نبض سوريا

عمالة الأطفال بمنطقة درع الفرات في ريف حلب في تزايد مستمر ولا وجود لحلول تحد من هذه الظاهرة

p
بقلم
بإختصار
عمالة الأطفال في منطقة درع الفرات في ريف حلب تتزايد بشكل كبير ولا وجود لحلول تحد من هذه الظاهرة الكارثية.

ريف حلب الشمالي، سوريا - أصبحت ظاهرة عمالة الأطفال منتشرة بشكل كارثي في مختلف المدن والبلدات السورية على حساب التحاقهم بالتعليم، وذلك لعدة أسباب أبرزها، فقدان قسم كبير من العائلات السورية رب الأسرة الذي كان يعيلها (الوالد) الذي قتل أو أعتقل وكذلك انتشار الفقر، وغلاء المعيشة، وانتشار البطالة بنسب كبيرة، وذلك بطبيعة الحال بسبب الحرب الدائرة في البلاد التي دخلت عامها السابع، و يسلط المقال الضوء على ظاهرة عمالة الأطفال المتزايدة في منطقة " درع الفرات " في ريف حلب على وجه الخصوص، والتي تشهد تزايد مستمراً في نسبة الأطفال العاملين في الآونة الأخيرة، فالأطفال في المنطقة دخلوا سوق العمل، وتسرب الألاف منهم من المدرسة، وتكاد لا تخلوا مهنة من وجود الأطفال على الرغم من قساوة بعض المهن .

الزيادة الكبيرة في عمالة الأطفال حصلت في منطقة درع الفرات بعد إعلان تركيا عن نهاية العملية العسكرية ضد تنظيم الدولة في 29 أذار/ مارس 2017، وبدأت المنطقة تميل إلى الاستقرار، وفتحت أعداد إضافية من المحال أبوابها، وعادت الكثير من المهن للعمل بعد أن توقف جزء منها أثناء سيطرة التنظيم، وأصبحت المنطقة جاذبة لألاف النازحين من مناطق سورية مختلفة، حيث أن أكثرية الأطفال العاملين هم من النازحين لآن معظمهم يعيشون تحت خط الفقر في المخيمات، وعدد كبير منهم من الأيتام فقدوا أحد والديهم، والأقلية الأخرى هم من أبناء منطقة درع الفرات .

زار " المونيتور" المدن الرئيسية في منطقة درع الفرات التي يسيطر عليها الجيش الحر، وهي، الباب، ومارع، وإعزاز، وجرابلس، ومن خلال الجولات في أسواق المدن المذكورة تبين أن كل المحال التجارية والمهن لديهم أطفال يعملون بأجر، وتتراوح أطفال العاملين بين 7 سنوات، وحتى 17 عام، والمهن التي تستوعب العدد الأكبر من عمالة الأطفال هي (الحدادة، والنجارة، صيانة السيارات والدراجات النارية، محال بيع الخردوات، محال بيع المواد الغذائية، الخياطة، محال تقديم المأكولات السريعة، أكشاك بيع السجائر) ويتقاضى الطفل العامل أجر شهري يتراوح ما بين 40 و 50 دولاراً شهرياً، وعدد ساعات عمل يومية لا تقل عن 12 ساعة .

شادي حافظ (32 عام) وهو صاحب محل نجارة في مدينة إعزاز، قال ل"المونيتور" : " يعمل لدي 6 أطفال و جميعهم أعمارهم أقل من 15 عام، ثلاثة أطفال منهم أيتام قتل آباؤهم في الحرب، ما جعلهم أمام مسؤوليات كبيرة لإعالة عائلاتهم وتأمين حاجياتهم اليومية، ودفع إيجار المنازل التي يسكنونها في إعزاز، وأدفع لكل طفل منهم مبلغ 50 دولاراً شهرياً، ويأتيني يومياً أطفال يريدون العمل، وهم من النازحين في الغالب، ومن الفئات المتضررة من الحرب ".

