نبض فلسطين

في رام الله... نقص المدارس الحكوميّة يحمّل سكاّنها عبء تكلفة المدارس الخاصّة

p
بقلم
بإختصار
نقص المدارس الحكوميّة في مدينة رام الله يجبر الأهالي على تحمّل تكلفة التعليم الخاص، في ظلّ توجّهات حكوميّة لحلّ المشكلة في حال توافر الميزانيّات اللاّزمة.

رام الله - بعد البحث لمدّة أسبوع كامل منذ بدء العام الدراسيّ الجديد (23 آب/أغسطس)، استطاعت عائلة الطالب جلال الدين عبد الهادي إيجاد مدرسة أساسيّة قريبة من منزلها في وسط مدينة رام الله، لا تبعد سوى ربع ساعة في السيّارة، ولكن سيكون من الصعب عليه، وهو في الصفّ الأوّل، الوصول إليها سيراً على الأقدام. وهذه ليست المرّة الأولى التي تواجه فيها العائلة هذه المشكلة، إذ قبل سنوات أيّ في عام 2011 سجّلت الابن الأكبر في مدرسة خاصّة، حيث تضمن أن يستقلّ الباص للتنقّل.

وتعاني مدينة رام الله من نقص المدارس الحكومية بالقرب من التجمعات السكانية مقابل تواجد كبير للمدارس الخاصة التي توفر خدمة التوصيل للطلبة.

وفي هذا السياق، قال والد الطالب مصطفى عبد الهادي لـ"المونيتور": إنّ تكلفة التعليم الخاص مرتفعة، إذ كان يضطرّ إلى أن يدفع سنويّاً على ابنه الكبير قرابة الـ10 آلالاف شيكل (قرابة 2800 دولار) سنويا يضاف إليها زيادة سنوية 100 دولار، إضافة إلى رسوم التسجيل والملابس والمصاريف الأخرى، وهو ما جعله غير قادر على تحمّلها مع وصول ابنه الأصغر إلى الصفّ الأوّل.

ولحلّ مشكلة المواصلات لابنه، اتّفق الوالد مع سائق سيّارة أجرة (تكسي) لنقله يوميّاً وإرجاعه من المدرسة، في تكلفة إضافيّة على العائلة( 600 شيكل) حوالي 175 دولار شهرياً، رغم إرسال ابنها إلى المدرسة الحكوميّة.

مشكلة عائلة عبد الهادي ليست الوحيدة في المدينة، التي اعتمدت ضمنيّاً على التعليم الخاص، الذي يتنامى بشكل مضطّرد، إذ يشهد العام الدراسيّ افتتاح مدارس جديدة كلّ عام، مقابل عدم وجود بناء حكوميّ لسدّ الحاجة، في ظلّ ارتفاع عدد السكّان بشكل كبير في المدينة.

وبالأرقام، يبلغ عدد سكاّن مدينة رام الله قرابة الـ120 ألف، معظمهم من العائلات الجديدة، ويبلغ عدد المدارس الحكوميّة فيها 7 بحسب أرقام وزارة التربية ومدرسة جديدة افتتحت في عام 2015 لم تدرج في القائمة، مقابل 15 مدرسة خاصّة أدرجت في القائمة ( قائمة مديرية التربية)، ومدرسة افتتحت أخيرا وهي المدرسة ( ليسية الفرنسيّة) والتي أعلن عن أفتتاحها في أيار الفائت (2017).

وفي هذا الإطار، أشار المدير العام لمركز "إبداع المعلّم"، وهو مركز مركز إبداع المعلم هو مؤسسة فلسطينية غير ربحية، تعنى بتنمية التربوية ومقرها مدينة رام الله، رفعت صباح إلى أنّ هذا النقص يهدّد مبدأ مجانيّة التعليم، والذي يعتبر حقّاً لكلّ مواطن، فمسؤوليّة الحكومة إيجاد الحلول، وليس المواطنين بإرسال أبنائهم إلى المدارس الخاصّة، وقال في حديث لـ"المونيتور": عدم وجود المدارس الحكوميّة شجّع على التوجّه إلى المدارس الخاصّة، لا سيّما أنّ طبيعة رام الله بوصفها مدينة النخبة ساهمت في تكريس هذا الواقع، ووجود هذا الكمّ من المدارس الخاصّة جعل الحكومة ترمي مسؤوليّتها بتوفير مدارس على القطاع الخاص".

