نبض سوريا

يحاول صناع الفسيفساء في سوريا الحفاظ على الحرفة

p
بقلم
بإختصار
فنّ الموزاييك السوريّ حرفة يدويّة قديمة نشأت في سوريا منذ آلاف السنين، وما زالت قائمة رغم الحرب وظروف البلد الصعبة، إلاّ أنّها تعاني من صعوبات قد تؤدّي بها إلى الانتهاء.

اسطنبول - فنّ الموزاييك هو تجميع قطع صغيرة ملوّنة من الأحجار أو الأخشاب أو الزجاج لتشكيل لوحة كبيرة من خلالها، ولتتشكّل منها ألوان وأشكال هندسيّة متداخلة مع بعضها ومزيّنة بالصدف. إنّ الموزاييك فنّ يعود بتاريخه إلى العصور القديمة أيّ إلى حوالى 1500 قبل الميلاد، ويعدّ من الحرف التي اشتهرت بها سوريا على مدى تاريخها الطويل وما زالت مرتبطة باسمها.

بعد سنوات من الحرب، العديد من الفسيفساء القديمة في البلاد قد دمرت أو نهبت. والفسيفساء المعاصرة، وعمل الحرفيين السوريين اليوم الذين يكافحون للحفاظ على الحرف من أجدادهم، تجد القليل، إن وجدت، من المشترين.

هناك نوعان من الموزاييك، ولكلّ منهما تاريخ خاص، فالنوع القديم وهو الموزاييك الحجريّ أو ما يسمّى بالمشقّق الحجريّ عرف منذ نحو ألف سنة تقريباً وما زال يعمل فيه حتّى الآن ونشاهده في البحيرات المزيّنة والأرضيّات والصالات الكبيرة والمساجد. ‏

أمّا الموزاييك الخشبيّ الذي يركّز عليه هذا العصر فهو الأكثر شيوعاً وتتخلّله مادّة الصدف الطبيعيّ، وتعود نشأة هذه الصناعة في دمشق إلى نحو 300 سنة، وتطوّرت إلى إدخال قشر العظم والصدف أو العاج في تصنيع الخشب التزيينيّ.

وتتمتّع مدينة إدلب وريفها في شمال سوريا بتاريخ عريق في فنّ الموزاييك، ويعدّ متحف معرّة النعمان أكبر متحف فسيفساء على مستوى الشرق الأوسط، إذ يحتوي على قرابة الـ٢٠٠٠ متر مربّع من الفسيفساء، يعرض منها حوالى ١٦٠٠ متر مربّع للناس في أروقة المتحف. أمّا البقيّة فموجودة في مستودعاته. كما أنّ أكبر لوحة فسيفساء في العالم موجودة في متحف طيبة الإمام بريف مدينة إدلب.

يعمل حمدو البيوش، وهو فنان فسيفساء سوري من كفرنبل مقيم في ريف إدلب، في مجال الموزاييك منذ عام ١٩٩٨، وما زال مستمرّاً في عمله منذ عشرات السنين، رغم الصراع الدائر في سوريا. وأكّد نيّته الاستمرار فيه بحسب ما تحدّث لـ"المونيتور" في اتّصال عبر "سكايب" من داخل مدينة إدلب، وقال: "هناك صعوبات عدّة، وأبرزها عدم توافر الموادّ بسبب إغلاق الحدود مع أغلب الدول المجاورة. لا نستطيع العمل براحتنا، لا سيّما أنّ هناك فروضاً من فصائل متشدّدة متواجدة في المنطقة تمنع تجسيد بعض اللوحات للإنسان أو الحيوان. نحاول أن نجد حلولاً لموضوع تصريف المنتج من خلال إرسال بعض اللوحات عن طريق النظام السوريّ ليتمّ شحنها من هناك إلى الأردن أو غيره من البلدان، ولكن هنا تزداد التكلفة نتيجة الأموال الطائلة التي ندفعها للحواجز والضباط من أجل السماح بتمرير هذه الأعمال، وتصل في أغلب الأحيان إلى آلاف الدولارات عن كلّ لوحة".

وأكّد عزمه الاستمرار في هذا العمل لأسباب عدّة، وقال: "هذا الفنّ هو تاريخنا، وسنعمل على الحفاظ عليه. كما أنّه إرث العائلة والمنطقة وسنورثه لأبنائنا، كما ورثناه عن أجدادنا. وإضافة إلى ذلك، هو مهنتنا التي نعيش منها".

