نبض تركية

ما يريده "اللوبي الروسي" في أنقرة

p
بقلم
بإختصار
مجموعةٌ من الأوراسيويين، كما يُسمّون، تهمس من جديد في أذن أنقرة بأن مستقبل تركيا هو مع روسيا والصين، وقد وضعت خطة لقطع العلاقات مع أوروبا.

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الجاري، نشر الصحافي التركي المخضرم مراد يتكين مقالاً في صحيفة "حرييت دايلي نيوز" بعنوان "سيناريو مخيف في الكواليس السياسية في أنقرة". وقد كشف المقال الذي تناول العديد من التعليقات والأحاديث المتداوَلة، النقاب عن "مجموعة من الأشخاص المقرّبين من أردوغان" والذين لديهم "خطة مفصّلة" لإعادة رسم مستقبل تركيا. تقوم الخطة على الانفصال الكامل عن المؤسسات الأوروبية لبناء تركيا أكثر فقراً إنما أكثر قابلية للإدارة. والخطوات التي سيتم اتباعها، بحسب يتكين، هي "إعادة العمل بعقوبة الإعدام، والتخلص من القيود التي تفرضها تشريعات الاتحاد الأوروبي عندما يقطع هذا الأخير كل العلاقات، وترك البورصة تنهار (أي التخلص من الشركات الكبرى والرساميل الأجنبية، التي ’لا علاقة لنا بها‘ في مختلف الأحوال)، وتلبية الاحتياجات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في إطار صفقة معينة وبما يتلاءم مع ’احتياجاتنا‘ للتخلص من الضغوط السياسية المفرطة من الغرب".

يشير يتكين، في مقال ثانٍ، إلى المجموعة التي تروّج هذه الخطة الجذرية بالأوراسيويين: إنهم أشخاص يعتبرون أنه على تركيا أن تبحث عن مستقبلها ليس في الغرب، إنما في أوراسيا، لا سيما من خلال العلاقات مع روسيا والصين. ويرى هؤلاء أنه من شأن إعادة العمل بعقوبة الإعدام، وهي فكرةٌ يروّج لها الرئيس رجب طيب أردوغان مؤخراً، أن تشكّل الخطوة المحورية لقطع جميع الروابط مع الاتحاد الأوروبي والتقدم باتجاه الانضمام إلى "ميثاق شنغهاي".

بالطبع، ليست الأوراسيوية مفهوماً جديداً في السياسة التركية. فقد اكتسبت رواجاً في مطلع القرن الحادي والعشرين عندما أطلقت مجموعة من القوميين العلمانيين الذين تجمعهم روابط بالصقوريين في المؤسسة العسكرية، معارضتها لعملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتطلّعت بدلاً من ذلك إلى التقارب مع روسيا والصين. أحد الأشخاص الأساسيين في هذه الحركة كان دوجو برينجيك المعروف عنه في تركيا بأنه من أبرز رموز الماوية، وقد جرى اعتقاله في العام 2008 لانتمائه إلى "إرغينيكون"، وهي عصبة شبه متخيّلة يُزعَم أنها خطّطت لانقلاب عسكري ضد "حزب العدالة والتنمية" بزعامة أردوغان. لكن اليوم، بعد قلب الطاولات في تركيا رأساً على عقب، القوى المناهضة للغرب التي كانت في ما مضى عدوةً لدودة لأردوغان أصبحت الآن من أفضل أصدقائه.

لهذا يشكّل برينجيك الذي أمضى ستة أعوام في السجن خلال محاكمة "إرغينيكون" السيئة الذكر، و"حزب الوطن الأم" الصغير الذي يتزعّمه، عنصراً أساسياً في الحركة الأوراسيوية الراهنة، أو "اللوبي الروسي"، كما يسمّيه البعض. لقد أكّدت مصادر "المونيتور" في أنقرة أن برينجيك وفريقه أدّيا دوراً ذا تأثير واسع في رأب العلاقات التركية-الروسية إبان الأزمة التي تسبّب بها قيام تركيا بإسقاط طائرة حربية روسية العام الماضي، وحتى في إطلاق حوار غير مباشر مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وكذلك قدّم برينجيك صديقه ألكسندر دوغين، وهو مفكّر روسي يُلقّب بـ"راسبوتين بوتين"، إلى الدوائر الحكومية. قال مصدر لموقع "المونيتور": "ترفع مجموعة برينجيك حالياً إحاطات إلى وزارة الخارجية التركية حول مسائل متنوّعة، في حين يؤدّي العناصر الموالون لبرينجيك في القضاء دوراً ناشطاً في تطهير الغولينيين".

