نبض فلسطين

خطوة أولى نحو مأسسة العمل الثقافيّ في فلسطين وترحيب شعبيّ واسع بإنشاء المكتبة الوطنيّة الفلسطينيّة

p
بقلم
بإختصار
لاقى قرار إنشاء المكتبة الوطنيّة الفلسطينيّة الأولى ترحيباً كبيراً بين صفوف المثقّفين والكتّاب والأدباء في فلسطين، كمكان جامع لكلّ الإرث الثقافيّ والأدبيّ والتراث الفلسطينيّ المشتّت في كلّ أنحاء العالم في تجسيد سياديّ للمشهدين الثقافيّ والتراثيّ الفلسطينيّ.

رام الله -لاقى قرار الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس تحويل قصر الضيافة، وهو مبنى بدأ ببنائه قبل 5 سنوات ليكون مقرّاً للرئاسة في بلدة سردا القريبة من رام الله، إلى مكتبة وطنيّة فلسطينيّة، ترحيباً شعبيّاً واسعاً، لما تشكّله هذه المكتبة من حاجة على المستويات الوطنيّة والثقافيّة والسياديّة.

وقال المكلّف من قبل الرئيس متابعة ملف إنشاء المكتبة وزير الثقافة الفلسطينيّ إيهاب بسيسو خلال مؤتمر صحافيّ عقد في رام الله بـ28 آب/أغسطس الفائت للإعلان عن تفاصيل إنشائها: "يهمّنا أن تكون المكتبة الوطنيّة العنوان الذي نتواصل من خلاله مع المكتبات الوطنيّة في العالم، الأمر الذي سيمكّننا من استعادة تراثنا الذي نهب، عبر الاتفاقيّات التي تصون الإرث والتراث الثقافيّ، مرتكزين على القوانين التي تحصّن وجودنا الثقافيّ".

والمكتبة الوطنيّة، كما عرّفتها منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة - اليونسكو هي: "المكتبة المسؤولة عن طلب وحفظ ونسخ جميع المطبوعات الهامّة التي تنشر في الدولة، والعمل كمكتبة إيداع سواء حسب القانون أو تحت أيّ ترتيبات أخرى.

وفي حديث لـ"المونيتور"، أشار مدير مكتبات جامعة "النجاح الوطنيّة" الدكتور هاني جبر إلى أنّ هذا القرار من أهمّ القرارات التي اتّخذت منذ إنشاء السلطة في سبيل تعزيز الثقافة والإنتاج الفكريّ الفلسطينيّ، وقال: "المكتبة هي عنوان من عناوين الدولة كالوزارات، وكمكان للتراث الفلسطينيّ للحفاظ على كلّ مكوّناته التي لها علاقة مباشرة بوجود الإنسان على الأرض وعلاقته بها".

وأوضح هاني جبر أنّ المكتبة الوطنيّة تختلف في أهدافها عن المكتبات الأخرى فهي تشكّل أرشيفاً للوطن يجمع كلّ الموادّ الثقافيّة التي نشرها فلسطينيّون أو التي نشرت عن فلسطين لتساعد من جهة على حفظ التراث الجمعيّ للدولة، وتساعد أيضاً من جهة أخرى المستويات العليا على اتّخاذ قرارات مصيريّة اعتماداً على الأرشيفات القديمة.

ولعلّ الجانب الأهمّ في إنشاء هذه المكتبة، كما اتّفق كلّ من جبر وإيهاب بسيسو، هو أهميّتها في جمع كلّ الأرشيف الثقافيّ والفكريّ المشتّت في المكتبات بالوطن والخارج ، مثل أسترجاع ما تبقى من أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني الذي تم حفظه في الجزائر، ووثائق موجودة بريطانيا من أيام الأنتداب البريطاني، ووثائق تتعلق بالأملاك و الأراضي موجودة في الأرشيف العثماني في تركيا، إذ من المتوقّع أن تقوم هذه المكتبة، ومن خلال القنوات الثقافيّة، بالعمل على إعادة أرشيف فلسطين من كلّ أنحاء العالم لتكوين أرشيف وطنيّ يحفظ الوعي الفلسطينيّ من الضياع.

