الولايات المتّحدة أمام تحدّي إزالة كميّات هائلة من المتفجّرات في العراق بعد المعركة ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة

p
بقلم
بإختصار
ستتطلّب إزالة الألغام التي خلّفها مقاتلو "داعش" في كلّ أنحاء البلاد سنوات عدّة وملايين الدولارات.

إنّ المعركة التي شنّها العراق من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلاميّة لن تنتهي بهزيمة التنظيم عسكريّاً.

فبعد تحرير القوّات الأمنيّة العراقيّة المدعومة من الولايات المتّحدة الأميركيّة الموصل وتل عفر هذا الصيف، استمرّ المقاتلون المنسحبون بتخليف كميّات كبيرة من أجهزة التفجير المبتكرة المعقّدة المخبّاة عمداً في مناطق مأهولة لقتل المدنيّين وإصابتهم بجروح. ويقول مسؤولون أميركيّون لـ "المونيتور" إنّ الدعم الأميركيّ للجهود الجبّارة الهادفة إلى إزالة مخلّفات الحرب التي استمرّت ثلاث سنوات قد يكون ضروريّاً لعقود.

وقال نائب مديرالبرامج في مكتب وزارة الخارجيّة الأميركيّة لإزالة الأسلحة وإبطال مفعولها، جيري غيلبرت، لـ "المونيتور": "إذا نظرنا إلى حجم التلوّث في هذه المناطق التي تمّ تحريرها من قبضة ["داعش"]، نلاحظ أنّه مشابه لأوروبا بعد الحرب العالميّة الثانية [حيث] ما زالوا يعثرون على مخلّفات حتّى اليوم. سوف يطرح هذا الأمر في نهاية المطاف مشكلة طويلة الأمد تحتاج إلى حلّ محليّ. وسوف يستغرق تنظيف جميع المخلّفات سنوات كثيرة ومئات ملايين الدولارات".

"وسوف يستغرق تنظيف جميع المخلّفات سنوات كثيرة ومئات ملايين الدولارات".

تواجه القوّات الأميركيّة والعراقيّة خطر أجهزة التفجير المبتكرة منذ بداية العمليّات العسكريّة الأميركيّة في العراق سنة 2003. وتقدّر وزارة الخارجيّة الأميركيّة حجم التلوّث في العراق بـ 15 مليون لغم أرضيّ وذخيرة غير منفجرة يعود بعضها إلى أربعينيّات القرن الماضي.

وبغية مواجهة هذا الخطر، طلبت إدارة دونالد ترامب تمويلاً بقيمة 40 مليون دولار لإزالة الألغام في العراق للسنة الماليّة التي تبدأ في الأوّل من تشرين الأول/أكتوبر، أي أكثر من ضعف المبلغ الأوليّ الذي طلبته الإدارة الأميركيّة في سنة 2017 الماليّة (ارتفع هذا المبلغ إلى 48 مليون دولار بعد التمويل الإضافيّ). ومن العام 2003 حتّى العام 2015، أنفقت الولايات المتّحدة أكثر من 300 مليون دولار على إزالة القنابل في العراق، وفقاً لوزارة الخارجيّة.

وفيما ركّزت وزارة الخارجيّة الأميركيّة جهودها المتعلّقة بإزالة الألغام في العراق على تنظيف المخلّفات بعد النزاعات، مثل الحرب الإيرانيّة العراقيّة في الثمانينيّات والمخلّفات الناجمة عن احتلال صدّام حسين للعراق، يقول المسؤولون إنّ مقاتلي "داعش" استهدفوا عمداً المدنيّين في المناطق كثيفة السكّان. ووضعوا ألغاماً في كلّ شيء، من الأدوات المنزليّة كالبرّادات ورفوف الأحذية والمكانس الكهربائيّة إلى الجثث.

وعثرت منظّمة شريكة للولايات المتّحدة على أجهزة تفجير مبتكرة في بساتين للخوخ في سوريا بهدف حرمان السكّان العائدين إلى قراهم من الغذاء. وإنّ حجم المتفجّرات التي خلّفها التنظيم والتي تستهدف المدنيّين لم يرَ له المسؤولون في وزارة الخارجيّة الأميركيّة مثيلاً في تاريخ برنامج إزالة الأسلحة الذي طُبّق في أكثر من 30 بلداً طوال ربع قرن.

وقال غيلربت إنّ "داعش" يحاول زرع الفوضى والمأساة والموت مع انسحابه. لم نرَ في أيّ مكان هذا الكمّ من الشرّ".

