لكنّ القوى الكرديّة ماضية في مشروعها بدعم دوليّ أميركيّ.

مع تصاعد الحديث عن إجراء استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان العراق، يبرز دور إيران، خصوصاً فيلق القدس وقائدها الجنرال قاسم سليماني مرّة أخرى، ولكن يبدو أنّ هذا الدور يتحجّم أمام الطموحات الكرديّة نحو المزيد من الاستقلال. وأفادت مصادر كرديّة في ١٠ نيسان/إبريل أنّ قاسم سليماني زار مدينة السليمانيّة، واجتمع مع كبار قادة الإتحاد الوطنيّ الكردستانيّ.

وأشارت قناة "روداو" التابعة للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ في ١١ نيسان/إبريل إلى أنّ هدف هذه الزيارة هو منع إجراء استفتاء الاستقلال في الإقليم، ولكن على ما يبدو لم تقتصر هذه الزيارة على مسؤولي الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ، حيث أفادت مصادر صحافيّة عراقيّة نقلاً عن مسؤولين كرد أنّ سليماني بحث في قضيّة الاستفتاء مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في إربيل.

وسليماني هو مسؤول ملف العراق، كما صرّح بذلك رئيس الوزراء في إقليم كردستان نجيرفان بارزاني. وعلى هذا الأساس، يتمتّع بعلاقات كثيرة مع جهات كرديّة، خصوصاً في الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحركة التغيير منذ تسعينيّات القرن الماضي.

وتصاعدت نشاطات القوى الكرديّة في العراق في الآونة الأخيرة لإجراء استفتاء استقلال الإقليم، وأكّد قادة الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ إجراء الاستفتاء في العام الجاري. وفي ٢ نيسان/إبريل الحاليّ، اتّفق الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ على تشكيل لجنة مشتركة لتحديد آليّة الاستفتاء وموعده.

وتعارض إيران هذه الخطوات، وتعتبر استقلال إقليم كردستان العراق خطّاً أحمر. وفي ردّه على الاعتراضات على عمليّة إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان، قال فاضل ميراني، وهو سكرتير الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ في ١١ نيسان/إبريل الحاليّ: "إنّنا لا نأخذ الموافقة من أحد لإجراء الاستفتاء".

ولكن لا يمكن غضّ الطرف عن نفوذ الدول المجاورة، التي تعارض استقلال الإقليم. وتتمتّع إيران خصوصاً بنفوذ واسع في مناطق نفوذ الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحركة التغيير المحاذية لإيران. وتمتلك إيران أدوات ضغط متعدّدة تتيح لها التأثير على مجريات الأمور في إقليم كردستان. فعلى الصعيد الإقتصاديّ تشكّل حدود إيران منفذاً حيويّاً لمناطق نفوذ الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحركة التغيير. وتزداد أهميّة هذه الحدود في ظلّ الخلافات المستمرّة بين الأطراف الكرديّة، حيث تستطيع إيران خنق بعض مناطق إقليم كردستان إقتصاديّاً.

وعن تأثير الخلافات الكرديّة الداخليّة على قوّة النفوذ الإيرانيّ، قال يوست هيلترمان، وهو مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدوليّة التي تتّخذ من بروكسل مقرّاً لها في تصريح لـ"المونيتور": "إنّ استراتيجيّة إيران في العراق هي سياسة فرّق تسدّ. وإنّ المجتمع الكرديّ منقسم جدّاً حاليّاً، وهذا يوفّر الفرصة لإيران بأن تستغلّ هذه الخلافات".

غير أنّ إيران ستخسر هذه القدرة إلى حدّ كبير، في حال قرّرت الأحزاب الكرديّة أن تضع الخلافات جانباً، حيث هناك حركة تجاريّة واسعة على حدود الإقليم مع تركيا يمكن أن تخدم كلّ الإقليم من شرقه إلى غربه. ومن المؤكّد أنّ هذا كلّه يعتمد على مدى التنسيق بين إيران وتركيا، التي تعارض من جانبها الخطوات نحو استقلال الإقليم.

