ليبيا في حالة تأهّب بعد مقتل أربعة من حرّاس السّلام القبليّين

p
بقلم
بإختصار
قُتِل مؤخّرًا أربعة رجال ينتمون إلى قبيلة ليبيّة محليّة ويعملون على الوساطة بين القبائل المتحاربة، ما أثار تساؤلات بشأن جهود المصالحة.

طرابلس، ليبيا – استفاقت ليبيا صباح يوم 29 أيلول/سبتمبر على خبر جريمة مروّعة، فقد قُتِل أربعة رجال ينتمون إلى أكبر قبائل البلاد أثناء عودتهم من بلدة مزدة بجنوب طرابلس، إلى بني وليد في غرب البلاد. وكان اثنان من الضّحايا من الأعضاء البارزين في المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة: عبدالله أنطاط، رئيس لجنة المصالحة التي تقود جلسات المصالحة الاجتماعيّة بين قبائل مختلفة في البلاد التي تمزّقها الحرب، وخميس سباقة، عضو في اللّجنة عينها. أمّا الضّحيّتان الأخرتان فهما عادل ميلاد، وهو رجل شرطة، وموسى المنسلي، وهو سائق.

كان الرّجال الأربعة قد أنهوا للتوّ آخر مهمّاتهم في صنع السّلام التي تكلّلت بالنجاح، وأطلقوا جولة أخرى من المصالحة بين قبيلتي المشاشية والزنتان في منطقة الجبل الغربي بليبيا. وتجدر الإشارة إلى وجود خلاف بين القبيلتين تنتج عنه حالات وفاة وتهجير لأعداد كبيرة من أفراد قبيلة المشايشة على يد جيرانهم، الزنتان، في أعقاب حرب العام 2011 الأهليّة، مع تمرّد الزنتان ضدّ نظام الرّئيس السّابق معمر القذافي ودعم المشايشة للنظام.

نشر رئيس المجلس المحلّي للمشايشة الطاهر ضو بيانًا يوم 30 أيلول/سبتمبر يقدّم فيه تعازي المجلس إلى قبيلة ورفلة، قائلاً، "يكمن دافع إجرامي وراء الجريمة وليس دافع سياسي [كما كان يُعتقَد في البداية]. تعرّفنا إلى الجاني، ونحن نعمل الآن على تسليمه إلى مكتب النائب العام في طرابلس".

لم يأت البيان على ذكر اسم المشتبه به الذي "اعترف بجريمته وقال إنّه عمل بمفرده".

أثارت الجريمة إدانات من جميع القبائل تقريبًا، وكلتي الحكومتين، والبرلمان وكذلك بعثة الأمم المتّحدة للدّعم في ليبيا. وأشادوا جميعهم بالرجال المقتولين، ووصفوهم بصانعي السّلام مطالبين بتقديم المشتبه به إلى العدالة.

وفي بيان صادر في 29 أيلول/سبتمبر، أدان المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة الجريمة ووعد بمواصلة جهوده للتوصّل إلى مصالحة وطنيّة في كافّة أنحاء ليبيا.

حضر المونيتور جنازة الضحايا الضّخمة في بني وليد جنوب غرب مدينة طرابلس في 30 أيلول/سبتمبر، حيث أشاد رئيس المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، مفتاح أفطس، بالضّحايا، واعدًا أنّ "المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة لن يثبط عزيمته مقتل اثنين من أفضل رجاله، فهو سيواصل جهوده من أجل المصالحة الوطنيّة في كافة أنحاء ليبيا لإنهاء هذا الانقسام في الوطن وإحلال الاستقرار والسّلام".

ودعا أفطس إلى التروّي وطلب من قبيلته ألا تسعى إلى الانتقام بما أنّه ألقي القبض على المشتبه به، مشدّدًا على "الرابطة القبليّة الطّويلة الأمد بيننا وبين إخوتنا، المشايشة". وتجدر الإشارة إلى أنّ القبيلتين حليفتان منذ القدم، وهما دعمتا نظام القذافي في حرب العام 2011 الأهليّة.

