هل يكون للقرار القضائي تداعيات على القادة الليبيين

p
بقلم
بإختصار
قرّرت المحكمة وقف تنفيذ قرار الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بانتخاب علي الترهوني رئيسًا للهيئة، نظرًا إلى أنه يحمل جنسيّة ثانية اضافة إلى الجنسيّة الليبيّة، وقد يكون لهذا القرار تداعيات على حاملي الجنسية المزدوجة من القادة الليبيين.

كان النظام إبان حكم معمر القذافي في ليبيا رافضًا لأيّ معارضة وكانت الأحزاب السياسية مخالفة للقانون، كما غابت الصحافة الحرة. وغادر البلد عدد كبير من الليبيين المعارضين للنظام، فانتقلوا للعيش في الخارج. أخذ الكثيرون منهم الولايات المتحدة وأوروبا مقرّاً لهم باعتبارهم لاجئين سياسيين. ومع مرور الوقت، بات كثيرون يحملون جنسيّة البلد المضيف لهم.

عاد الكثيرون منهم إلى ليبيا في أواخر تسعينات القرن الماضي، مع اعتماد البلد سياسة الانفتاح وتحسّن العلاقة بالغرب. أما قادة المعارضة البارزين، فظلّوا في البلد المضيف خشية العودة إلى ليبيا. وبعد الإطاحة بالنظام بمساعدة حلف الأطلسي "الناتو" في تشرين الأول\أكتوبر 2011، عاد الى البلد معظم زعماء المعارضة وتبوّؤا مناصب رفيعة، كرئاسة الوزراء والبرلمان وادارة الأجهزة الأمنية في ليبيا الجديدة.

الاّ أن أحدًا لم يتنبّه على ما يبدو إلى أن القانون الليبي رقم 24 لسنة 2010 ينصّ على أنه في حال اكتسب أي ليبي أي جنسية أخرى من دون حصوله على إذن خطّي من وزير الداخلية في حينها، يخسر الجنسيّة الليبية وحقه في أن يشغل أي منصب عام، أكان ذلك من خلال الانتخابات أو غيره. ولا يزال هذا القانون ساري المفعول.

وفيما سادت أجواء الفرح ابتهاجًا بالإطاحة بالنظام وعُلّقت آمال كبيرة حول الحريات في ليبيا الجديدة بين العامين 2011-2012، لم يتنبّه أحد الى القانون على ما يبدو. فتمّ انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور في 20 شباط\فبراير 2014، وتم انتخاب عدد من الذين كانوا منفييّن أعضاءً فيها، ومن بينهم علي الترهوني، الذي يحمل الجنسيّتين الليبيّة والأمريكيّة والذي أصبح رئيسًا للهيئة الجديدة.

شكك عضو الهيئة الجديدة المحامي ضو المنصوري، في قانونيّة عضوية الترهوني، وبدأ في النظر في الخيارات المتاحة أمامه بهدوء. ولاحظ المنصوري دعم الإسلاميين الغير المباشر للترهوني في الهيئة، والذي ساهم في سيطرة الأخير على المناقشات وانتخابه رئيسًا للهيئة الجديدة في 20 نيسان\أبريل 2014، وإعطائه الكلمة الفصل في ما يتعلّق بإجراءات العمل الداخلية بين الأعضاء الـ 60 للهيئة. حاول المنصوري كسب تأييد أعضاء إضافيين له لإحالة القضيّة إلى القضاء، الاّ أن أحدًا لم يبد اهتمامًا، إما خوفًا أو ظنّنًا منهم أن المحكمة سترفض القضيّة.

وفي حديث مع موقع "المونيتور"، قال المنصوري،" بدأتُ بالتشكيك في عضويّة الترهوني في الهيئة وكيفيّة انتخابه بالدرجة الأولى، فور تبوّئه منصب رئيس لها، وعندما تأكّدت [شكوكي]، قرّرت المضي قدمًا في القضية — حتى في ظلّ غياب تأييد الأعضاء الآخرين لي".

وتابع قائلًا، "وأصبحت أكثر إصرارًا على إبطال انتخاب الترهوني، عندما لمست كيف أنه يهيمن بشكل متزايد على المناقشات في محاولة منه فرض آرائه الخاصة، على الرغم من أنه وجب علينا التصويت على المواد المقترحة المدرجة في الدستور الجديد". يتطلّب تمرير مسودّة الدستور أغلبيّة بسيطة أي التصويت الايجابي من قبل 35 عضوًا.

قدّم المنصوري الشكوى إلى المحكمة في شرق ليبيا في كانون الثاني\يناير 2016، وأُرجئت القضية ثلاث مرات. أما عضوية الترهوني، فتم تعليقها بانتظار نهاية المحاكمة. وعندما سُئل عن السبب وراء التأخير، قال المنصوري، "لقد واجهتنا تعقيدات ومعوّقات متعدّدة، منها حرب العام 2014. وبناءً عليه، لم نحقق تقدّمًا عمليًّا كبيرًا خلال هذه الفترة".

