Egypt Pulse

View Pulse Map
Read in English

نبض مصر


US Secretary of State John Kerry steps aboard his aircraft after meeting with members of Egypt's government in Cairo, Nov. 3, 2013. (photo by REUTERS/Jason Reed)

كلمات كيري ليست كافية لإصلاح العلاقات الأميركيّة - المصرية

بقلم: وائل نوارة نشر نوفمبر 7, 2013

قبل يومَين من محاكمة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، قام وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري بزيارة إلى مصر في ما بدا أنها محاولة للحيلولة دون حدوث مزيد من التدهور في العلاقات بين الحليفَين السابقَين. وقبل ساعات من وصول كيري، كان الجنرال فياتشيسلاف كوندراشوف نائب رئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكريّة الروسيّة، في زيارة إلى القاهرة حيث التقى قادة الجيش المصري وتباحث معهم بشأن قائمة المعدّات العسكريّة الروسيّة التي يريدون شراءها في إطار أوّل صفقة سلاح كبرى تجريها القاهرة مع موسكو منذ أربعة عقود.

بإختصارطباعة في حقبة ما بعد مبارك، على الولايات المتحدة أن تجد سبيلاً للتعامل مع الإرادة الشعبية وليس فقط الحكومة الرسمية في مصر.
بقلم وائل نوارة نشر نوفمبر 7, 2013

حاول كيري مراراً وتكراراً في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره المصري نبيل فهمي، أن يطمئن المصريّين إلى أن الولايات المتحدة هي صديقتهم. فقال "أريد أن أؤكّد أولاً للشعب المصري بأوضح العبارات وأقوى [المعاني] وبكلام لا ريب فيه، أن الولايات المتحدة صديقة الشعب المصري وصديقة مصر، وأننا شركاء لبلدكم". أقرّ كيري بوجود تحدّيات صعبة تلقي بظلال قاتمة على العلاقة بين البلدَين، لكنه حاول إقناع المصريّين بأن تعليق المساعدات الأميركيّة إلى مصر لم يقصد معاقبتهم على خياراتهم السياسيّة. أما وزير الخارجية المصري نبيل فهمي فقد تحدّث من جهته عن الاضطرابات التي جعلت العلاقات تهتزّ بين الدولتَين، لكنه لفت إلى أن القرار المصري بتنويع مصادر الأسلحة ليس موجَّهاً ضدّ الولايات المتحدة.

قبل بضعة أسابيع وفيما كانت الولايات المتحدة تدعم "الإخوان المسلمين" وتمارس ضغوطاً على الحكومة المؤقتة في مصر لعدم فضّ الاعتصام الذي نظّمته الجماعة في ميدان رابعة العدوية أولاً ثم تمدد لكيلومترات عديدة حتى جعل القاهرة أشبه ببيروت المقسمة في مرحلة الحرب الأهليّة، أعادت روسيا ضبط أحد أقمارها الصناعيّة لجمع معلومات استخباراتيّة عن الإرهابيّين في سيناء دعماً للمعركة التي تخوضها مصر ضدّ الجهاديين والتكفيريين في شبه الجزيرة. وهكذا ظهرت روسيا فجأةً في موقع الحليف للدولة المصريّة بحكم الأمر الواقع، وشوهِدت صور عملاقة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترفع بصورة عفويّة في تظاهرات شعبيّة في مصر. ويتردّد أن بوتين قد يزور مصر في خلال الشهر الجاري.

تُقلّل الإدارة الأميركيّة والحكومة المصريّة على السواء من أهمّية الشرخ بين البلدَين. إلا أنه من الواضح للعيان أن كلاً منهما قد سلك مساراً مختلفاً عن الآخر، وبدأت دروبهما تتباعد. ومع مرور الوقت، غالباً ما ستتعمّق الهوّة أكثر فأكثر. هكذا هي الحياة. حتى الأصدقاء المقرَّبون يستيقظون ذات يوم ويكتشفون أن مصالحهم متباينة، فيسلك كلّ منهم مساراً مختلفاً، ولا ينقضي وقت طويل حتى يتباعدوا. لكن متى بدأ هذا الفراق؟ هل حقاً أن السبب الوحيد للتباعد ما بين الولايات المتحدة ومصر هو موقف الإدارة الأميركيّة من مسار الأحداث بعد 30 حزيران/يونيو؟ أظنّ أن الهوة أعمق بكثير، فقد صنعتها مشاكل وإحباطات تراكمت على مرّ سنين بل وعقود.