ويقدّر مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة أن تكون غالبيّة المدن العراقيّة المحرّرة من قبضة "داعش" بحاجة إلى تنظيف من أجهزة التفجير المبتكرة من أجل عودة سكّانها. ويدعو قرار صدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة السنة الماضية الحكومة العراقيّة إلى تسريع عمليّة إزالة أجهزة التفجير المبتكرة من المناطق المحرّرة من قبضة "داعش" بغية تسريع عودة اللاجئين والنازحين الداخليّين الذين لا تزال أعدادهم بالملايين.

وفيما تستطيع منظّمات إزالة الألغام رصد جزء صغير من عدد الإصابات في العراق، أحصى مرصد الألغام الأرضيّة والذخائر العنقوديّة 39 شخصاً وقعوا ضحيّة للألغام سنة 2016. وفي العام 2015، تسبّبت الذخائر غير المنفجرة بـ 55 إصابة على الأقل، وبـ 63 إصابة في السنة السابقة.

Share this image

وبغية مواجهة هذا الخطر، يعتمد برنامج تنظيف العراق من أجهزة التفجير المبتكرة التي خلّفها "داعش"، الذي تديره وزارة الخارجيّة الأميركيّة، مقاربة مختلفة عن البرامج التقليديّة الخاصّة بالذخائر المتفجّرة. فالمسؤولون الأميركيّون يتعاونون مع الأمم المتّحدة والحكومة العراقيّة والمسؤولين المحليّين في المدن شديدة التلوّث مثل الموصل والرمادي من أجل معاينة البنى التحتيّة الرئيسيّة التي تهدّدها المتفجّرات قبل إجراء مسح أوسع نطاقاً. وتستمرّ فرق إزالة الذخائر المتفجّرة التي تضمّ مقاولين وعسكريّين في متابعة خطوط القتال الأماميّة.

لقد ساعد التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة على تدريب أكثر من 110 آلاف عنصر أمنيّ عراقيّ، وشمل التدريب تعليمات بشأن التصدّي لأجهزة التفجير المبتكرة، بحسب مسؤولين في البنتاغون. وتأمل وزارة الخارجيّة الأميركيّة ترك العراقيّين لاحقاً يتولّون عمليّة إزالة أجهزة التفجير المبتكرة، إلا أنّ صعوبة تنظيف المناطق كثيفة السكّان المليئة بمتفجّرات متعدّدة المفاتيح تعني أنّ هذه الجهود غالباً ما تتطلّب خبراء في إزالة الذخائر مع 15 سنة من الخبرة في قوّة عسكريّة حديثة.

وفي مدن مثل الموصل، التي دُمّر معظمها في المعركة ضدّ "داعش"، تمّ العثور على أجهزة تفجير مبتكرة وسط البنى التحتيّة والركام، ما يصعّب عمليّة إزالتها بأمان.

وقال المدير المشارك لقسم الأسلحة في منظّمة "هيومن رايتس ووتش"، مارك هيزناي، لـ "المونيتور": "يعود هذا الوضع إلى العام 2003. فقد قاموا آنذاك بالأمر نفسه تقريباً – إزالة الألغام والذخائر. لقد أضاف النزاع الجديد طبقة جديدة من التعامل مع مخلّفات الحرب. إنّ الأمر أشبه بشرائح اللازانيا المرصوفة فوق بعضها البعض".

وهناك أيضاً مخلّفات ناجمة عن الضربات الجويّة القياسيّة التي نفّذها التحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة. وأفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأنّ الجنرال ستيفن تاونسند، قائد الحملة التي تدعمها الولايات المتّحدة لهزيمة "داعش"، كشف عن 81 موقعاً خلّفت فيها الضربات الجويّة ضدّ مقاتلي "داعش" ذخائر غير منفجرة. وقال متحدّث باسم العمليّة لـ "المونيتور" إنّ هذه المعلومات بُلّغت إلى شركاء إزالة الألغام في الأمم المتّحدة عبر السفارة الأميركيّة في بغداد.

ومع أنّ "داعش" خسر أكثر من 90% من المنطقة التي اعتبرها خلافته في العراق، إلا أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة تشدّد على أنّ الولايات المتّحدة ستستمرّ في التركيز على البرنامج حتّى بعد هزيمة التنظيم.

وقال غيلبرت: "سوف نتابع على الأرجح الوضع في العراق لبعض الوقت. فهذه أولويّة كبيرة بالنسبة إلى الحكومة الأميركيّة". 

x