نبض تركية

هل تشكّل "الأردوغانيّة" خطرًا على إسلامويّة تركيا؟

p
بقلم
بإختصار
يتزايد الشعور بالقلق لدى بعض المعلّقين المنتمين إلى الحركة الإسلاميّة في تركيا نتيجة حشد الرئيس رجب طيب أردوغان المستمرّ للسلطة وحماسة مناصريه.

غالبًا ما يتمّ النظر إلى الرئيس التركي القوي، رجب طيّب أردوغان، على أنّه قائد الحركة الإسلاميّة في تركيا، وهذا ليس رأيًا خاطئًا، نظرًا للخطاب الإسلامي القوي الذي يلجأ إليه أردوغان وللدعم الذي يتلقّاه من شريحة كبيرة من المحافظين المتديّنين في تركيا. لكنّ الساحة الإسلاميّة أصبحت مؤخرًا أكثر تعقيدًا بقليل، مع تحوّل "الأردوغانيّة" إلى إيديولوجيّة بحدّ ذاتها، مخيّبةً آمال المناصرين القدماء للحركة الإسلاميّة التركيّة.

إجمالاً، يشير مصطلح "إسلامويّة" إلى الحركات السياسيّة أو الأحزاب التي تهدف إلى أسلمة المجتمع عبر أجهزة الدولة. من هذا المنطلق، تُعتبَر الإسلامويّةُ استبداديّةً بطبيعتها، بخاصّة عندما تحاول فرض القانون الإسلامي (الشريعة) على الأشخاص الذين يعارضونه. لكنّ الأحزاب الإسلاميّة لا تتمتّع بالضرورة بهيكل هرمي وغالبًا ما تفتقر إلى "قادة كبار" يتمتّعون بشخصيّة جذابة ويقومون بإملاء الشروط والأحكام على الأعضاء. على سبيل المثال، وبحسب أحد التقارير، يرى الإخوان المسلمون في مصر نفسهم "لا كحزب سياسي يديره رئيس واحد، بل كـ'مجتمع' متماسك يعمل على أساس التشاور الداخلي".

وفي تركيا، تأسّس حزب العدالة والتنمية في العام 2001 كتنظيم يعِدُ بـ"التشاور الداخلي"، وحتّى إنّه تصوّر دورانًا نظاميًّا للنخب السياسة ففرض على نفسه حدًا للولاية البرلمانية بثلاث ولايات كحدّ أقصى. لكن تدريجيًا، تحوّل إلى "حزب سياسي يديره رئيس واحد" – أردوغان. وبقي حكم تحديد الولاية ساريًا ومطبّقًا على الجميع في الحزب - أي الجميع باستثناء أردوغان، ذلك أنّ أردوغان هو حاليًا رئيس "غير حزبي" رسميًا، ولا تنطبق عليه القوانين الداخلية لحزب العدالة والتنمية، مع أنّه لا يزال يسيطر على الحزب.

بالإضافة إلى ذلك، إنّ الحملة الدّعائية المؤيّدة لأردوغان، والتي يكرّس حاليًا حوالي نصف الإعلام التركي نفسه لها بشكل كامل، أخذت مؤخرًا شكل العبادة المكرّسة لشخص معيّن، وهذا أيضًا ليس ظاهرة إسلاميّة نمطيّة. صدر مؤخّرًا كتاب بعنوان، "رجب طيب أردوغان: شمس العصر"، يشير بفخر إلى أردوغان على أنّه "معبود شبابنا"، وهذا أمر قد يبدو شاذًا بالنسبة إلى الشخص الإسلامي العادي، إن لم يعتبره حتّى هرطقيًا. وفي العام 2011، أعلن نائبٌ من حزب العدالة والتنمية، "حتّى لمس أردوغان هو شكل من أشكال العبادة"، وفي العام 2014، صرّح نائب آخر من حزب العدالة والتنمية أنّ أردوغان "يحمل جميع صفات الله في شخصه". مثل هذه الآراء التي تُعتبَر هرطقيّة من المنظور الإسلامي التقليدي، جرى انتقادها والهزء بها من قبل خصوم أردوغان، لكنه لم يعلّق مباشرة على الموضوع.