في خضمّ حرب أكتوبر 1973، أسر الرئيس المصري آنذاك أنور السادات لهنري كيسنجر إنه يريد أن تكون هذه آخر الحروب المصريّة ضدّ إسرائيل، وإنه سيضع ثقته في أمريكا لتقوم بدور "الوسيط النزيه" من أجل الوصول إلى تسوية عادلة للنزاع العربي- الإسرائيلي، وإنه مستعدّ في مقابل تحقيق السلام العادل أن يتخلّى عن السوفييت، وأنه سيعتمد على الولايات المتحدة لمساعدة المصريّين على تحقيق التنمية الاقتصادية والرخاء والازدهار. ربما يقف هذا التحول المنهجي وراء بداية النهاية للحرب الباردة. فعلى الرغم من أن مصر بلد صغير بالمقارنة مع القوى العالميّة، إلا أنها تؤدّي دوراً حاسماً غالباً ما يؤشّر لنهاية حقب ودورات تاريخيّة. في القرن التاسع عشر، أطلقت مصر بقيادة محمد علي، شرارة انهيار الأمبراطوريّة العثمانيّة. وفي خمسينيات القرن العشرين، سطرت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، نهاية الحقبة الاستعماريّة.

والآن بعد 40 عاماً من انعطافة السادات نحو الغرب، يتساءل عدد كبير من المصريّين إذا كانت الولايات المتحدة قد قامت فعلاً بدور الوسيط النزيه والصديق المخلص. فالفلسطينيّون الذين تعد حقوقهم الضائعة سبب نشأة وتأجج الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من التنازلات المؤلمة التي قدّموها، ما زالوا يعانون الأمرين من دون دولة. فبعدما سُرِقت منهم أرضهم وحقوقهم وكرامتهم، لا زال عليهم أن يتحمّلوا الإذلال اليومي كلاجئين أو مواطنين من الدرجة الثالثة دون وطن. والأرض المتبقّية التي كان يُفترَض بهم إقامة دولتهم عليها، تبدو مثل قالب جبنة سويسريّة مع ثقوب لا تحصى بفعل المستوطنات والتوسع الإسرائيلي. أما مصر نفسها، فلم تحقّق - أو حتى تقترب قط من تحقيق الازدهار الاقتصادي الموعود. فالمساعدات تبدو كطوق مثقوب، تتأرجح مصر معه ما بين النجاة والغرق، بينما تلهث بصورة مزمنة لاستنشاق جرعة من الهواء. بل يزيد البعض على ذلك ويتّهمون الولايات المتحدة باستغلال الإسلام السياسي لإبقاء المنطقة بأسرها في حالة من النزاع الطائفي المتواصل، بما يمنع أي فرصة للتقدم والتنمية الحقيقيّة. ينظر المصريّون إلى العراق وأفغانستان وسوريا فيرون أن ما آلت إليه الأوضاع هناك يندرج في إطار مخطّط الفوضى الخلاّقة الذي وضعته [وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة] كوندوليزا رايس والذي من شأنه أن يؤدّي إلى تقسيم الشرق الأوسط إلى إمارات صغيرة بحدود ترسمها الصراعات المذهبيّة، عبارة عن دويلات ضعيفة وفاشلة، مصابة بطاعون الإرهاب، تحكمها جماعات متطرفة مثل طالبان في أفغانستان.

منذ سنوات، يسمع المصريّون بصورة دورية التهديدات بقطع المساعدات الأميركيّة. والأسوأ أن الولايات المتحدة لم تخف أن السبب الأساسي لحصولهم على هذه المساعدات هو تحفيزهم أو بالأحرى رشوتهم، للإبقاء على معاهدة السلام مع إسرائيل. وهكذا تحولت المساعدات من كونها بادرة كريمة من شعب أميركي صديق يرغب في مد يد العون للمصريّين، إلى مجرّد وسيلة ضغط لتحقيق المصالح الإسرائيليّة، مما دفع المصريين تدريجياً إلى التنسيق مباشرةً مع الإسرائيليّين من دون الحاجة إلى وسيط. في تلك اللحظة، حدث أمران: أدركت الولايات المتحدة أن المصريّين غالباً ما سيُحافظون على السلام مع إسرائيل طالما ظل يخدم مصالحهم بغضّ النظر عن المساعدات الأميركيّة من جهة، ومن الأخرى أدرك المصريّون أن الولايات المتحدة -التي قال عنها السادات يوماً إنها تسيطر على 99،9 في المئة من أوراق "اللعبة"- لا تملك في الواقع أي أوراق للتأثير في السياسة الإسرائيليّة، بل اتضح أن كلّ الأوراق والخيوط - بما في ذلك قوّة ضغط اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة نفسها، تحركها الأيدي الحاذقة  للإسرائيليّين.

