نبض مصر

ظاهرة فرعونيّة فريدة جعلت الشمس تتعامد على وجه رمسيس الثاني مرّتين سنويّاً

p
بقلم
بإختصار
قام قدماء المصريون بصنع معجزة متقدمة علمية منذ آلاف السنوات، حيث قاموا بجعل الشمس باستطاعتها التعامد على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني مرتين كل عام، المرة الأولى هي يوم مولده، والمرة الثانية هي يوم تتويجه ملكًا على مصر، وذلك بمعرفتهم لمسار شروق وغروب الشمس وتحتفل محافظة أسوان، التي يقع بها المعبد، بهذه الظاهرة، بمشاركة عدة جهات وأيضًا أهالي منطقة أبوسمبل، فيما يهدف الاحتفال أيضًا للترويج للسياحة.

عرف قدماء المصريّين وحضارتهم الفرعونيّة بتفوّقهم العلميّ ونبوغهم، خصوصاً في علمي الفلك والمعمار والنحت، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، تعدّ الأهرامات الثلاثة إحدى عجائب الدنيا السبع. وما زالت فنون الفراعنة وما تبقّى من آثارهم أسراراً وظواهر لم يصل العلماء حتّى يومنا هذا إلى تفسيرها أو تفسير كيفيّة تنفيذها.

وفي 22 شباط/فبراير، تتكرر ظاهرة أخرى تعدّ معجزة فرعونيّة، حيث شهدت منطقة قدس الأقداس في معبد أبو سمبل في محافظة أسوان، تعامد الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني. وتتكرّر تلك الظاهرة مرّتين كلّ عام، يوم مولد الملك في 22 تشرين الأوّل/أكتوبر، ومرّة أخرى في يوم تتويجه 22 فبراير.

وقام رمسيس الثاني ببناء معبده في عام 1275 ق.م، مستغرقاً 19 عاماً للانتهاء منه، وفي الوقت ذاته، قام الملك بتشييد معبد آخر لزوجته الملكة نفرتاري، والتي عرفت بأنّها أجمل ملكات الفراعنة، آمراً بنحت معبدها في جوار معبده في جبل يطلّ على النيل.

وقد ولد الملك رمسيس الثاني، وهو أحد ملوك الأسرة الفرعونية التاسعة في عام 1315 ق.م، وتولّى الحكم في عام 1290 ق.م. وقد اكتسب شهرة واسعة في التاريخ لأسباب عدّة، حيث تولّى الحكم شابّاً متحمّساً ذا طموح كبير، وطالت فترة حكمه لمدّة 67 عاماً، وورث دولة قويّة ثريّة من والده، وتعلّم على يديه فنون السياسة والحرب والحكم.

وشهد الملك تأييداً واسعاً من رجاله العسكريّين والمدنيّين، فقد انتصر على الحيثيّين الذين كانوا يعدّون أكبر قوّة عسكريّة في عصره، فيما كان شغوفاً بتخليد ذكراه وتمجيد نفسه، ولذلك بنى عدداً كبيراً من المعابد والقصور والمسلّات والتماثيل أكثر من أيّ حاكم آخر سبقه، كما أنّه وفي عهده، تكوّنت لمصر عاصمة جديدة سمّيت باسمه "بررعمسيس"، والتي تعني دار رمسيس، وقد أصبحت إحدى أهمّ العواصم في الشرق الأدنى القديم.

وقد بدأ الحدث عقب شروق الشمس وبدء تسلّل أشعّتها إلى داخل المعبد، لتضيء هذا المكان العميق بالكامل، والذي يبعد عن المدخل حوالى 60 متراً. وتحدث هذه الظاهرة عقب اكتشاف قدماء المصريين بطريقة أو أخرى مسار محدد لشروق الشمس، وأن هناك نقطتين في هذا المسار تتوافق مع يومي مولد وتتويج الملك رمسيس الثاني، كلاهما سيجعل الشمس تتعامد على التمثال، ثم قاموا ببناء المعبد، بحيث يكون اتّجاه المسار الذي تدخل منه الشمس على وجه رمسيس الثاني من ناحية الشرق من فتحة ضيّقة، بحيث أنّها في اليوم التالي تنحرف انحرافاً صغيراً قدره ربع درجة، وبهذا تسقط الأشعّة على جدار الفتحة، ولا تسقط على وجه التمثال.

وتستند ظاهرة تعامد الشمس إلى حقيقة علميّة، وهي أنّ الشمس تشرق وتغرب يوميًا في مسار محدد يبدأ بنقطة محدّدة لشروق الشمس وأخرى لغروبها في 22 آذار/مارس، ثمّ تتغيّر نقطة الشروق والغروب يوميًا بمقدار ربع درجة تقريباً ناحية الشمال، لتصل في شروقها إلى نقطة تبعد مقدار 23 درجة و27 دقيقة ناحية شمال الشرق في 22 حزيران/يونيو، وبذلك تمرّ الشمس على كلّ نقطة أثناء شروقها وغروبها مرّتين في كلّ عام، وأنّ المسافة الزمنيّة بينهما تختلف تبعاً لبعد كلّ نقطة عن نقطة الشرق تماماً.