ساهم الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو في تمكين الأوراسيويين أكثر فأكثر. لقد ساد اعتقادٌ على نطاق واسع في تركيا بأن ردود الفعل المتحفّظة على الانقلاب في الغرب هي دليل على أنه على الرغم من أن المؤامرة نفّذها الغولينيون، إلا أنها من تخطيط العقل المدبّر المزعوم، عصبة غربية تعمل في الظل وتتآمر بلا هوادة ضد تركيا. تجدر الإشارة إلى أن البروباغندا الروسية ساهمت في تعزيز هذه النظرة، مع تداول أخبار كاذبة عن تورّط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) في الانقلاب، وقد عملت وسائل الإعلام الموالية لأردوغان بحماسة شديدة على نشرها.

بيد أن مجموعة برينجيك التي تتألف بكاملها من علمانيين هي زمرة صغيرة، ولا تنسجم تماماً مع النظرة الدينية لـ"حزب العدالة والتنمية" الحاكم. لهذا الأوراسيويون داخل "حزب العدالة والتنمية" هم أكثر أهمية. بحسب مصادر موقع "المونيتور" في أنقرة، ثمة مكوِّنان أساسيان في "حزب العدالة والتنمية": رجال الأعمال الذين يملكون استثمارات كبيرة في روسيا وبالتالي مشاغلهم براغماتية وحسب، وزمرة أكثر أيديولوجية مؤلّفة من "بعض مستشاري الرئيس أردوغان، وبعض الشخصيات الأساسية في البيروقراطية، وبعض المعلّقين الشديدي الولاء لأردوغان". جميعهم يعتقدون فعلاً أن هناك مؤامرة غربية كبرى ضد تركيا، وأنه على أنقرة أن تتحالف مع بوتين وسواه من الحكّام الديكتاتوريين المناهضين للغرب.

لكن بالنسبة إلى هؤلاء الأوراسيويين، ثمة جانب مشرق كبير في الغرب الآن يتمثل في دونالد ترامب. يترقّبون الكثير من الرئيس الأميركي العتيد، ومن جملة ما يترقّبونه ترحيل الإمام فتح الله غولن الذي يُتَّهَم بأنه المخطِّط الأساسي للانقلاب، ووقف الدعم الأميركي للمقاتلين الأكراد في سوريا. بالطبع، يبقى أن نرى إذا كانوا سيصابون بخيبة أمل.

ما هو موقف أردوغان، صاحب الكلمة الفصل، في هذه المسألة؟ هل يفكّر جدّياً في تطلعات الأوراسيويين ويقود تركيا نحو قطيعة كبرى مع الغرب؟

غالب الظن أن أردوغان، الدائم البراغماتية، يريد أن يُبقي كل خياراته مطروحةً على الطاولة. لا شك في أنه يشعر بأنه تعرّض "للخيانة" من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبأنه متضامن مع "القادة الذين يسمّيهم الغرب ديكتاتوريين". لكن ذلك يؤشّر إلى أنه يريد أن يغيّر الغرب سلوكه نحوه، وهذا ما يأمله من ترامب.

قال عضو رفيع المستوى في الإعلام الموالي للحكومة التركية لموقع "المونيتور": "يوجّه ضمناً إلى الغرب الرسالة الآتية: ’لدينا خيارات أخرى‘، وسوف يرى كيف سيتلقّف الغرب الرسالة". يقول مراقب سياسي آخر مقرّب من دوائر أردوغان الداخلية: "هدفه الأكبر هو إطالة أمد بقائه في السلطة إلى أقصى حد، ويمكنه أن يتحالف مع الغرب أو مع روسيا بحسب الظروف".

بعبارة أخرى، يبدو "التوجّه الغربي" لتركيا الذي يعود إلى قرنَين من الزمن تقريباً، أكثر التباساً الآن من أي وقت مضى، ولا شيء أكيد بشأن المستقبل. يتوقّف الأمر على ما سيؤول إليه المشهد الداخلي التركي، وكذلك على الطريقة التي ستتعامل بها القوى الغربية مع الوضع. في مختلف الأحوال، مَن يأملون برؤية الديمقراطية التركية تصمد وتستمر عليهم أن يحاولوا تثبيت روابط أنقرة مع الغرب، لا سيما أوروبا. وإلا إذا حقّق اللوبي الروسي في أنقرة مراده، فقد تتحوّل تركيا إلى روسيا أخرى.

وجد في : recep tayyip erdogan, fethullah gulen, european union, ergenekon, donald trump, dogu perincek, conspiracy theories, china
x