نبض العراق

العبادي يشدّد إجراءاته أمام الانفصاليّين الأكراد .. والمعارضة الكرديّة ترحّب

p
بقلم
بإختصار
فور الانتهاء من إجراء الاستفتاء على الانفصال في إقليم كردستان العراق، شدّد رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي إجراءاته تجاه قادة الانفصال في الإقليم، مستثمراً المعارضة الدوليّة والإقليميّة ضدّ انفصال الإقليم.

وفي اجتماع له مع النوّاب في البرلمان العراقيّ في 27 أيلول/سبتمبر، قال العبادي إنّه سيقوم بفرض "حكم السلطة الاتّحاديّة بقوّة الدستور والقانون في إقليم كردستان العراق"، مخاطباً السلطات الكرديّة بالقول: "تكون شريكي في حكم العراق، أكون شريكك في حكم الإقيم، المعادلة يجب أن تكون هكذا". وحذّر حكومة الإقليم من أنّه سيفاجئهم بسلسلة من الإجراءات ضدّ التيّار الانفصاليّ في حكومة الإقليم. ولكنّه أعلن في الوقت نفسه أنّه سوف لن يأخذ أيّ إجراءات عقابيّة ضدّ المواطنين الأكراد، وأنّه لا يقبل بالاعتداء عليهم، ولا يقبل التحيّز ضدّ جميع المواطنين من الأكراد وغيرهم.

وكان العبادي قد أمر يوم الاستفتاء في 25 أيلول/سبتمبر السلطات الكرديّة بتسليم "كلّ المنافذ الحدوديّة من ضمنها المطارات إلى الحكومة الاتّحاديّة". وطلب من دول الجوار ودول العالم "التعامل مع الحكومة العراقيّة الاتّحاديّة حصراً في ملفّ المنافذ والنفط"، وذلك حسب الدستور العراقيّ الذي يعدّ المنافذ الحدوديّة تابعة إلى الحكومة الاتّحاديّة والنفط ثروة للشعب العراقيّ كافة.

وقد أوقفت حكومة بغداد كلّ الرحلات الجوّيّة من إقليم كردستان وإليه في 29 أيلول/سبتمبر، بعدما امتنعت السلطات الكرديّة عن تسليم المطارات الدوليّة في الإقليم إلى حكومة بغداد حسب طلب الأخيرة. واستثنى مجلس الوزراء الرحلات ذات الطابع الإنسانيّ والتي يجب أن تحصل على موافقات خاصّة من السلطات الاتّحاديّة.

وقد أمرت الحكومة الاتّحاديّة بإقفال المنافذ الحدوديّة البريّة غير الرسميّة بين إقليم كردستان والدول الأخرى إيران وتركيا على وجه التحديد، كما أنّها تعمل على التحكّم بالمنافذ الرسميّة من خلال التنسيق مع إيران وتركيا، حيث يتمّ إرسال قوّات عراقيّة إلى دول الجوار، ويتمّ استقرارها في الخطوط الحدوديّة من طرف إيران وتركيا.

وتزامناً مع الإجراءات التنفيذيّة، يحاول العبادي تفعيل ملفّات قضائيّة ضدّ السلطات الكرديّة بسبب تنفيذها الاستفتاء الذي منعت إجراءه المحكمة الاتّحاديّة، وأيضاً تفعيل ملفّات فساد سابقة ضدّ المسؤولين الأكراد ورئيس الإقليم مسعود البارزاني على وجه التحديد. فقد أصدر مجلس الوزراء بياناً في يوم إجراء الاستفتاء جاء فيه: "تدارس المجلس الإجراءات التي ستتّخذها الجهات المعنيّة من ضمنها فريق استرداد الأموال العراقيّة، بمتابعة حسابات إقليم كردستان وحسابات المسؤولين في الإقليم ممّن تودع أموال تصدير النفط في حساباتهم". كما أنّ البيان أعلن عن قيام الادّعاء العامّ بملاحقة موظّفي الدولة كاقّة ضمن الإقليم من الذين ينفّذون إجراءات الاستفتاء المخالفة لقرارات المحكمة الاتّحاديّة".

ومن الجانب الكرديّ، اتّجهت السلطات الكرديّة، وعلى عكس خطابها المتشنّج قبل إجراء الاستفتاء، إلى الدعوة إلى الحوار بلغة هادئة ملمّحة إلى إمكان التنازل لبغداد في بعض الملفّات الخلافيّة. فقد أعلن محافظ كركوك نجم الدين كريم في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر، أنّ الأكراد مستعدّون للحوار مع بغداد، مضيفاً أنّ نتائج الاستفتاء على انفصال الإقليم ليست الأساس في مصير المحافظة. كما أنّ رئاسة الإقليم – وعلى خلاف صريح لاتّجاهها قبل إجراء الإستفتاء – أبدت موافقتها على المبادرات المطروحة لحلّ الأزمة، ومنها مبادرة المرجع الشيعيّ العراقيّ الأعلى السيّد علي السيستاني، والذي طالب بغداد وأربيل بتحكيم الدستور في حلّ الخلافات العالقة بينهما، مشدّدة على دعمها وحدة العراق ومعارضتها أيّ جهد انفصاليّ.

