نبض فلسطين

سوق القيساريّة... رحلة قصيرة عبر التاريخ والتراث الفلسطينيّين

p
بقلم
بإختصار
يعتبر سوق القيساريّة الأثريّ أكبر مجمّع لتجارة الذهب والفضّة في قطاع غزّة. تقول الرواية الشعبيّة إنّ السوق بني خلال الحكم الرومانيّ لغزّة في عام 63 قبل الميلاد، وإنّه كان عبارة عن إسطبل لخيول الجيش، قبل أن يصبح في ما بعد سوقاً شعبيّاً، ولكنّ الرواية الرسميّة تقول إنّه بني في عهد حكم المماليك في عام 1250 ميلاديّ... "المونيتور" يأخذكم في رحلة قصيرة عبر التاريخ في أروقة هذا السوق.

مدينة غزّة - "الذهب يفقد بريقه إذا لم يتمّ شراؤه من سوق القيساريّة الأثريّ"... هذا ما قالته وما تؤمن به السيّدة صفاء شتيوي (37 عاماً) لـ"المونيتور" خلال تجوالها في سوق القيساريّة التاريخيّ المعروف باسم "سوق الذهب" الواقع في الحيّ القديم في وسط مدينة غزّة، والذي يعتبر أكبر مجمّع لتجارة الذهب والفضّة في القطاع.

قالت شتيوي التي قصدت السوق لشراء خاتم ذهبيّ لنفسها: "كان في إمكاني شراء الخاتم من أيّ من محلّات بيع الذهب القريبة من مكان سكنيّ في مدينة خانيونس في جنوب قطاع غزّة، ولكنّني قرّرت قطع مسافة تبلغ نحو 30 كيلومتراً من أجل زيارة سوق القيساريّة، لأعيش رحلة قصيرة عبر التاريخ والتراث الفلسطينيّين".

وتختلف الروايات حول تأسيس هذا السوق، فالرواية السائدة التي أخبر بها السكّان المحلّيّين مراسلة "المونيتور" تقول إنّ السوق بني خلال الحكم الرومانيّ لقطاع غزّة في عام 63 قبل الميلاد، وإنّه كان عبارة عن إسطبل لخيول الجيش، قبل أن يصبح في ما بعد سوقاً شعبيّاً.

ولكنّ رئيسة قسم الآثار في وزارة السياحة والآثار في غزّة هيام البيطار تختلف مع ذلك، إذ تقول لـ"المونيتور": "بني السوق في عهد حكم المماليك في غزّة في عام 1250 ميلاديّ، ولكنّ فكرته مأخوذة من فكرة الأسواق التي نشرها الإمبراطور الرومانيّ أغسطس قيصر داخل المدن، لذلك سمّي بسوق القيساريّة".

وأوضحت أنّ السوق في بداية إنشائه كان مخصّصاً لبيع الجلود والمشغولات الجلديّة مثل الأحذية، ثمّ أصبح مخصّصاً لبيع الحبوب، حتّى أصبح خلال الحكم العثمانيّ في قطاع غزّة (1516- 1920) سوقاً خاصّاً لتجارة الذهب والفضّة، وحتّى يومنا هذا.

ويقع سوق القيساريّة على الجانب الجنوبيّ من المسجد العمريّ الكبير الذي يعتبر من أقدم المساجد الأثريّة وأكبرها في قطاع غزّة. والسوق عبارة عن ممرّ يبلغ عرضه 3 أمتار، وطوله 70 متراً، ومسقوف بالأقواس الحجريّة، ممّا يمنح السوق شكل "السبّاط".

وعلى جانبي السوق، تكمن محلّات الذهب وهي عبارة عن محلّات صغيرة بزوايا دائريّة، وتبلغ مساحة المحلّ الواحد نحو مترين مربّعين فقط، وقد التصقت في هذا السوق ساحة شرقيّة تحتوي على المزيد من محلّات بيع الذهب الحديثة.

وبحسب البيطار، فإنّ عدد محلّات الذهب في هذا السوق يبلغ 62 محلّاً.

ولسوق القيساريّة بوّابتان إحداهما شرقيّة والأخرى غربيّة. وتعتبر الشرقيّة ذات مظهر أجمل من الغربيّة، فهي تمتاز بالزخارف المشرشرة البارزة، فيما أحجارها معشّقة بمزيج من اللونين الأحمر والأبيض، ممّا يمنحها مشهداً جماليّاً استثنائيّاً.

يقول سمير عياد (72 عاماً)، وهو صاحب أحد محلّات بيع الذهب في سوق القيساريّة لـ"المونيتور" إنّه لا يعرف تحديداً الزمن الذي أصبح فيه هذا المحلّ ملكاً لعائلته، ولكن ما يؤكّده أنّ المحلّات في هذا السوق تعتبر ميراثاً عائليّاً متناقلاً بين أجيال العائلات التي تملكها.