إنّ المثقفين الأكثر وفاءً لأردوغان في الإعلام التركي، الضروريّين بالنسبة إليه ليواصل إحكام قبضته على السلطة، هم نقطة مهمّة أخرى. لا شكّ في أنّ بعض هؤلاء الأشخاص هم إسلاميّون، لكنّ آخرين هم من الشخصيات العلمانيّة التي تشيد بأردوغان، في سبيل "الديمقراطيّة"، لجعله تركيا دولة قويّة ولسحقه "خونة" الأمّة. والجدير بالذكر هو أنّ بعض هؤلاء المثقفين العلمانيّين لم يصبحوا من مناصري أردوغان إلا في السنوات القليلة الماضية، وقد تغلّبوا على معظم الإسلاميّين في صفوف حزب العدالة والتنمية في تعصّبهم للدفاع عن "الزعيم المؤسس لتركيا الجديدة".

في الوقت عينه، يبدو بعض المثقفين أصحاب التوجه الأكثر تقليدية داخل الحركة الإسلاميّة في تركيا منزعجين أو خائبين جراء حشد أردوغان المتواصل للسلطة وتعصّب مجنّديه العصريّين. ومن هذه الشخصيات نذكر هاكان البيرق، أحد الناشطين البارزين في أسطول الحرية إلى غزّة في العام 2010، الذي كتب رسالة نقدية مفتوحة لأردوغان في 22 آذار/مارس في صحيفته اليوميّة الإسلاميّة الجديدة، "ديريليس بوستاسي". وإنّ الرسالة، التي تحمل عنوان "لا تفعل ذلك أيها الزعيم، بحق الله!"، ناشدت أردوغان، "الزعيم"، عدم التدخل بكلّ شاردة وواردة في حكومة أحمد داوود أوغلو. لكنّ البيرق كان من الداعمين لأردوغان مع أنه يحنّ إلى الأيام التي كان يتشاطر السلطة فيها مع شخصيات أخرى، من بينها الرئيس السابق عبد الله غول، "الذي كان يوحي بالثقة للجميع، بمن فيهم خصومنا".

وسرعان ما اكتشف البيرق أنّ أكثر أشكال الانتقاد احترامًا غير مرحّب به حتّى، فقد قام موقع الكتروني تديره مجموعة "صباح"، أي مقر فريق أردوغان، باتهامه هو وصحفيّين آخرين من الداعمين لكن المنتقدين لأردوغان، بـ"خيانة" أردوغان، "قائد الصراع المنتظر منذ قرن". بالإضافة إلى ذلك، استقال أحد كتاب "ديريليس بوستاسي" محتجًا على ما يجري، ومتذمّرًا من أنّ "أيًا كان من يريد إعطاء الإرشادات والضبط من الخارج [لأردوغان] [يُصنَّف] كمؤيّد للوصاية، لمجلس الثورة. بعبارات أخرى، مجرّد انتقاد أردوغان يعادل الانقلاب العسكري، ومنطقهم يقول: بما أنّ أردوغان جرى انتخابه "من قبل الشعب"، يقوم ناقدوه بتقليل احترام الشعب وحكم الشعب.

تبرز أمثلة كثيرة أخرى على مثل هذه المشاحنات والتطهير السياسي داخل وسائل الإعلام في تركيا، وقد جرى إنشاء نمط واضح: سيجري استبدال المؤيّدين المنتقدين لأردوغان بمؤيّدين غير ناقدين له، ولا مشكلة إن لم يكونوا إسلاميّين. المعيار الوحيد هو الوفاء والتعصّب لأردوغان. وإنّ الجيل القديم من الإسلاميّين الذي يتمتّع بمجموعة من القيم الخاصّة به، لا يتناسب جيدًا مع هذا المعيار، وبالتالي يجري استبداله بموالين يتوقون إلى إثبات أنفسهم أمام الزعيم الأعلى.

سيبل اراسلان، عضو في الجيل القديم من الإسلاميّين وروائيّة وكاتبة عمود، كتبت مقالاً جديرًا بالذكر، "تركُ تركيا الجديدة لمالكيها الجدد"، نُشِر في "دايلي ستار" التركية في 27 آذار/مارس. وقد كتبت فيه أنّ عهد "الجيل الذي رأى السياسة كقضيّة، عبر ربطها برسالة وقيم"، يبدو أنّه انتهى، وأضافت، "القلب، والضمير والمثابرة" أمور لم يعد لها قيمة، مشيرة إلى أنّ القاعدة الوحيدة في البلد هي المكيافيلية. آن الأوان لنخلي الساحة لأسيادها الجدد: هذا كان تعليقها قبل أن تختم مقالها بسورة من القرآن (76:9): " لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا".

وجد في : turkey, sharia, recep tayyip erdogan, power struggle, media, justice and development party, islamists, islamism
x