ولكن في المقابل، ترفض بغداد الدخول في حوار مع الإقليم قبل إعلان سلطات الإقليم إلغاء نتائج الاستفتاء والعودة إلى الدستور في حلّ المسائل العالقة. فقد أعلن المتحدّث باسم المكتب الإعلاميّ لرئيس الوزراء سعد الحديثي في بيان في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر أنّ "على إقليم كردستان إلغاء نتائج الاستفتاء المخالف للدستور، ومن ثمّ الدخول في حوار جادّ لتعزيز وحدة العراق"، مضيفاّ أنّه "يجب على الإقليم تأكيد التزامه بالدستور وقرارات المحكمة الاتّحاديّة".

وفي الصراع بين أربيل وبغداد، يبدو أنّ الإجماع الدوليّ والإقليميّ، إلى جانب الخطوات الحكيمة والهادئة للعبادي قد أعطت لبغداد اليد العليا في هذا الصراع، خصوصاً أنّ السلطات الكرديّة لم تتمكّن من إيجاد إجماع كرديّ شامل لصالح خطوات الانفصال وضدّ إجراءات بغداد العقابيّة.

فقد أظهرت نتائج الاستفتاء أنّ نسبة المشاركين في بعض المدن الرئيسيّة كمدينة السليمانيّة ومدينة حلبجة التي قصفها النظام السابق بالكيميائيّ لم تبلغ 55% من مجموع المشاركين، مع نسبة عالية من التصويت بلا بلغت 22% في حلبجة على سبيل المثال.

وقد وقفت الأحزاب الكرديّة المعارضة لرئيس الإقليم المنتهية ولايته السيّد بارزاني، مع العبادي في إجراءاته ضدّ سلطات الإقليم. وصرّحت رئيسة كتلة التغيير النائب سروة عبد الواحد في 27 أيلول/سبتمبر أنّ "العبادي تعامل بوطنيّة مع الأزمة (الكرديّة)، ويتصرّف كرجل دولة"، مؤكّدة أنّ هذه الإجراءات لا يريد العبادي منها استهداف الشعب الكرديّ، بل المسؤولين في الإقليم ممّن تسبّبوا بالأزمة. ودعت عبد الواحد رئيس الوزراء العبادي الى طرد الشركات التابعة إل رئيس الإقليم بارزاني من مؤسّسات الدولة في الإقليم، وإيقاف تعاملاتها مع وزارات الدولة، لافتة إلى أنّ عائلة البرزاني تمتلك شركات كثيرة تنفّذ مشاريع في عدد من الوزارات والمؤسّسات الحكوميّة.​

واستنكرت حركة التغيير إجراء حكومة الإقليم بتشكيل "القيادة السياسية لكوردستان" والذي حل محل مجلس الاستفتاء، معتبرة اياه مؤسسة غير دستورية على مسار تعزيز الديكتاتورية. وفي بيان للجماعة الاسلامية الكوردستانية، اعترضت الجماعة تشكيل القيادة السياسية الجديدة، قائلا: "قبل اجراء الاستفتاء وعد مقرروا الاستفتاء شعب كوردستان بانهم سوف يسيرون باتجاه بناء الدولة و ان الاستفتاء هي خطوتهم الاولى ولهذا كان الجميع بانتظار ان تكون الخطوة التي تلي الاستفتاء اعادة الهيبة والمكانة للمؤسسات الرسمية في اقليم كوردستان و العمل على اجراء الانتخابات ولكن للاسف سمعنا خبر تغير اسم مجلس الاستفتاء الى القيادة السياسية لكوردستان – العراق".

وفي بيان لعضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني هيرو ابراهيم احمد، انتقدت هيرو إجراء الاستفتاء: "مع ان الدول العظمى في العالم والامم المتحدة ودول الجوار طلبت منا تأجيل الاستفتاء وذلك لعدم ملاءمة الظروف الا ان القيادة السياسية الكردستانية (وانا من ضمنهم) لم نستجب لتلك الدعوات وتحدينا العالم كله واجري الاستفتاء ... يدفع شعبنا ضريبة هذا العناد في الوقت الحاضر، فبدل ان نراجع انفسنا ونقيم الظرف الحالي بصورة واقعية ودقيقة، تقرر تشكيل (مجلس قيادة الثورة – العراق) اي مجلس القيادة السياسية الكردستانية – العراق دون العودة الى قيادة الاحزاب والاطراف السياسية الكردستانية".

كما أنّ الاتّجاه الأخير لبعض القادة الأكراد نحو تشكيل كيانات سياسيّة عراقيّة، وليست كرديّة فقط، يدلّ على فشل مشروع بارزاني في إيجاد جبهة وطنيّة كرديّة لصالح استقلال كردستان. فقد أعلن القياديّ في الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ برهم صالح في 2 تشرين الأوّل/أكتوبر تشكيل تيّار التحالف من أجل الديمقراطيّة والعدالة، لتقديم حلّ جذريّ للعراق كلّه "البصرة والسماوة وبغداد والموصل والرمادي وأربيل والسليمانيّة"، حسب تعبيره، ولخلاص الشعب من "سوء إدارة هذه البلاد والحروب والفساد وخرق الدستور والقانون".

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x