شهدت ليبيا منذ الحرب الأهليّة في العام 2011 انقسامًا سياسيًا مريرًا وتوتّرات قبليّة. ونجد فيها حكومتين متنازعتين: حكومة الوفاق الوطني التي تتّخذ من طرابلس مقرًّا لها، تعترف بها الأمم المتحدة ويرأسها فايز السراج، والحكومة القائمة في طبرق بشرق ليبيا، والتي لا يعترف بها المجتمع الدّولي. إذًا في ظلّ غياب حكومة مركزيّة فاعلة وعلى ضوء تغلغل تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)، تفتقر البلاد إلى الأمن وأجهزة إنفاذ القانون المنظَّمة مع وجود قوّة شرطة غير فاعلة تواجه مئات الميليشيات المسلّحة التي تسيطر على عدّة أجزاء من البلاد. وهذا، بالإضافة إلى سهولة الحصول على الأسلحة، أدّى إلى زيادة في جميع أنواع الأنشطة الإجراميّة.

في خلال مؤتمر صحفي نادر عُقِد يوم 28 أيلول/سبتمبر في مدينة طرابلس، تحدّث الناطق باسم النائب العام الليبي عن الوضع الأمني في البلاد وحذّر من أنّ مجموعات إرهابيّة مختلفة، بما في ذلك داعش وتنظيم القاعدة، تستفيد من الفوضى التي تعمّ البلاد، وستواصل ذلك ما لم تنعم ليبيا بالاستقرار في ظلّ حكومة مركزيّة قويّة واحدة.

وقال الناطق باسم النائب العام "إنّنا نشهد زيادة في الأنشطة الإجراميّة غير العاديّة التي تشمل جرائم القتل، والابتزاز والخطف"، بدون أن يأتي على ذكر أرقام دقيقة.

وإنّ مواصلة القوات الموالية لحكومة طرابلس قتالها ضدّ داعش في مدينة صبراتة، غرب طرابلس، ليست إلا دليلاً آخر على ما أشار إليه النائب العام في ما يتعلّق بالوضع الأمني؛ علمًا أنّ القوّات الموالية لحكومة الوفاق الوطني تقوم إلى جانب ميليشيات موالية لها بمحاربة داعش داخل المدينة منذ 19 أيلول/سبتمبر.

في صبراتة، يتمتّع مقاتلو داعش ببعض الدّعم والتّعاطف من قبائل محليّة، بخاصّة تلك المرتبطة بمهرّبي البشر، بما أنّ صبراتة لطالما كانت نقطة الانطلاق الرّئيسيّة للمهاجرين الذين يُقدِمون على الرّحلة الخطيرة عبر البحر الأبيض المتوسّط إلى أوروبا. وشكّلت المدينة أيضًا ملاذًا آمنًا إلى حدّ ما لمقاتلي داعش الذين يجري تهريبهم من تونس التي تبعد أقلّ من 70 كيلومترًا إلى الغرب. والجدير بالذّكر أنّه في 19 شباط/فبراير 2016، استهدفت القوّات الجويّة الأميركيّة ما قالت إنّه معسكر تدريب لمقاتلي داعش، ما أسفر عن مقتل 43 شخصًا.

في غضون ذلك، جرت جولة جديدة من المحادثات في تونس بوساطة المبعوث الأممي الخاصّ إلى ليبيا غسان سلامة بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر، وركّزت على تعديل الاتّفاق السّياسي اللّيبي الذي أبرم في الصخيرات بالمغرب في 17 كانون الأوّل/ديسمبر 2015.

تشمل الأطراف في المحادثات حكومة الوفاق الوطني وخصمها في طبرق بهدف التوصّل إلى تسوية سياسيّة لتوحيد البلاد وإنشاء حكومة فاعلة تتمتّع بقوّات أمنيّة موحّدة قادرة على ضمان أمن البلاد.

لم يذكر البيان الصّادر عن المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة المحادثات مباشرة لكنّه أشار إليها كـ"الوساطات غير المجدية في الخارج التي تفشل على الدّوام". وقد دعا البيان جميع القبائل اللّيبيّة إلى الاجتماع في بني وليد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر لـ"تكريم الشّهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للسّلام من خلال الشّروع في مصالحة وطنيّة ستوحّد البلاد وشعبها".

x