يشكل الأطفال النازحين النسبة الأكبر في أعداد الأطفال العاملين في منطقة درع الفرات، لأن أسرهم فقيرة خسرت كل ما تملك بعد أن فرت من منازلها بسبب الحرب، وأدى التنقـل المستمر و التكاليف المرتفعة للسكن الجديد إلى عجز هذه الأسر وفقدان كل مدخراتها المالية، ما دفع الأطفال إلى العمل وعدم الالتحاق بالمدارس ومتابعة تعليمهم لسد احتياجات أسرهم، يضاف إلى ذلك رغبة أصحاب المهن المختلفة في تشغيل الأطفال النازحين لأنهم يقبلون بأجرٍ أقل نظراً لحاجتهم الماسة، ويعملون لساعات أطول.

وسيم سلام ( 14 عام ) ، يعمل في تصليح الدراجات النارية في مدينة الباب بعد أن توفي والده في إحدى الغارات الجوية الروسية على قريته دير حافر في ريف حلب الشرقي، كان ذلك في أوائل شهر شباط 2017، يقول وسيم خلال لقائه " المونيتور" : " قتل والدي وبقيت أنا وأخواتي البنات الأربعة وأمي، وأنا الأخ الأكبر والمعيل الوحيد لهن، نزحنا إلى مدينة الباب في منطقة درع الفرات لأنها أكثر أمناً، وكان لابد لي أن أعمل لكي أغطي مصاريف المعيشة ". وأضاف وسيم: "أخرج من المنزل يومياً إلى العمل عند الثامنة صباحاً ما عدا يوم الجمعة، و هناك أقوم بمساعدة معلمي في إصلاح الدراجات النارية، وأبقى في العمل حتى الثامنة مساء، وأحصل شهرياً على مبلغ 30 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 60 دولار، المبلغ قليل ولكنه أفضل من انتظار شفقة الناس وعطفهم علي وعلى عائلتي".

محمود صالح ( 13 عام) التقاه " المونيتور" في مدينته جرابلس، قال : " قتل تنظيم الدولة الإسلامية والدي نهاية العام 2014، وترك لي ثلاثة أخوة وأمي، لذلك اضطررت للعمل مع خالي في محل لبيع الخضروات في سوق المدينة، وتركت المدرسة بعد أن أنهيت الصف الخامس، لست سعيداً في العمل وترك المدرسة لكن ما من خيار آخر أمامي ". تؤكد اختصاصية الصحة النفسية، إيناس يوسف، أن غالبية الأطفال العاملين يتعرضون لعنف جسدي، وألفاظ نابية، تسبب لهم عقداً نفسية تؤثر سلباً على حياتهم المستقبلية، وتؤثر فيهم بيئة العمل وتجعلهم عرضة للأمراض والإصابات، أو الإصابات الجسدية أثناء تعاملهم مع الآلات الحادة والخطيرة بسبب بنية أجسادهم الضعيفة .

وتضيف يوسف في حديثها ل " المونيتور" : " يعاني الطفل العامل من عدة مشاكل نفسية تتطور وتبقى معه حتى مراحل عمرية لاحقة، من هذه الآثار، نفوره من الاختلاط بالناس ويصبح انطوائي، و يرافقه الشعور المبكر بالمسؤولية في وقت هو أحوج ما يكون للعب وعدم تحمل مسؤوليات كبيرة مقارنة بأقرانه، كذلك يمكن أن تظهر على الطفل أعراض اكتئاب، ويؤدي تركه للمدرسة بقائه بدون خبرات معرفية ضرورية منها القراءة والكتابة، كما تتسبب بعض المهن للأطفال بمشاكل جسدية مزمنة، مصل الديسك ومشاكل بالتنفس إذا كانت المهن يستخدم فيها مواد كيميائية ".

في ظل تنامي كارثة عمالة الأطفال في منطقة درع الفرات لا يوجد أي قوانين تمنع تشغليهم، ولا وجود لحلول تحد من هذه الظاهرة، وتمنع تفاقمها، وليس هناك أي مبادرات أهلية يمكنها التقليل من تفشي هذه الظاهرة حتى الآن على الرغم من أثارها السلبية التي تؤدي إلى إنتاج جيل من الأطفال يعاني من الجهل والتخلف والأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية وبالتالي خسارة جيل كامل من أبناء المنطقة يصعب إصلاحه فيما بعد.

 خالد الخطيب صحفي سوري ومعيد سابق لدى قسم الجغرافية في جامعة حلب.

x