وأضاف: "عملت مع والدي في صياغة الذهب وتجارته منذ أن كان عمري ثمانية أعوام، وكنت أتعلّم من والدي كيفيّة صياغة الحلى الذهبيّة مثل الأساور والعقود، إضافة إلى صنع الليرة الذهبيّة التي يبلغ وزنها 8 جرامات من الذهب الخالص".

ولفت عياد النظر إلى أنّ تجّار الذهب في غزّة يستوردون الذهب من الضفّة الغربيّة التي تستورده بدورها من الأردن ودول عربيّة أخرى مثل الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة، ثمّ يقومون بتشكيله وصياغته محلّيّاً وبيعه في الأسواق المحلّيّة. ويوجد في غزّة 40 مصنعاً لصياغة الذهب.

ويعتبر سوق القيساريّة مقصداً للعرائس اللواتي يتجهّزن للزواج في أنحاء قطاع غزّة كافّة. ووفقاً للعادات الفلسطينيّة، تخصّص العروس ثلث المهر الذي يقدّمه عريسها والبالغ في المتوسّط نحو 4500 دولار، لشراء الحلى الذهبيّة للتزيّن خلال حفل الزفاف، ليشكّل ذلك في ما بعد ادّخاراً مستقبليّاً آمناً.

وتتجوّل السيّدة منى اليازجي (41 عاماً) في سوق القيساريّة بصحبة ابنتها أسماء البالغة 18 عاماً، لشراء الحلى الذهبيّة الخاصّة بحفل زفاف الابنة المقرّر بعد نحو شهرين، وتقول لـ"المونيتور": "الداخل إلى هذا السوق يشتمّ رائحة خاصّة به لا يمكن اشتمامها في أيّ مكان آخر، كأنّها رائحة عبق التاريخ القديم".

وأضافت: "عندما كنت أتجهّز لحفل زفافي قبل نحو 20 عاماً، جئت إلى هنا مع والدتي واشتريت الحلى الذهبيّة الخاصّة بي، واليوم أقوم بشراء الحلى الذهبيّة لابنتي من السوق ذاته، بل ومن المحلّ نفسه أيضاً، لذلك أحبّ دائماً أن أمرّ في هذا السوق حتّى لو لم أكن أرغب في الشراء، لأنّه يمنحني الذكريات وشعوراً بالاستقرار والسلام".

وبحسب أسعار بورصة الذهب المحلّيّة، يبلغ سعر جرام الذهب عيار 10 قيراطات، في المعاملات الفوريّة، 17,6 دولارات، فيما يبلغ سعر عيار الـ24 قيراطاً 42,4 دولارات.

ويقدّر ما في حوزة الفلسطينيّين في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة من الذهب بنحو 80 طنّاً، بحسب مدير دائرة المعادن الثمينة في وزارة الاقتصاد الوطنيّ يعقوب شاهين، في تصريحات أدلى بها إلى موقع الاقتصاديّ المحلّيّ في 28 شباط/فبراير 2017.

وأوضح أنّ كمّيّة الذهب المتوافرة في محلّات البيع داخل السوق الفلسطينيّة، تتراوح بين 7 و9 أطنان من الذهب، فيما البقيّة في حوزة المواطنين.

وتأثّر سوق القيساريّة كما كلّ القطاعات التجاريّة والصناعيّة في غزّة بفعل تدهور الأوضاع الاقتصاديّة الناتج عن استمرار الحصار الإسرائيليّ المفروض على غزّة منذ عام 2007.

زهير طبازة (56 عاماً) وهو صاحب محلّ ذهب في هذا السوق، يقول لـ"المونيتور": "عملت مع والدي في هذا المحلّ منذ عام 1975، ولكن لم يمرّ على السوق كساد من قبل مثل الوقت الراهن، فقبل سنوات كان يدخل إلى محلّي نحو 40 زبوناً في اليوم، أمّا الآن فلا يدخل أكثر من 10 زبائن يوميّاً".

وعلى الرغم من ذلك، إلّا أنّ القيمة العقاريّة في عمليّات بيع المحلّات وشرائها واستئجارها في سوق القيساريّة لم تنخفض يوماً، إنّما تتصاعد مع مرور الزمن بسبب القيمة التراثيّة والتاريخيّة لها. ويقول طبازة: "تتراوح قيمة إيجار المحلّ في هذا السوق بين 7 و15 ألف دولار للشهر الواحد، فكلّما اقترب المحلّ من بوّابتي السوق يزداد السعر".

وأوضح أنّ هذه الأسعار مرتفعة للغاية مقارنة بأسعار استئجار أيّ من المحلّات التجاريّة المحيطة بسوق القيساريّة التي لا تزيد عن 5 آلاف دولار شهريّاً.

وجد في : shopping, palestinian economy, gaza strip, economic stagnation, dowry, heritage, gold

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x