ويبرز دور سليماني في النفوذ الأمنيّ الإيرانيّ في إقليم كردستان العراق كونه قائد قوّة عسكريّة وأمنيّة مؤثّرة في المنطقة. ولدى إيران حضور أمنيّ واسع في إقليم كردستان العراق، وهناك أحزاب كرديّة إيرانيّة معارضة تنشط على أراضي كردستان العراق، وفي بعض الأحيان تشنّ هجمات على مواقع داخل الأراضي الإيرانيّة. وهذا ما دفع بإيران إلى توسيع حضورها الأمنيّ في كردستان العراق.

وفي هذا السياق، قال ديفيد بولوك، وهو زميل في معهد واشنطن، نقلاً عن أحد أبرز المسؤولين في حركة التغيير: "في السليمانيّة وحدها، يملك العملاء الإيرانيّون ٧٠٠ منزل آمن".

وعن نشاطات إيران الأمنيّة في كردستان العراق، قال هيمن سيدي، وهو عضو سابق في لجنة قيادة الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ الإيرانيّ لـ"المونيتور": "في العقدين الماضيين، نفّذت إيران عشرات العمليّات الأمنيّة داخل أراضي كردستان العراق. واغتالت العشرات من أعضاء المعارضة الكرديّة وقصفت مقرّات الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ الإيرانيّ عقب اجتياحها أراضي كردستان العراق".

وفي كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، قتل ٦ من أعضاء الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ الإيرانيّ في انفجار هزّ مقرّه الرئيسيّ في مدينة كوية في إقليم كردستان. واتّهمت قيادة الحزب إيران بتنفيذ هذه العمليّة. ولم يستبعد نجيرفان بارزاني أن تكون إيران وراء هذه العمليّة.

ويمكن أن يستخدم سليماني أدوات إيران الديبلوماسيّة والإقتصاديّة والأمنيّة للحيلولة دون استقلال الإقليم. وقال أستاذ جامعة ساسكس البريطانيّة والخبير في الشؤون الكرديّة كامران متين في تصريح لـ"المونيتور": لو حصل الاستفتاء بالفعل، واتّخذت القيادة الكرديّة الخطوات باتّجاه الاستقلال الفعليّ، من المحتمل أن يحرّك سليماني الحكومة المركزيّة في بغداد والميليشيات الشيعيّة ضدّ الإقليم. وأيضاً، يمكن أن تتّخذ إيران تواجد القوّات المعارضة الكرديّة الإيرانيّة في الإقليم ذريعة للتدخّل العسكريّ فيه. ومن جهة أخرى، تستطيع إيران أنّ تدخل في حلف مع تركيا للضغط على الإقليم. وأخيراً، يمكن لحرس الثورة في إيران أن يحرّك جماعات سنيّة كرديّة متطرّفة ضدّ حكومة الإقليم، كما فعل في بداية العقد الماضي حينما دعم حرس الثورة جماعة أنصار الإسلام بهدف الحصول على تنازلات سياسيّة من الإقليم".

وإذ استبعد يوست هيلترمان أن تتّخذ إيران هذه الإجراءات في هذه المرحلة، قال: "لا أعتقد أنّ إيران قلقة كثيراً، علماً بأنّه مجرّد استفتاء، وسوف لن يتمتّع بدعم دوليّ كبير في هذه المرحلة".

ورغم امتلاك إيران أدوات ضغط مؤثّرة على الإقليم وتحرّكات سليماني في اتّجاه منعه من الحصول على المزيد من الاستقلال، لقد تمكّن الإقليم من كسب امتيازات كبيرة في السنوات الماضية في ظلّ دعم دوليّ أميركيّ.

حمدي ملك باحث في جامعة كيل البريطانية ونشرت له العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة باشأن العراقي.

x