لا يزال من وقت إلى آخر يتمّ الكشف عن لوحات قديمة وضخمة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب في سوريا. كما يتمّ في بعض الأحيان اكتشاف قطع أثريّة في البلدان المجاورة في الأراضي التي كانت جزءاً من سوريا في السابق كبعض القرى في جنوب تركيا أو داخل الأراضي السوريّة، مثل اللوحة التي تمّ إيجادها عام 2012 في مدينة إدلب داخل قلعة أفاميا وتم بيعها فيما بعد للبنان بحسب ما تحدّث فنّان الموزاييك السوريّ عبد الرزّاق ابراهيم من مدينة إدلب، ولفت إلى أنّ اللوحة التي سبق ورآها عندما وجدها مجموعة من تجّار الآثار هي لوحة لملك وملكة أفاميا وواجهت مصيراً مجهولاً، رغم كبر حجمها وعمرها المقدّر بآلاف السنين، مرجّحاً أنّ اللوحة قد تمّ بيعها خارج البلد، وقال: "الموزاييك في الشمال السوريّ بدأ منذ عهد البيزنطيّين في أكثر من منطقة مثل قلعة أفاميا وأثار سلجدلا في منطقة البارّة بإدلب. هناك آثار عدّة تعود إلى عهد الرومان، وتمّ العثور على الكثير من اللوحات التي تدلّ على ذلك، إحداها لملكة وملك أفاميا، لكنّ تجّار الآثار قاموا ببيعها في السوق السوداء".

أصبحت الحفريات الأثرية في مدينة إدلب ممارسة شائعة للذين يتمتعون بحماية من الجماعات المسلحة والجماعات الجهادية عن طريق الروابط الشخصية أو الروابط العائلية.

وتحدّث أيضاً عن الصعوبات التي تواجههم فقال: "في ظلّ الصراع الدائر، لم يعد هناك اهتمام كبير بهذا العمل، ففي منطقتنا يعمل العديد من أهالي المنطقة بالموزاييك، ولكن لا توجد سوق لتصريف هذه الأعمال. كما أصبح التصريف إلى خارج البلد ضعيفاً ومن خلال وسطاء وتجّار، فلم يعد بإمكاننا إيصال هذا الفنّ إلى العالم أجمع".

ووجّه عبد الرزّاق الطويل نداء إلى المجتمع الدوليّ لحماية هذا الفنّ والحرفة من ضمن التراث العالميّ، وقال: "نطالب المجتمع الدوليّ بأن يتبنّى موضوع حماية اللوحات القديمة والمتاحف والآثار، فهي إرث من آلاف السنين تدلّ على عراقة المنطقة وفنّ على وشك الاندثار".

رغم سنين الحرب الـ6 في سوريا، إلاّ أنّ فناني فنّ الموزاييك ما زالوا يمارسون فنّهم وينتجون لوحات وأعمالاً فنيّة للداخل السوريّ. كما أنّهم وجدوا طرقاً بديلة لتصديرها إلى خارج البلاد من خلال بعض الوسطاء والتجّار.

وفي اتّصال مع التاجر أسامة محروق، وهو سوريّ مقيم في العاصمة الأردنيّة عمّان يعمل في تجارة الموزاييك، قال: "إنّ تصريف الأعمال الفنيّة الآن يتّجه بشكل كبير نحو أوروبا مثل النمسا وألمانيا. وغالباً ما يتمّ شحن البضائع من سوريا إلى تركيا عن طريق معبر باب الهوى الحدوديّ مع تركيا، ثمّ نقوم بشحنها عبر الـDHL أو شركات الشحن الأخرى. وقمت أيضاً بإرسال أعمال عدّة نحو كندا. أمّا بالنّسبة إلى الأسعار فارتفعت بشكل كبير بسبب انهيار العملة السوريّة وارتفاع تكاليف الإنتاج. ويتمّ حاليّاً التسويق عن طريق مواقع التواصل الاجتماعيّ، إضافة إلى المواقع الخاصّة بالموزاييك".

ومع انتقال عدد كبير من السوريّين للعيش خارج سوريا، نقلوا معهم بعض أعمالهم وحرفهم إلى أماكن إقامتهم، في محاولة منهم للمحافظة على تراثهم وحرفهم وفنونهم، وهو ما حصل أيضاً لفنّ الموزاييك الذي بات يرافق بعض الفنانين في بلدان الجوار السوريّ وبلدان اللجوء.

x