أصدرت المحكمة الليبيّة العليا في طرابلس حكمًا نهائيًا في 20 أيلول\سبتمبر أبطلت بموجبه عضويّة الترهوني بسبب حمله الجنسيّتين الليبية والأمريكيّة. ولم يقدّم فريق الدفاع عن الترهوني الوثائق الضرورية كما ينصّ عليها القانون رقم 24، كالإذن الخطي الذي سمحت له فيه السلطات الليبيّة المختصة بالحصول على جنسية أخرى والغاء حمله الجنسية الليبية بمجرد حصوله على الجنسيّة الأمريكيّة. فيتعين عليه إجراء المعاملات قانونية لاستعادة جنسيته الليبية والتخلي عن جنسيته الأمريكية قبل أن يتم انتخابه.

وردًا على سؤال "المونيتور" حول الدليل الذي وجب عليه تقديمه إلى المحكمة، قال المنصوري،" إنه تسجيل فيديو يُظهر الترهوني وهو يتحدث في سياتل، في الولايات المتحدة، حيث عاش وعمل لسنوات طوال كمدرّس في جامعة واشنطن، وذلك قبل عودته إلى ليبيا في آذار\مارس 2011".

إلاّ أن تغطية الإعلام المحلي للقضيّة التاريخيّة في ليبيا الجديدة كانت دون المستوى المطلوب. وسيكون لها تداعيات واسعة النطاق على الأرجح، وذلك بسبب حمل العديد من المسؤولين السابقين والحاليين جنسيّة مزدوجة وهم الذين لم يكن يجب أن يتم تعيينهم أو إنتخابهم في بعض المناصب.

ومن بين هؤلاء الرئيس السابق لأوّل مؤتمر وطني عام منتخب محمد يوسف المجريف، إضافة إلى أربع شخصيات أخرى على الأقل، من بينها رئيس الوزراء السابق علي زيدان والعضو السابق للمؤتمر الوطني العام عبد الرحمن السويحلي ونائب رئيس الوزراء السابق مصطفى أبو شاقور.

وسأل "المونيتور" ما العمل الآن مع تلك الشخصيات وهل يمكن محاكمتها بتهمة التزوير، فأجاب المنصوري "يجيز القانون محاكمتهم حتى لو غادروا مناصبهم. فيتعيّن عليهم إعادة مرتباتهم على الأقل، أو المخصّصات الأخرى التي دُفعت لهم أثناء تبوّئهم هذه المناصب. كما يتعيّن عليهم أن يبرّروا أمام المحكمة كيف تمّ انتخابهم عن غير حق". وردًا على سؤال حول عدم قانونيّة عملهم في الهيئات ذات الصلة، أجاب المنصوري بالنفي، قائلاً "إن الأمر مستبعد جدًا لأنهم لم يشكّلوا أكثريّة".

وفي ضوء الحوار الجديد الذي استُهلّ في تونس في 26 أيلول/سبتمبر لحل الأزمة السياسية، نضّمت مجموعة من النشطاء الليبيين في 29 أيلول/ سبتمبر عريضة على الانترنت، طالبت فيها المبعوث الأممي في ليبيا غسان سلامة، والذي يقود المحادثات، التأكّد من إنفاذ القوانين الليبية السارية المفعول، وذلك بعدم قبول ترشّح أي مواطن ليبي لأي منصب في حال كان يحمل جنسية أخرى.

أطلق فوزي عمر، وهو أحد أبرز الناشطين، هذه العريضة على موقع "فيسبوك". التقى "المونيتور" بعمر في طرابلس وسأله عن سببها. أجاب عمر إنها "تذكير موجّه إلى سلامة بالقوانين الليبيّة السارية المفعول، وذلك للتأكد من [أنه] لن يخالفها بقبول تعيين أي شخص يحمل جنسية مزدوجة".

وردًّا على فكرة أن هذا القانون قد تم اعتماده في ظل حكم القذافي، وبأنه قد يكون موضوعًا خلافيًا، قال عمر إنه "يتعيّن على الجميع احترام [هذه القوانين] ما دامت سارية المفعول وغير ملغاة أو لم تخضع لأي تعديل".

تشير زيارة بسيطة لصفحة عمر الخاصة على موقع "فيسبوك" إلى أن مئات الليبيين يدعمون جهوده. وقال، "أتوقع من آلاف الليبيين التوقيع على العريضة". أرسل عمر إلى "المونيتور" كتابًا خطيًا في 2 تشرين الأول\أكتوبر يؤكّد فيه أن العريضة وصلت بالفعل إلى مكتب سلامة في تونس. كما أشار إلى أنه مستمرّ في "حثّ المزيد من الليبيين على تنظيم عريضة خاصة بهم للمبعوث الأممي حول الموضوع نفسه".

 وأضاف عمر، "أظنّ أن المزيد من الليبيين سيقدّمون عريضة إلى المبعوث الأممي بعدما أفسحت الطريق أمامهم".

يبقى أن نرى ما إذا كان سيتم التقيّد بالقوانين السارية المفعول أم أنه سيتم مخالفتها كما يحدث في حالات عديدة، لأن ذلك سيشكّل بداية سيئة، اذ يسعى الليبيون إلى تحقيق سيادة القانون واحترام القضاء في البلد الجديد.

وجد في : شؤون قضائية
x