وهذا الواقع بحسب رفعت صباح لا يوفّر بيئة تربويّة صحيّة، وقال: "نخشى أن يكون هناك إهمال في التدريس العام لصالح الخاص".

وذهب صباح إلى أكثر من ذلك، وهو مخالفة الحكومة ما وقّعت عليه في وثيقة الهدف الرابع من التعليم في عام 2015، من خطة التنمية المستدامة للعام 2030، بأن يكون التعليم (تعليماً مجانيّاً إلزاميّاً نوعيّاً شاملاً دامجاً منصفاً عادلاً لمدى الحياة)، فالأصل أن يكون هناك تحسين للقطاع وتقديم تعليم مجانيّ بمستوى التعليم نفسه المقدّم في المدارس الخاصّة.

من جهته، أوضح مدير التعليم العام في وزارة التعليم أيّوب عليان لـ"المونيتور" أسباب هذا النقص، مع إقراره بوجود مشكلة حقيقيّة في مدينة رام الله بنقص عدد المدارس، عازياً المشكلة إلى كون رام الله منطقة الجذب السكانيّ الأولى في مناطق السلطة الفلسطينيّة، وبالتّالي فإنّ مواكبة التطوّر السكانيّ وحصره باتا صعبين، وهو ما يجعل عمليّة جلب تمويل خارجيّ لبناء مدارس صعبة من دون معطيات واضحة.

في المقابل، كما قال أيّوب عليان، فإنّ الشريك الثاني للوزارة في عمليّة بناء المدارس، وهو البلديّة، لا تتوافر لديه الميزانيّات اللاّزمة لمواكبة هذه الزيادة وسدّ الحاجة إلى المدارس.

ما ذهب إليه عليان أكّده لـ"المونيتور" رئيس بلديّة مدينة رام الله المهندس موسى حديد، الذي قال: إنّ هناك جهوداً دائمة لتلبية كلّ الحاجات، ولكن هذه المخطّطات تصطدم بقدرة البلديّة الماديّة، فالزيادة المطلوبة من قبل التربية لا يمكن تلبيتها ماديّاً، لا سيّما أنّ البلديّة تقوم أيضاً بصيانة المدارس القائمة وتوسيعها، وهو ما يستهلك جزءاً كبيراً من ميزانيّتها.

المخطّطات لحل هذه الأزمة، التي تحدّث عنها موسى حديد تتمثّل، كما قال عليان، بشراء قطعة أرض لبناء مدرستين جديدتين في منطقة عين مصباح - وسط رام الله، والتي من شأنها في حال إتمام بنائها حلّ مشكلة كبيرة، خصوصاً أنّ إحداها ستكون أساسيّة، إلى جانب تخصيص مدرسة قائمة (زياد أبو عين في منطقة الطيرة) وتجديدها لتستقبل طلاّباً في المراحل الأساسيّة.

ورفض عليان الاتهام بأن يكون هناك إلقاء مسؤوليّة من قبل الحكومة على عاتق القطاع الخاص، وقال: إنّ التوجّهات الحكوميّة لحلّ هذه المشكلة، هي بناء مدارس جديدة وإعادة توزيع الطلاّب على المدارس الموجودة، وإعادة تحديد المستويات المدرسيّة في المدارس.

بدوره، اعتبر صباح أنّ الحلّ الأمثل لهذه المشكلة هو برفع مخصّصات قطاع التربية في الموازنة ليصل إلى 24 في المئة بدلاً من 20.1 في المئة، وقال: "إنّ الحلّ يكمن في إعادة تحديد التعليم كأولويّة وعدم انتظار التمويل الخارجيّ، فالأصل أن يكون 97 في المئة من الصرف على التعليم من الضرائب التي تجنيها السلطة من المواطنين".

وستبقى هذه المشكلة قائمة ما لم يتمّ تحديد التعليم كأولويّة للصرف من قبل الحكومة، الأمر الذي يعني المزيد من الأعباء الماديّة على الأهالي الساعين إلى تأمين حقّ أبنائهم في التعليم.

وجد في : التعليم
x