وقد قامت المستكشفة إميليا إدوارد والفريق المرافق لها، في عام 1874، برصد هذه الظاهرة وتسجيلها في كتابها "ألف ميل فوق النيل"، والذي جاء فيه: "تصبح تماثيل قدس الأقداس ذات تأثير كبير، وتحاط بهالة جميلة من الهيبة والوقار عند شروق الشمس وسقوط أشعّتها عليها".

ومن جانبها، استعدت محافظة أسوان وأقامت احتفاليّة قويّة بمناسبة الظاهرة والتي رصدتها "المونيتور"، حيث قال محافظ أسوان اللواء مجدي حجازي إنّ المحافظة أقامت عدداً من الفعاليّات الفنيّة والثقافيّة.

وأكّد حجازي في تصريحات إلى "المونيتور": " نظمنا الاحتفاليّة هذا العام في شكل أفضل من الأعوام الماضية، نظراً إلى تطوير العمل والأداء لتخرج في شكل يليق بالظاهرة". وأشار إلى أنّ ذلك تم بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار والثقافة مع محافظة أسوان، مؤكّداً في تصريحاته أنّ "المحافظة كانت تنفق مبالغ كبيرة على احتفالات تعامد الشمس سابقاً، وحاليّاً بعدما اتّبعنا سياسة ترشيد الإنفاق، قمنا بالاتّفاق مع جهّات أخرى لدعم الاحتفاليّة وخروجها في أفضل شكل".

وشهدت الاحتفاليّة انطلاق مهرجان أسوان الدوليّ الخامس للثقافة والفنون، والذي شاركت فيه 17 فرقة للفنون الشعبيّة، منها 8 فرق دوليّة من الصين والهند واليونان والسودان ونيجيريا وأرمينيا وكوريا الجنوبيّة وتايلاند.

وقد حضر الاحتفالية كل من الدكتور خالد العناني، وزير الآثار، وحلمي النمنم، وزير الثقافة، ويحيي راشد، وزير السياحة، واللواء مجدي حجازي، محافظ أسوان، كما شهد الظاهرة الفلكية نحو 4000 زائر من بينهم 1500 سائح.

وبالتزامن مع احتفالات تعامد الشمس على قدس الأقداس، تم أيضاً افتتاح الدورة الأولى من مهرجان أسوان الدوليّ لأفلام المرأة، برعاية وزارتي الثقافة والسياحة، لجذب المزيد من السيّاح إلى المحافظة، وقد تمّ تصميم جائزة المهرجان على هيئة تمثال إيزيس، ربّة القمر والأمومة عند قدماء المصريّين.

وفي تصريحاته إلى "المونيتور"، قال مدير عام فرع ثقافة أسوان محمّد إدريس إنّ "برنامج عروض الفرق المشاركة في الاحتفاليّة، تم في مواقع ثقافيّة عدّة وفي مراكز الشباب في المحافظة"، مضيفاً أن: "وزارة الثقافة قد نظمت حفلاً في مدينة أبو سمبل، بمشاركة كلّ الفرق مجتمعة، في إطار إحياء الاحتفاليّة".

وفي تصريحات صحافيّة، قال مدير عام آثار أبو سمبل حسام عبّود إنّ استعدادات الوزارة للاحتفاليّة جرت على قدم وساق للخروج في الشكل اللائق لها، والذي يحقّق ترويجاً مناسباً للسياحة، مضيفاً أنّ تلك الظاهرة كانت للاعتقاد بوجود علاقة بين الملك رمسيس الثاني والإله رع، إله الشمس عند قدماء المصريّين.

وإلى جانب الاحتفاليّة، قرر أهالي مدينة أبو سمبل المشاركة في الاحتفال والترويج لمدينتهم، حيث أقاموا معرضاً يضمّ مجموعة من التراث والفلكور الشعبيّ الخاصّ بالمدينة، فضلاً عن عرض للأشغال اليدويّة الحرفيّة لمختلف العائلات والقبائل الكائنة في أبو سمبل، ويأتي ذلك بهدف إظهار ثقافات أهالي المنطقة وإبرازها للزوّار الأجانب والمصريّين.

وكانت جامعة أسوان قد شاركت في هذا الحدث العالميّ الكبير، من خلال طلّاب وطالبات يمثّلون الأقسام واللغات المختلفة في كلية الألسن في الجامعة، في إرشاد السائحين الأجانب الذين حضروا ظاهرة تعامد الشمس على تمثال الملك رمسيس الثاني، كما شاركوا أيضاً ليلة الاحتفال بالظاهرة الفلكيّة الفريدة.

وجد في : egyptian culture, tourism, aswan, pharaohs, pyramids, history, egyptian society

صحفي وباحث إعلامي سابقًا، عمل في عدة جهات صحفية إلكترونية وورقية، من بينها جريدة المصري اليوم وجريدة الدستور، وموقع مصراوي، فضلًا عن عمله مؤخرًا كـ سكرتير تحرير لموقع اتفرج، قبيل استقالته.

x