هل يعيد التاريخ نفسه؟ قبل ستين عاماً، بدأ عبد الناصر حكمه بمحاولة بناء علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، ولكن عندما سعي إلى كسب دعمها من أجل حصول مصر على قرض من البنك الدولي لتمويل بناء مشروع السدّ العالي، صدّه وزير الخارجيّة الأميركيّة جون فوستر دالاس بطريقة مهينة، فوجد ناصر نفسه مضطراً إلى التوجه شرقاً، ليضع بذور شراكة جديدة مع الاتحاد السوفييتي، وأنشأ حركة عدم الانحياز مع رئيس الوزراء الهندي نهرو والرئيس الأندونيسي سوكارنو والرئيس اليوغوسلافي جوزيف تيتو. ربما كلّفت غطرسة دالاس الولايات المتحدة ثمناً باهظاً عبر عقود تالية، لكن تداعيات هذا التحول على مصر كانت أيضاً مدمِّرة. فقد استخدمت الولايات المتحدة سطوتها لتقويض الريادة المصرية في المنطقة، كما وكلت الولايات المتحدة لإسرائيل القضاء على عبد الناصر، فجاءت حرب يونيو 1967 لتدمر القدرات القتالية للجيش المصري، وتسدد ضربة قاضية لطموحات مصر ومسيرة تقدمها، بدعمٍ وموافقة كاملَين من الولايات المتحدة.

إن الموقع الاستراتيجي الذي تحتلّه مصر، يحتم عليها أن تحافظ على روابط ودّية مع الولايات المتحدة وروسيا، فضلاً عن القوى العالميّة الأخرى. كذلك فإنه من مصلحة الولايات المتحدة أن تحافظ على علاقات ودّية مع مصر كونها مركز إشعاع وتأثير في الدوائر العربية والإسلامية. وفي نفس الوقت، لابد أن تدرك الدولتان أن الزمن قد تغير، والعالم يعيش حقبة جديدة تختلف تماماً عن الحرب الباردة. لم يعد يحكم مصر رئيسٌ يستطيع عقد أي صفقة يريدها مع أي شريك يريده. وعلى الرغم أن مصر ليس لديها بعد برلمان أو حكومة منتخبة، فالسياسة في مصر يُحدّدها الآن الشعب، وذلك من خلال ديمقراطيّة الحشود، ولهذا يتعين على الإدارة الأميركيّة أن تعيد النظر في سياساتها في مصر والمنطقة إذا كانت ترغب في أن تستعيد ثقة الشعب المصري وصداقته. على الإدارة الأمريكية أن تعمل على بناء علاقات على أسس جديدة، تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل لتفادي تكرار أخطاء الماضي. يجب أن يشعر المصريّون بأن الولايات المتحدة صديق حقيقي لبلادهم، وليست تدّعي الصداقة لمجرّد حماية مصالح إسرائيل.

إن تصحيح تلك العلاقة المضطربة يتطلّب أكثر من مجرّد زيارة دبلوماسيّة وبعض الكلمات المنتقاة بعناية. لقد سقطت الدعائم القديمة التي كانت ترتكز عليها العلاقة بين البلدَين، وعلى كلّ من الطرفين أن يتمعّن جيداً في أولوياته ومصالحه في المدى الطويل، كي تجد الدولتان المساحة المشتركة والأسس الجديدة التي تكفل بناء هذه العلاقة إذا كانت مهمة لهما حقاً وجديرة بأن تستمرّ.

Read More: http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/11/kerry-egypt-democracy-ties-united-states.html

وائل نوارة
 نبض مصر

Wael Nawara is an Egyptian writer and activist. He is also the co-founder of Al Dostor Party, the National Association for Change and El Ghad Party. Formerly president of the Arab Alliance for Freedom and Democracy, he was a visiting fellow at the Institute of Politics, Kennedy School of Government, Harvard University.

Original Al-Monitor Translations

Read in English

ترجمة مع جوجل

المزيد من نبض مصر

©2014 Al-Monitor. All rights reserved.

شارك