وتحدّث جبر عن ضرورة اتّخاذ الإجراءات الوقائيّة لحفظ هذا الأرشيف ومحتويات المكتبة من النهب، كما هي الحال في مركز الدراسات في لبنان، وقال: "تعرّضنا لعمليّات سرقة للأرشيف والتراث الفلسطينيّ سواء أكان خلال النكسة عام 1967 أم النكبة عام 1948، حيث اعتدى الاحتلال على المكتبات الخاصّة والعامّة، وتمّ إيداع مقتنياتها في مكتبة الجامعة العبرية في إسرائيل. ومن الضروريّ أن تكون هناك إجراءات مشدّدة للحفاظ على ما سيتمّ جمعه في هذه المكتبة".

وشدّد على ضرورة وجود نظام لإجراء أتمتة وأرشفة إلكترونيّة لكافة محتويات المكتبة من مخطوطات ووثائق وكتب من أجل حفظ المحتويات في أكثر من نسخة وموقع وهو ما أكّده أيضاً بسيسو لـ"المونيتور"، حيث أشار إلى أنّ هناك إجراءات سيتمّ اتّخاذها لضمان حماية هذا الأرشيف، وسيتمّ الإعلان عنها في حينه.

وفي تعليق له على "فيسبوك"، تحدّث الباحث في التراث الفلسطينيّ فادي عاصلة عن أهميّة هذه المكتبة في خلق مرجع بديل للرواية الإسرائيليّة والمكاتب الإسرائيليّة التي تشكّل المرجع الأوّل للباحثين في التراث الفلسطينيّ قبل النكبة وبعدها.

وقال فادي عاصلة: "المكتبة الوطنيّة هي مكتبة الشعب على اختلافاته، حافظة إرثه وحامية معارفه، ومخزن لأفكاره وطريق نحو نهضته. آلاف الموادّ الفلسطينيّة (من وثائق وكتب ومخطوطات وأرشيف) في الأرشيفات الإسرائيليّة، آلاف الموادّ الفلسطينيّة مبعثرة في العالم، مئات الباحثين الفلسطينيّين يطرقون المكتبات والأرشيفات الإسرائيليّة يوميّاً، لغياب مساحة تلبّي حاجتهم وتوفّر المصادر التي يريدونها".

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه الكتّاب والمثقّفون في إنشاء هذه المكتبة هو تشكيلها حاضنة لهم ولأعمالهم وتطوير صناعة الكتاب وتعميمه بما يمكن أن يجرّه القرار لقرارات وقوانين أخرى كقانون الملكيّة الفكريّة.

المكتبة ستساعد في تطوير صناعة الكتب من خلال إنشاء دار كتب فلسطينية بالضرورة الحتمية كذراع لهذه المكتبة وذلك يتطلب إقرار قانون الملكية الفكرية فيما بعد للحفاظ على حقوق النشر للكتاب.

من جهته، قال الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتّاب الفلسطينيّين مراد السوداني في حديث لـ"المونيتور": "طالبنا منذ زمن بضرورة وجود مكتبة وطنيّة لتشكّل الانطلاق لإعادة مأسسة الشأن الثقافيّ الفلسطينيّ ونقطة جذب وتجميع لكلّ الثقافة والوعي والتراث والذاكرة الفلسطينيّة، وتحتضن نتاج المبدعين والكتّاب في الوطن والشتات للحفاظ على حقوقهم من خلال إقرار قانون الملكيّة الفكريّة، إسوة بالدول ذات السيادة الكاملة". القصد هنا ان وجود هذه المكتبة سيساهم في إقرار قانون الملكية الفكرية.

وبحسب مراد السوداني، إنّ إنشاء المكتبة يحتاج إلى تجهيز كادر من المتخصّصين من خلال تقديم منح لتخصّص المكتبات واستقطاب الخبرات من الوطن والشتات. وعلى مستوى الكتاب، قال: إنّ أهمّ أنجاز من خلال هذه المكتبة، سيكون إنشاء دار نشر وطنيّة فلسطينيّة، بحيث يتمّ التخلّص من تحكّم الاحتلال بنقل الكتب من فلسطين وإليها.

x